.. وهل يمكن ان يكون الفقر صدمة رغم ان العالم قد عرفه منذ بدء الخليقة, بل ان العالم نفسه قد بدأ فقيرا.. ثم أخذ في الثراء عصرا بعد عصر؟ والجواب نعم, قد يكون الفقر صدمة حين يغطي الثراء على كل شيء, وحين تبرز طبقة تبدأ من الرقم مليون او مليار وهذا هو الحال في الكثير من البلاد العربية , ومن بينها مصر. في مصر اثيرت القضية من جديد خلال الاسبوع الماضي عندما القى رئيس الوزراء الجديد بيانه الوزاري وركز على عدد من البرامج في محاربة الفقر. قبلها جاءت ثورة يوليو حربا ضد الفقر ولعبت على مسرحين مسرح الاغنياء والاقطاعيين الذين تحددت ملكياتهم وانتقل بعض مايملكون للفقراء بشكل مباشر عن طريق الاصلاح الزراعي او للفقراء بشكل غير مباشر عن طريق برامج التنمية التي تبنتها الدولة والتي اخذت بدورها بعض ما يملكون وبحثت عن موارد اخرى تضاعف بها الدخل القومي مرة كل عشر سنوات, وكان ذلك هو المسرح الثاني. بعدها جاءت سنوات الانفتاح وكان حصادها ان زادت نسبة الفقر مرة ثانية واتسعت الهوة الطبقية فقد كان الانفتاح دعوة للملاك وحدهم من مصريين واجانب. وتسجل الارقام انه بينما توزع الدخل القومي بنسبة مئوية (50 ـ 50) بين الاجور ودعوة الى التملك عام 70 وهو عام وفاة عبدالناصر فقد اصبحت النسبة الان الثلث للاجراء, والثلثين لعوائد التملك فإذا اخذنا في الاعتبار زيادة عدد السكان ومضاعفة عدد من لايملكون فإننا نلاحظ تراجعا في المستوى كترجمة للكلمة فقر. ففي تقرير التنمية البشرية الذي يصدره المعهد القومي للتخطيط في مصر ان نسبة الفقراء عام 96 كانت 23% من السكان, والفقراء نسبيا حوالي 25% وفي تقرير تال صدر هذا العام واعيد فيه تعريف كلمة فقير تحدد عدد الفقراء بـ 13.6 مليون شخص بينهم 4.3 ملايين من الفقراء فقرا مدقعا. ماذا تفيد التنمية اذن وماذا تفيد المشروعات الكبرى وماذاعن تغير السياسة والاحزاب والحكومة اذا لم ينحسر عدد الفقراء ويعيش الناس عيشة كريمة يشعرون فيها بالاكتفاء؟! وربما كان ذلك هو ما جعل الحكومة الجديدة تتوقف امام الظاهرة وتحاول تقديم نوع من الاسعاف. تعهد رئيس الورزاء في خطاب له امام مجلس الشعب بأن تمنح الحكومة معاشا لمن لا معاش له, لانسان بلا مورد, وتحددت قدرة الحكومة بمليون شخص سوف يحصلون على معاش شهري قدره خمسون جنيها. وتعهد رئيس الوزارة بتقديم قروض طويلة الاجل للطلبة الفقراء, ولصغار المنتجين, ولشباب الخريجين. والرقم كل يساوي عدة مليارات لانه ضمن خطة الحكومة لتشغيل 650 الف شخص هذا العام من بينهم 150 الفا في وظائف حكومية. السؤال: هل تنتهي مشكلة الفقر في اكبر دولة عربية؟ حاولت دراسات سابقة ان تبحث عن منابع الفقر, ومدى انتشاره واماكن تواجده, فكانت هناك فئة المهمشين في المجتمع, هؤلاء الذين لايجدون عملا منظما والذين لايحترفون مهنة واحدة والذين تتوزع بهم اقدارهم بين اطفال الشوارع (الذين لا مأوى لهم) وبين سكان القبور والاكشاك والذين يشكلون ما اسماه تقرير رسمي (حزام الفقر حول القاهرة) . هذه هي الفئة الاولى التي تغذي سوق الفقر. اما الفئة الثانية فهي فئة المتعطلين والذين يصل عددهم الى حوالي مليونين وفقا للاحصاءات الحكومية, ومعظمهم طبقا لبيان رئيس الوزراء الاخير من خريجي الجامعات والمدارس المتوسطة. وقد يأتي بعد هؤلاء فئة صغار ومتوسطي موظفي الحكومة, بل قد ينضم لهم العاملون في القطاع الخاص والذين تتدنى اجورهم بسبب وفرة المعروض من الايدي العاملة. والفقر له الف وجه فهو من وجهة نظر الدولة: مفتاح للاضطرابات والسخط العام الذي قد يهدد الاستقرار. والفقر من وجهة نظر اجتماعية عامة قضية انسانية, وحقوق الانسان الان لم تعد قاصرة على الحقوق الفردية مثل حقوق السجناء او حرية الرأي, حقوق الانسان باتت تتعلق ايضا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية, فمن حقك ان تعمل وان تكسب وان تجد فرصة عيش كريمة. بهذا المفهوم تطورت الادبيات الدولية وتوقفت دراسات البنك الدولي والامم المتحدة عند ما يسمى باشباع الحاجات الاساسية ثم جاءت فكرة التنمية البشرية وهي ما كانت التجربة الناصرية تسميها بالتنمية الاجتماعية. ايضا ومن منظور المنتجين واصحاب الاعمال, فالفقراء لابد ان تتحسن احوالهم لانهم مستهلكون في النهاية, والانتاج بلا استهلاك لا قيمة له كما ان الانتاج بلا ايدي عاملة تتمتع بالصحة والرضا يصبح انتاجا مهددا. من هنا تصبح قضية الفقر على جدول الاعمال عند الجميع في العالم وفي الوطن العربي وفي مصر. حكومة عاطف عبيد قدمت التعهدات والناس تقول نحن في الانتظار فحزام الفقر يقابله من الجهة الاخرى حزام الثراء الذي يضم الطبقة الجديدة بقصورها وقراها السياحية وربما لو تجولنا فوق القاهرة بالطائرة لادركنا معنى الصدمة, صدمة الفقر, وصدمة الثراء والمسافة الشاسعة بين الاثنين تماما كالمسافة بين الارض وطائرة على ارتفاع 30 الف قدم.