رغم ان لبنان يرفض رفضا قاطعا اعادة توطين الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضه فيما يتحدث مصدر عن تجنيس ما يقارب مئتي الف لاجىء.وبين واقع المخيمات البائس خاصة تلك التي تقع في الجنوب اللبناني, وبين مرامي لبنان السياسية الحقيقية, يقبع واقع المخيمات هما جاثما على صدر الفلسطينيين واللبنانيين معا . الواقع الذي يفرض نفسه في لبنان هو ازدياد فقر هذا البلد الذي تقسمه الحروب الطائفية, يضاف الى ذلك ان ارتفاع عدد سكانه يشكل معضلة اذ لم يعد بامكانه لاسباب اقتصادية واجتماعية وديمغرافية استيعابهم, مع وجود مليون لبناني اضطروا للعيش في المنفى وعليه التحضير لعودتهم, او لتخطي الازمة الخانقة التي سببتها الحرب. وجهة النظر اللبنانية لحل مشكلة اللاجئين تقضي بتمكين اللاجئين من الحصول على جنسية الدولة الفلسطينية المقبلة واذا لم يتمكنوا من العودة الى دولتهم فسوف يعاملون في لبنان (كأي عربي موجود فيه ضمن القوانين المرعية وان لم يجدوا عملا عليهم مغادرة البلاد) . قوانين لبنان وقراراته منعت اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة سبعين مهنة وذلك دفعهم للعمل في الخفاء والاعتماد على ما تقدمه الاونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية وفلسطينيي الشتات, ويتكدس غالبية اللاجئين الفلسطينيين في 12 مخيما من مخيمات خربة دمرتها الحرب ورفض لبنان اعادة ترميمها كما رفض السماح للفلسطينيين ببنائها او ترميمها. تناقضت التصريحات اللبنانية حول اعداد اللاجئين فبينما تؤكد مصادر رسمية لبنانية ان عددهم 600 الف فلسطيني تقول منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الاونروا ان عددهم في لبنان 367 الفا, مما دعا المسئولين اللبنانيين يعلقون على ذلك قائلين: (الاونروا تحاول تصغير العدد حتى تبلغ التوطين) . ومقابل ذلك انتهجت سلطات لبنان عمليا سياسة قضم المخيمات والتهجير باتخاذها سلسلة اجراءات بدأت بمحاصرتهم ومنعهم من العمل ووصلت الى حد اخذ اطفالهم الرضع رهائن.. واقع مدمر وسط معلومات حول اعادة ضخ الاموال الى فتح من قبل الرئيس الفلسطيني بهدف اعادة تنظيم قوات فتح في لبنان والامساك بورقة المخيمات خاصة في عين الحلوة تتفجر ازمة المخيمات. فتوقيت عودة (فتح) بهذه الصيغة وبهذا الظرف دفعت اللبنانيين الى ترجيح وجود سيناريوهات فلسطينية اسرائيلية لاعادة الحرب الطائفية وربط ذلك بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية المحتلة كنوع من الضغط ليدخل اللبنانيون خيمة السلام والتفريط. وبدلا من ان تتحول هذه المخيمات الى ورقة ضغط على لبنان, بدأت السلطات اللبنانية مهددة هذه المرة بمحو المخيمات من الخريطة وبالتالي محو قضية اللاجئين نفسها, فبات اللاجئون الفلسطينيون بين فكي كماشة: سلطة وطنية لا تسأل عنهم وتستغل وجودهم كورقة ضغط, وسلطة لبنانية تقمعهم في كل لحظة حتى في العمل وحصولهم على لقمة العيش. ويقول الباحثون ان صورة الوضع الفلسطيني في لبنان تبدو مأساوية ومستقبل اللاجئين والفقراء منهم لا يبشر باي خير, مما يدعو الى الاعتقاد بان الهوية الفلسطينية مهددة بالضياع بعد 50 عاما من اللجوء. وسند هؤلاء الباحثين مدلولات عديدة مستمدة من الوقائع منها: اولا استعداد اللاجئين الفلسطينيين للقبول باي حل يضمن لهم كرامتهم الانسانية المهددة حتى من قبل ابناء جلدتهم, وهذا يؤكد ان الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين ستقبل بالتوطين اذ يضمن لهم حق العمل وحرية التحرك وانهاء حالة اللجوء. وثانيا خطر ازالة المخيمات التي تديرها الاونروا خلال العقود الخمسة الاخيرة من الوجود, فقد تمت ازالة خمسة مخيمات عن الخريطة كانت تديرها اونروا وشكلت 33.33% من المخيمات التي اقامتها منذ مطلع العقد السادس ضمن خطة الحكومة اللبنانية ببناء الـ (اوتو سترادات) . وتذكر المصادر الصحفية والرسمية الى ان لاجئي مخيم شاتيلا بلبنان يتهيأون لتنظيم صفوفهم لمقاومة شق طريق عبر المخيم يهدد بجرف مئات المنازل به. ويقول فلسطينيون في المخيم ان مشروع الاتو ستراد العربي الذي يربط بيروت بالحدود السورية والذي تصر سلطات لبنان على تنفيذه يهدد بالغاء مخيم شاتيلا كما سيؤدي الى جرف 350 منزلا يقطن فيها 1500 فلسطيني ويعزل 300 منزل اخر. ويصف قياديون في مخيم شاتيلا الاوتوستراد العربي بانه خنجر يقطع مخيم شاتيلا مشيرين الى ان المخيمات الفلسطينية في لبنان عرضه للازالة التامة من الآن فصاعدا. فمنازلهم في كل احوالها في المخيمات هي حالة وقف دولية وليست ملكا شخصيا, والفلسطينيون في لبنان يرفضون الحلول الترقيعية, ويطالبون بالاحتفاظ بوضعهم كلاجئين. اوتوستراد العرب مشكلة المخيمات رغم كونها قديمة قدم نشأتها, الا ان الازمة الحقيقية بدأت عام 1994 وبالذات منتصف اغسطس منها حين اصدر رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك الياس الهراوي مرسوما يقضي بوضع منطقة كبيرة تحت الازالة وتشمل مساحة تمتد من منطقة المزرعة الى منطقة خلدة شاملة كل ما بها من مناطق, وقد اشير حينها الى ان المرسوم قيد الدرس بمشروعاته المطروحة انذاك. في بداية الامر استثني مخيم صبرا وشاتيلا, وبرج البراجنة من ذلك لاسباب تتعلق بهذين المخيمين. ثم ادخلت تعديلات على المشروع بعد نقاش مع القوى اللبنانية ادى الى ادخال المخيمين في اطار المرسوم. وسبب اصدار هذا المرسوم على ما هو معلن مشروع وضعت مخططاته التوجيهية لشق اوتوستراد يسمى بالاوتوستراد العربي, يخترق مخيم شاتيلا ضمن مساحة تشمل 3500 متر مربع وتضم 350 منزلا يسكنها حوالي 1500 فلسطيني, ويعزل 300 منزل اخر عن المخيم, وهذا يعني التهجير للاجئين الفلسطينيين القاطنين فيه من جديد, ولم تقدم بناء على ذلك اية حلول بديلة بل بالعكس ابلغوا انهم مجبرين على اخلاء منازلهم. والمخيمات التي يقطنونها مدمرة بفعل الحرب الاسرائيلية ـ اللبنانية مثل مخيم النبطية الذي دمرته طائرات اسرائيل عام 1974, ومخيم تل الزعتر ومخيم جسر الباشا الذي دمرته القوات اللبنانية عام 1976, ولم تسمح السلطات اللبنانية باعادة اعمارها ولم يقدم بديل عنها وذلك ادى بالفعل الى تهجير الكثير من اللاجئين وبعثرتهم في كل اتجاه وعندما حاولت الاونروا ـ وكالة غوث اللاجئين تحسين اوضاع المخيمات في لبنان مقدمة مساعدات, رفضت الدولة اللبنانية اعمار برج البراجنة وغيرها ممن يدخل في خطة الازالة. ومن وجهة نظر السلطة اللبنانية فان هذه المخيمات تشوه واجهة العاصمة اللبنانية, والدولة في اطار منح معالم جديدة للمدينة القائمة على انقاض الحرب. ورغم انه يمكن تقنيا ومن وجهة نظر الفنيين تغيير مسار الاوتوستراد بحيث لا يفصل المخيم الى نصفين ويدمر جزءا منه ولا يتسبب بكلفة اضافية لكن السلطة اللبنانية لا توافق على هذا الحل. وتذكر مصادر فلسطينية ان مخيم شاتيلا مثلا موجود ضمن خرائط الشركات المنفذة لهذه المشاريع وهو معرض الان للازالة رغم انه في عهده الاونروا يقطنه الفلسطينيون بشكل قانوني باعتراف من الدولة اللبنانية وفي اطر رسمية. ومخيم شاتيلا بالذات يصفونه بـ (حزام البؤس) فهو لا تصله الكهرباء منذ انقطعت عنه عام 1986 ويستخدم سكانه طرقا قديمة في الاضاءة كأشعال الشموع والقناديل التي تعمل على الجاز او الغاز ويلجأ بعضهم للاشتراك في المولدات الكهربائية مرتفعة الكلفة. وتذكر تقارير الـ (اونروا) ان 45% منه مدمر وعبارة عن ركام وانقاض وترفض السلطات اللبنانية ادخال اية مواد للبناء فيه وهذا يؤكد قرار اللبنانيين بازالته, والامر نفسه ينطبق على مخيم برج البراجنة, ويقول الفلسطينيون ان المستفيد الوحيد من تهديم المخيمات وتهجير الفلسطينيين هم الاسرائيليون فقط, اذ يسعون لالغاء القضية كقضية لاجئين, الغاء وجودهم وتجريدهم من هذه الصفة, واذا ما نقلوا الى اماكن متفرقة فان الاهتمام بهم يزول تماما. الحياة داخل المخيمات يصفها الفلسطينيون انفسهم بأنها صعبة ومرة وتضييقات الحكومة اللبنانية عديدة ليس اولها منع ادخال مواد البناء الى جميع المخيمات في الجنوب مثلا. لكن الامر يمتد الى ما يتعلق بحياتهم بمجملها فقد منعت السلطات اللبنانية السكان من ادخال اية اجهزة كهربائية تستخدم في المنازل عادة, واذا ما اراد احد اصلاح اي جهاز معطل فانه لا يستطيع ادخاله اليه من جديد. المرجعية الفلسطينية المنتخبة لهذه المخيمات قامت حينها باعتصامات وتحركات دون فائدة. كان اللاجئون الفلسطينيون يطالبون ويأملون باصلاح الوضع في المخيمات استنادا الى الاتفاقات مع اللبنانيين والتي قضت حال انتهاء الحرب بتسليم اسلحة الفلسطينيين للحكومة اللبنانية مقابل ان تقدم الاخيرة خدمات للاجئين. وشملت مطالبهم توسيع المخيمات وزيادة مساحتها وتحسين اوضاعها المعيشية فهي تسكنها منذ العام 1948 اجيال ثلاثة على التعاقب وبقيت مساحتها كما هي محدودة دون زيادة. وتذكر التقارير ان اللاجئين الذين قدموا للبنان منذ عام 1948 كان عددهم مئة الف اما اليوم فقد تضاعف عددهم ثلاث مرات او يزيد. ووفق احصاءات وكالة الغوث فان 45% من الشعب الفلسطيني يعيشون خارج هذه المخيمات لان مساحتها الضيقة لم تعد تستوعب جميع الفلسطينيين داخلها. طرحت عام 1996, 1997 بدائل سكنية, عندما كان مطروحا بشكل رسمي امر (التوطين) , ومن هذه البدائل نقل المخيمات الى منطقة (القريعة) التي عمل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري على تهيئتها لسكن اللاجئين بنية جمع اللاجئين في مكان واحد. لكن امر التوطين بات مرفوضا اليوم في لبنان. وهكذا عادت مرة اخرى قضية اللاجئين في لبنان الى الظهور وبشكل اشد ضراوة هذه المرة. وبين الرفض اللبناني للتوطين والمحاولات الاسرائيلية لالغاء قضية اللاجئين تتضاعف خطورة القضية. فاللبنانيون ينتهجون سياسة قضم المخيمات الامر الذي يجعل هذه القضية على اولويات البحث, اذ يؤكد الباحثون والسياسيون ان هذه العملية, اي قضم المخيمات, ستؤدي شاء لبنان أم أبى الى التوطين. واستراتيجية اسرائيل تنحو باتجاه الغاء قضية اللاجئين وفق اسلوبين: الاول: تصفية وكالة الغوث. الثاني: بدء التقليص التدريجي في مساحة المخيمات ثم الغاء هذه المخيمات نهائيا ودمج الفلسطينيين في المحيط الذي يعيشون فيه. وبذات التوجه تسعى لجنة اللاجئين للتركيز على تحسين وضعهم المعيشي بهدف الغاء هذه القضية نهائيا, واذا ما عرفنا ان ركائز قضية اللاجئين هي: وجود المخيم وهو مهدد بالازالة, ووجود الاونروا وهو مهدد بالتصفية, وبقاء الفلسطينيين وهو مهدد بالتهجير القسرى والترحيل. لبنان.. ساحة مهمة كثيرون يتساءلون عن اهمية ساحة لبنان للفلسطينيين رغم انها لا تقدم الكثير للاجئين الفلسطينيين بل تعدهم شوكة في خاصرتها. شاهد الكلام على هذا كان عملية تدريب قرابة 400 فلسطيني في المخيمات مؤخرا, كانت تعدهم السلطة الفلسطينية لتولي مهام الأمن في مناطق الحكم الذاتي بعد انسحاب اسرائيل ولحماية السلطة. اثار هذا التدريب العسكري حفيظة ومخاوف اللبنانيين والسوريين معا, فلو استعادت هذه المخيمات قوتها ستصبح ورقة ضغط ضد لبنان بعد ان كانت المقاومة ورقة ضغط بيد لبنان. وفي الواقع يخشى كثيرون بضمنهم اسرائيل من امكانية اعادة تجنيد اربعة ملايين فلسطيني هم قوام اللاجئين في الخارج لكن الامر المطمئن لاسرائيل هو انه لا ساحة لهم للتدريب, الا اذا كانت لبنان تلك الساحة, وهذا احد اهم اسباب سعيهم لالغاء قضية اللاجئين. وفي ذلك قال جورج حبش وهو يدرك مخاوف اللبنانيين مطمئنا: (لن يتجدد الكفاح المسلح) . لكن حبش اردف تطميناته هذه بمهاجمة السلطة اللبنانية قائلا: (الفلسطينيون الموجودون في الخارج والمعنيون برفع شعار العودة لا يواجهون قضايا معيشية حياتية في سوريا والاردن, اما الناس المسحوقون بكل معنى الكلمة وطنيا وقوميا وطبقيا فهم الموجودون في لبنان) . ولكن حبش لم يجزم بشأن الكفاح المسلح فقد عاد وقال: (لا كفاح مسلح فلسطيني من لبنان في هذه المرحلة, لكن ليس في كل مكان لانه في اراضي 1948 وفي اراضي السلطة الفلسطينية لم تنته هذه المسألة) . هذا الامر وغيره دفع السلطات اللبنانية للتعجيل بحسمه, فعملت على خطين, كان احدهما علنياً وهو جرف بعض المنازل ضمن عملية قضم المخيمات جزءا فجزءا بعد ان منعت اقامة بنية تحتية فيها. اما الخط الثاني فقد كان تجنيس عدد كبير منهم في خطوات شبه سرية كما حصل مع ابناء القرى السبع, فما هي قصة التجنيس؟. شرح الصور: * المخيمات الفلسطينية في لبنان واقع بائس * كادر.. اللاجئون بالأرقام