لاتحكم الحتميات منطق العملية السياسية القائمة, وهي تتسع لعدة سيناريوهات واحتمالات حتى بعد ان غاب الخيار العسكري ولم يغب خيار الصراع العسكري مع اسرائيل عربيا نتيجة لقرار هذا الزعيم او ذاك بل غاب نتيجة لبنية اقتصادية سياسية للعالم العربي لايمكن ان ينزل عليها شعار التحرير بالمظلة ولو كانت مظلة الحركة القومية العربية . لقد تجاهل التيار القومي العربي فترة طويلة من الزمن مقومات الخيار العسكري السياسية والاقتصادية لدى الانظمة العربية, ولذلك ايضا حاكم كل نظام بموجبه موقفه اللفظي من شعار التحرير. ولكن حتى بعد غياب هذا الخيار عربيا تبقى هناك استراتيجيات مختلفة للتسوية, فمن مسلمات التسوية مثل الاعتراف المتبادل, الارض مقابل السلام.. الخ والخيار الاستراتيجي المطلوب لايكتفي بالسلام بل يثيرالسؤال: اي سلام؟ كما ان الخيار الاستراتيجي قد يكون متصالحا مع الصهيونية وقد يترك المجال بعد السلام للصراع مع الصهيونية بأشكال اخرى غير التي عرفناها, اذا نجحت اسرائيل مثلا في تفتيت التنسيق العربي والجبهة العربية القائمة لفظيا على الاقل وتصر على الثوابت في موضوع التسوية تكون قد نجحت بفرض استراتيجية (الحق حالك) و (كل من ايدو الو) وتفترض هذه الاستراتيجية دائما ان بقية العرب قد انهوا قضيتهم مع اسرائيل ولم يبق سوى ان نحصل (نحن) مايمكن تحصيله منها فيصبح نقاش العرب مع الحكومة الاسرائيلية شديد الشبه بنقاش احزاب الائتلاف الاسرائيلية مع حكومتهم حول تقسيم ميزانية الدولة قبل دعمهم لها. ولا يمكن الخطر هنا في مجرد انخفاض الثمن الذي تستعد اسرائيل لدفعه مقابل السلام مع كل طرف عربي لان الاطراف تتنافس فيما بينها بل يتجاوز ذلك الى ديناميكية خطيرة قد تؤدي الى التودد والحميمية ثم الصداقة والتحالف والى تفضيل علاقة كل طرف مع اسرائيل (التي تعطي على العلاقة مع الطرف العربي (الذي ينافس) . الافتراضات ذاتها كارثية والديناميكية التي تنطلق منها تؤدي في النهاية الى مصالحة مع الصهيونية وليس فقط الى سلام مع اسرائيل الامر الذي يؤدي الى انسداد آفاق الصراع مع الصهيونية بدلا من اتخاذه اشكالا اخرى. هذا النوع من العلاقة الاستراتيجية العربية الرسمية يؤدي ايضا الى رد فعل شعبي ونخبوي معارض يرفض التسوية من اساسها, مشكلا نوعا من الارتكاز الى الماضي في التعامل مع اسرائيل والصهيونية, والى انتشار نوع من الخطاب السياسي الغيبي في التعامل معها كبديل للاستراتيجية السياسية المعارضة التي تطرح بدائل حقيقية للمجتمع والسلطة اولا ولسياستها تجاه اسرائيل ثانيا. ويقف الوطن العربي حاليا على عتبة تحول كبير تتوقف طبيعته الى حد بعيد على نوع الاستراتيجية التي سوف تتبع, وقد تم توصيف الحالة الفلسطينية الى درجة الاشباع حتى بات واضحا ان التمسك الفلسطيني بشروط الحل الدائم العادل يعني بقاء الصراع الذي بدأ قبل مائة عام مع الصهيونية مفتوحا حتى لو سوي الصراع العربي الاسرائيلي ابن الخمسين عاما ولكن الثبات على متطلبات الحل الدائم والعادل تتطلب عدم رؤية السوريين واللبنانيين كمنافسين في تنزيلات اخر الموسم. ولنذهب ابعد من ذلك قليلا لقد حققت الاستراتيجية التفاوضية السورية تسليما اسرائيليا بوحدة المسارين السوري واللبناني, هذا الانجاز لم يلغ الخصوصية اللبنانية بالتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين من بين امور اخرى. اوساط لبنانية عديدة تصر على حل مسألة اللاجئين الفلسطينيين على اراضيهم ضمن التسوية مع اسرائيل ولكن من الواضح انه لايمكن احقاق حق العودة الفلسطيني بفعل السلام الاسرائيلي ـ اللبناني وحده, اولا لان القضية تحتاج الى جهد عربي ودولي مكثف, وثانيا لانها قضية اساسية في مفاوضات الحل الدائم على المسار الفلسطيني ولذلك قد يتخذ هذا الاصرار شكل التخلص من قضية اللاجئين في لبنان وليس حلها. واللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون في غيتوات مغلقة باتت تشكل حالة اجتماعية قاتمة, وليس فقط حالة انسداد افق سياسي ولكي يكون بالامكان تناول قضيتهم بشكل معقول, ومن ان تتحول الى عملية توطين او تهجير (وليس عودة) يجب ان يتم التعامل بجدية مع حقوقهم المدنية ـ الامر الذي سيطرح سؤال تعامل الدول العربية اصلا مع الجاليات العربية على اراضيها والتنسيق فيما يتعلق بقضية اللاجئين كقضية سياسية قومية على المسار التفاوضي السوري والفلسطيني هذه قضية واحدة من بين العديد من القضايا التي تتطلب ولا توجد قضية واحدة على المسار الفلسطيني الا وتتطلب صمودا فلسطينيا ولايمكن لهذا الصمود ان يدوم او يتحقق دون خلق مقوماته السياسية والاقتصادية الداخلية ودون التنسيق مع العالم العربي مصر وسوريا ولبنان والسعودية وغيرها من دول الخليج. وهذا التنسيق غير ممكن في اجواء تنزيلات اخر الموسم اي الوهم والايهام بأن السوريين قد انهوا وما علينا الا ان ننهي, طبعا بعد ان نحذر باراك ان القضية الفلسطينية تبقى جوهر الصراع وانه لاسلام بدون احقاق حقوق الفلسطينيين, هذا قول حق يراد به باطل اذا قيل لكي يصنع الفلسطينيون انفسهم سلاما بدون احقاق حقوق الفلسطينيين. مازالت القيادة الفلسطينية قادرة على صد هذه الاصوات ومازالت قادرة على الصمود والاستفادة من مقومات الصمود وادراك اهمية التنسيق العربي وهي تعلم جيدا ان التخلي عن الخيار العربي على علاته يعني قبول الخيار الاسرائيلي باملاءاته النابعة عن الاجماع الوطني الاسرائيلي في قضايا الحل الدائم. على كافة القوى القومية والديمقراطية في الوطن العربي ان تدفع بهذا الاتجاه وان تصمت اصواتا مزاودة من مسار على مسار.