يبدو ان المعركة بين الرئيس البشير والشيخ الترابي من اجل السيطرة على حزب المؤتمر الوطني, ستكون اكثر سخونة من معركة حل المجلس الوطني, فالمجلس جهاز من اجهزة الدولة يستطيع البشير ان يدعي انه يقع في اطار صلاحيات رئيس الجمهورية, ومن ثم يجوز له ان يعلن انتهاء مدته وان يحرسه بفرقة من الجنود حتى لايدخله النواب ولا يملك الترابي ازاء هذا التصرف الا الاحتجاج الاعلامي والقانوني, لكن السيطرة على حزب سياسي لاتتم باصدار مرسوم رئاسي او بحراسة من رجال الشرطة فهي تحتاج الى ادوات اخرى تقوم على العلاقة الطوعية بين قيادة الحزب واتباعه, وعلى مؤسسات منتخبة من قواعد الحزب, وعلى منهج وافكار متجانسة تجمع بين اعضاء الحزب, وبعد ان فقد الشيخ الترابي موقعه في رئاسة البرلمان المحلول الذي كان يتحرك منه باصرار لمضايقة رئيس الجمهورية والتقليص من سلطاته لجأ الى موقعه الثاني كأمين للمؤتمر الوطني يريد ان ينفرد بقيادته ويوجهه لمعارضة حكومة البشير, او تدخل في بيت الطاعة ويريد الرئيس البشير بدوره ان يبسط سيطرته على الحزب كما بسطها على اجهزة الدولة, لذلك سارع بعقد مؤتمر صحفي في رئاسة المؤتمر الوطني في اليوم التالي لمؤتمر الترابي, حاول فيه جاهدا ان يثبت جدارته لقيادة الحركة الاسلامية, وقال فيه مالا ينبغي ان يقال! قال انه كان عضوا اصيلا في الحركة الاسلامية منذ المرحلة الثانوية وان والده ايضا كان عضوا بالحركة, وانه قام بالاستيلاء على السلطة بامرها وتم حل مجلس قيادة الثورة بقرار منها, وان الحركة الاسلامية قد حلت دون التشاور مع قيادة الثورة, وانه اليوم لن يسمح بحل الحزب الحاكم مثلما حلت الحركة الاسلامية. ونسى البشير في غمرة منافسته مع الترابي ان مثل هذه الاعترافات تقدح في مصداقيته فطالما انكر في السابق علاقته بالحركة الاسلامية وان قراراته تملى عليه من آخرين, وفات عليه ان القبول الواسع الذي لقيته قراراته الاخيرة سببه انها فسرت ليس فقط بانها ضد الترابي ولكنها ايضا ضد الحركة الاسلامية التي سيطرت على مقاليد الامور طيلة حكم الانقاذ وخلقت حزازات ومرارات كثيرة, وهناك داخل وخارج البلاد من يقف ضد توجهها الاسلامي فكثير من الذين رحبوا بخطوة الرئيس البشير ضد شيخه السابق لن يعجبهم ان الحركة مازالت تهيمن على السلطة باكثر من حجمها المشروع ولكن بقيادة البشير بدلا من الترابي, كما ان القوات المسلحة وهي بطبيعتها ونظامها وولائها مؤسسة قومية, لن تقبل ان تكون تابعة لحزب سياسي ولو كان اسلاميا يقوده ضابط مثل الفريق البشير, اما الدول التي ساندت الرئيس البشير في خطوته الحالية فستنظر الى الامر كمرحلة مؤقتة تتخلص فيها اولا من الشيخ الاصولي الذي اكتسب سمعة على مستوى العالم لتنقض بعده على الضابط الاصولي الذي يريد ان يقيم دولة اسلامية في قلب القارة الافريقية. يستطيع الرئيس البشير ان يلعب دورا اكثر ايجابية لمصلحة السودان من منافسه الشيخ الترابي على قيادة الحركة الاسلامية, والحقيقة انه لايملك من المؤهلات ما ينافس به الشيخ على هذا الموقع, بل وآخرين من دون الشيخ, فاستلام السلطة في البلاد ليس من المؤهلات المعروفة لقيادة حركة اسلامية. الدور الذي يستطيع ان يلعبه الرئيس البشير بكفاءة ويعطيه مكانة متميزة في تاريخ السودان السياسي هو الابتعاد تماما عن العمل الحزبي والقيام بدور قومي يحقق السلام في الجنوب والوفاق الوطني بين القوى السياسية في البلاد, وسيسهل عليه القيام بهذه المهمة ان هو ابدى زهدا في السلطة لدورة رئاسية قادمة, لانه يصبح بذلك حكما محايدا يرتضيه الجميع, ولا احسب ان الرئيس البشير قد وجد في السلطة مايغريه بالبقاء فيها اكثر مما قد فعل, ثم قد لايجد السلطة حتى لو ارادها ما اصبحت انتخابات الرئاسة المقبلة مفتوحة لمنافسة عادلة يقف اساسا فيها قادة سياسيون من امثال الصادق المهدي او محمد عثمان الميرغني او ابيل الير او حسن الترابي! يعني القيام بهذا الدور ان يمضي البشير باصرار وحزم لتهيئة المناخ الملائم لعقد مؤتمر الحوار الوطني بين كافة القوى السياسية وذلك بالسماح لكل الاحزاب بممارسة نشاطها دون تقيد بقانون التوالي السياسي, وبافساح مجال الحريات وتضييق قوانين جهاز الامن وشرطة النظام العام حتى لا تتعدى على حريات الناس, وباعادة بناء مؤسسات الدولة على اساس قومي يراعي الكفاءة والخبرة والتأهيل بصرف النظر عن الولاء السياسي, وبانصاف المظلومين من فترة المراهقة الانقاذية, وان يقوم بتنفيذ ما يتوصل اليه مؤتمر الحوار الوطني بامانة واخلاص, وان يكون دستور البلاد محل اتفاق في ذلك المؤتمر وكذلك معالجة مشكلة الجنوب وقانون تسجيل الاحزاب وضوابط الممارسة الديمقراطية, ثم ان يقوم بتسليم امانة الحكم الى حكومة ديمقراطية منتخبة, احسب ان الرئيس البشير ان استطاع ان يفعل ذلك, سيدخل تاريخ السياسة السودانية من اوسع ابوابه, مثل ماحدث لرصيفه الفريق عبدالرحمن سوار الدهب. اما بالنسبة للطرف الآخر في معركة السيطرة على حزب المؤتمر الوطني وهو الترابي فلا ينبغي ان يلومن الا نفسه لما حدث له ولحكومة الانقاذ وللحركة الاسلامية, فقد ارتكب في حق نفسه والآخرين اخطاء قاتلة رغم ذكائه وعلمه وتجربته الثرة في العمل السياسي. فقد سعى باصرار وعناد منذ قيام المؤتمر التأسيسي لحزب المؤتمر الوطني في مطلع اكتوبر الماضي ان يقود مواجهة ساخنة مع البشير لعلها تدفع به الى الاستقالة حتى يرث هو ذلك المنصب, وقد نسي في غمرة المنافسة قوة السلطة التنفيذية في دول العالم الثالث مقارنة بمؤسسات الدولة الاخرى من تشريع وقضاء دعك من الهيئات الحزبية او الاعلامية. وكانت النتيجة ان وجد الشيخ نفسه عاجزا عن دخول دار البرلمان الذي يترأسه والذي ادار حملة انتخابه لوحده دون منافسة تذكر, وان يجد ان نائبه في الحركة الاسلامية الذي اصطفاه متخطيا به من يبزونه تجربة ومجاهدة بتولي تخطيط الانقلاب عليه, ان معظم الوزراء والولاة الذين اختارهم على يديه يرفضون الاستجابة لدعوته بالاستقالة من مناصبهم, وان الشارع السياسي في السودان يؤيد الخطوات التي اتخذت ضده رغم مخالفتها للدستور والقانون. واكثر من ذلك كله ان الحركة الاسلامية التي بناها عبر ثلاثة عقود من الزمان وكانت اقوى الاحزاب السودانية قاطبة قبل مجيء الانقاذ من حيث التماسك والانضباط والتنظيم اصبحت متهلهلة متنازعة داخل تنظيم هلامي فضفاض لايجمع بين افراده الا المشاركة في السلطة فلا عجب ان وجد انه لا يستطيع ان يواجه السلطة التنفيذية بمثل هذا التنظيم الديكوري المنتفخ من مائدة السلطة, لقد وجد الترابي مساندة من الهيئة القيادية للمؤتمر وقد يجد مثل ذلك في اجتماع مجلس الشورى (650 عضوا) لان مسلكه كان في حدود النظام الاساسي للحزب, في حين ان البشير تخطى اجهزة الحزب واتخذ قراراته باستشارة محدودة بين معاونيه وخلصائه, ولكن الالتزام اللائحي وحده لايشفع ان كان المسلك في نهاية الامر يفتقد حسن النية ولا يراعي مصلحة الجماعة, ومهما كانت المساندة التي قد يتلقاها الترابي من اجهزة الحزب العليا, فان الحقيقة الماثلة ان الحزب لن يستطيع ان يفعل شيئا ازاء الاجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية ولعل ادراك هذه الحقيقة بدأ يؤثر في تليين مواقف انصار الشيخ الترابي بعد ان هدأت العواطف الجامحة من ردة الفعل الاولى, وفي ذات الوقت لن يستطيع الرئيس البشير ان يبعد الترابي عن قيادة الحركة الاسلامية او عن المؤتمر الوطني ولكن ربما استطاع ان ينشق بشريحة من كليهما, ومهما جادت عبقرية الوسطاء فلن تحل اشكالية عدم الثقة التي وقعت بين الطرفين مما ادى الى كلمات جارحات قالها كل منهما ضد الطرف الآخر. وهذا يعني ان المعادلة القديمة التي تجمع بين الرجلين في الدولة والحزب لا مستقبل لها, فاما ان يبتعد احدهما للآخر او يبتعد الرجلان لجيل جديد. واحسب ان الحل الثاني هو الاصلح للدولة وللحزب وللرجلين ايضا فقد قدما في الفترة الماضية كل مايستطيعا. آن للترابي ان يعيد في موضوعية وامانة تقويم بناء الحركة الاسلامية وعطاءها في السنوات العشر الماضية, وهل تقدمت ام تأخرت ولماذا؟ وماهو مستقبلها بعد هذه الازمة الهالكة في ظل تعددية ديمقراطية, احسب ان الدور الذي يناسب الشيخ الترابي بعد عمر من المجاهدة والبلاء ان يرى الحركة الاسلامية تستمد قوتها من مبادئه لتظل تقدم دورها في تربية الشباب وفي الدعوة وفي تأصيل اوجه الحياة العامة. ومما يعين على ذلك ان يبارك مشروع الوفاق الوطني وان يدعو الى حكومة قومية لفترة موقوتة تنفذ ما يتفق عليه مؤتمر الحوار الوطني الى حين اجراء انتخابات عامة جديدة, وان يلملم اطراف الحركة الاسلامية ويوكل مهمة اعادة تكوينها الى نخبة من كهول الحركة وشبابها الذين عرفوا بالخلق والفاعلية والالتزام ويجدون القبول من اخوانهم, ينبغي ان تعود الحركة مستقلة متميزة بشعاراتها الواضحة وبمنهجها في العمل التربوي والسياسي وبرموزها المنتخبة من قواعدها, ولا يمنعها هذا التميز من الدخول في تحالف واسع داخل المؤتمر الوطني او خارجه, وليكن دور الشيخ الترابي في اعادة البناء مقتصرا على رعاية رمزية لاتتقلد منصبا تنفيذيا او اداريا في اي من اجهزة الحركة. لقد عاش الشيخ الترابي منذ ان تقلد قيادة الحركة في منتصف الستينيات والى اليوم في معارك دائمة افسدت عليه بعضا من دينه وكثيرا من دنياه, وآن له ان يستريح من ذلك العبء ليخلص الى نفسه والى اهتماماته الروحية والعقلية والى اهله وذويه, فان ابواب الخير واسعة خارج نطاق الكيانات السياسية, وبما ان الشيخ من اسرة متصوفة فاني اذكره بالقول المنسوب الى الامام الجنيد: انا والله لفي نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف. بقلم: د. الطيب زين العابدين