بعض المراقبين والمحللين يرى في العولمة ظاهرة اقتصادية تكنولوجية, وواقعا جديدا لا يمكن تغييره بل ويجب التكيف معه والاستفادة من فرصه والحذر من مشكلاته, انه الموجة الثالثة, بعد اختراع العجل, والآلة البخارية, جاء دور المعلوماتية, وهندسة الوراثة والحوسبة بأشكالها المختلفة . اما البعض الآخر فيرى في العولمة نموذجا فكريا للهيمنة على العالم مستفيدا من التفوق التكنولوجي والاقتصادي والعلمي وان هذه الهيمنة قد صارت ممكنة بفضل تفرد الولايات المتحدة على كرسي القوة في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. وكلما اجتمع نفر من المفكرين العرب ودار الحديث حول العولمة تركز الحديث على تصنيف المواقف بين القائل انها قدر لا فرار منه, وبين رافض لها تحت الانطباع بأنها ليست إلا صياغة جديدة للاستعمار الجديد. وقد اصبحت منظمة التجارة الدولية عنوانا للعولمة, آخذة بذلك الدور الممجوج الذي كان يعاني منه كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, خاصة ابان الثمانينيات حين انفجرت مشكلة المديونية العالمية وتراجعت اسعار النفط واصبحت اعادة الهيكلة والتصحيح الاقتصادي وما ينطويان عليه من ألم, مصدر الشكوى والتظلم من النظام الاقتصادي الدولي, الذي يزد الاقوياء قوة والضعفاء ضعفا. ثم كانت بعد ذلك فترة التدخل في الدول وانهاء النزاعات بالقوة واستثمار الشرعية الدولية من اجل حظر اسلحة الدمار الشامل, والتبشير بالديمقراطية وحقوق الانسان, والامثلة على ما جرى ضمن هذه الأطر كثيرة وشاملة لمختلف مناطق العالم. ولما وقعت بعض الدول العربية بشكل مباشر او غير مباشر, تحت طائلة الحصار الاقتصادي والعقوبات بموجب الشرعية الدولية, ازداد نفور المفكرين العرب من النظام العالمي وتسلطه على الغرب واتسامه بالازدواجية حيث تدلل اسرائيل ويتم التغاضي عن تجاوزاتها وعدوانها بينما تعاقب دول عربية, ولسنوات طويلة. وهكذا تغيرت النظرة الى مؤسسات الامم المتحدة, من الشك في قدرتها على تنفيذ قراراتها المنصفة نحو القضاياالعربية, الى الكفر بعدالتها وبتوزيع القوة فيها. وجاءت منظمة التجارة العالمية لتكون نافذة لفتح ابواب التجارة والاستثمار, والخدمات واعطيت المنظمة اسنانا تعاقب بها المخالفين والخارجين عن احكامها وسعت لتتخذ من حقوق الانسان, ومعاملة الاطفال والنساء, ومخالفة قوانين البيئة اعذارا لتتدخل في الدول, وتؤثر على التدفقات التجارية لصالح الدول الكبرى. وفي الاجتماع الأخير الذي جرى في مدينة سياتل بولاية واشنطن في الولايات المتحدة, هلل الكثيرون لفشل المؤتمر واعتبروه المسمار الاول في نعش النظام الاقتصادي الدولي الجديد وهناك آخرون يرون في الصين قوة اقتصادية مناوئة اللاقتصادات الغربية ونافذة امل لانصاف الدول النامية من الدول القوية. ونفس النقاش يجري في الاردن الآن بعدما اصبح عضوا في منظمة التجارة الدولية كما اعلن ذلك امين عام وزارة الصناعة والتجارة يوم الخميس 16 ديسمبر الحالي. وقد سبق ذلك القرار اثناء جولة الملك عبدالله الثاني في آسيا نقاشات حادة داخل مجلس النواب الاردني حول شحنة قمح امريكية قيل انها غير صالحة للاستهلاك البشري وقد ادى ذلك النقاش, ومقاطعة بعض النواب لجلسات المجلس, ان يعطل النقاش في قانون موازنة عام 2000 وفي مشاريع القوانين المطلوبة لكي يستفيد الاردن من عضويته في منظمة التجارة الدولية ومن توقيعه لاتفاقية الشراكة الاوروبية. وتصاعدت اثناء غياب الملك الاشاعات بقرب تغيير حكومة عبدالرؤوف الروابدة وكذلك نشرت صحيفة (الجوردان تايمز) مقالا اشيع انه كتب من رئيس تحرير الجريدة يؤكد ان عبدالكريم الكباريتي رئيس الديوان الملكي قد اعتمد خطة تدريجية للانسحاب من منصبه. ولكن الملك عبدالله الثاني والذي دعا مجلسي الاعيان والنواب الى لقاء معه يوم السبت 18 ديسمبر الحالي حمل على النواب ان يضطلعوا بمهامهم وبخاصة عندما يعرض عليهم قانون اتفاق الاردن مع منظمة التجارة الدولية بعدما بذل جهودا كبيرة ليصبح الاردن عضوا فيها. ونفى الملك في الوقت نفسه الاشاعات بتغيير الوزارة مؤكدا كما كان يفعل المغفور له والده الراحل انه لن يغير تحت ضغط الاشاعات والشللية, وأصر على التمسك بالوحدة الوطنية التي سماها مقدسة, وقال ان ظروف الاردن في الوقت الحاضر حساسة ودقيقة وتحتاج الى تضامن كل الجهود, وتعاون كل السلطات والهيئات لكي نخرج من نفق الزجاجة. ان الملك عبدالله الثاني الذي وضع همه وربما هيبته على نجاحه في تحريك الاقتصاد الاردني وانعاشه لن يترك اي عنصر مؤثر على فرص الانتعاش بدون متابعة. وهو يعمل بكد وبرؤية واضحة للحلول ولكن الشك لا يزال يساور الناس في امكانية نجاح ذلك ضمن الظروف والمعطيات المحلية والاقليمية والدولية السائدة. ان دخول منظمة التجارة الدولية سينطوي على وعود وعلى آلام ولكن الحقيقة الاساسية التي ستبقى امام الاردن هي: هل هو جاهز داخليا لذلك كله, وقادر على الاصلاح الاداري والدفاع النفسي بشحن الهمم على التصدي؟ هذه هي مهمة الملك الصعبة ويجب ألا يظلم نفسه بمساعدين واعوان لا يرون ما يراه.