يخطىء من يتصور ان مشكلة العلاقات السعودية اليمنية هي فقط مشكلة اراض حدودية وامتار صحراوية او جبلية, برية او بحرية.. المشكلة اعمق من ذلك وأشد تعقيداً.هناك حقائق جغرافية, وديمغرافية, واقتصادية, وأمنية وسياسية تفرض تشابكاً في العلاقات اليمنية السعودية مما يجعل من الصعب الفصل التعسفي بين هذه الحقائق او التعامل مع بعضها وتجاوز البعض الآخر . اضافة الى ما سبق هناك احداث مؤسفة وممارسات خاطئة, واساليب حوار متخلفة قد خلقت تراكمات عديدة ساهمت في اقامة حدود نفسية وثقافية حولت موضوع الحدود الجغرافية الى أزمة نجد تتعلق بالكرامة, وازمة ثقة عمقت شكوكاً وخلقت اوهاماً واحقاداً جعلت كل طرف يتصور الطرف الآخر عدواً يستهدف أمنه واستقراره ومصالحه وسيادته. أزمة العلاقات اليمنية السعودية تكمن في نظامين لم يعترفا ـ حتى الآن ـ انهما يلعبان في ساحة واحدة ولا خيار لأي منهما الا ان يشكلا فريقاً واحداً يواجهان به الفرق الاخرى او يقبلان المنافسة الودية والحضارية, اويخلي احدهما الساحة للآخر. اليمن والسعودية بفعل الحقائق الجغرافية والديمغرافية والامنية والاقتصادية والسياسية بلد واحد شئنا أم لم نشأ. يمكن لنا ان نبني في الساحة دولتين او ادارتين او فريقين متنافسين تنافساً حضارياً لكن لا يمكن ان نجعل من الساحة الواحدة ساحتين او من البلد الواحد بلدين الانظمة لم تستوعب هذه الحقيقة تصر ان تجعل من الساحة الواحدة ساحتين. ومكلف الاشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار لقد عجزت الولايات المتحدة الامريكية بكل امكانياتها وقدراتها ان توقف الزحف البشري المكسيكي على ارضها, وها هي في النهاية تعترف بأن تطور الاقتصاد في المكسيك ونجاح التنمية فيها هو الحل الوحيد لمشكلتها فاضطرت لضخ عشرين مليار دولار لانعاش الاقتصاد المكسيكي ولا ادري كيف تتصور السعودية حركة البشر في الجزيرة حين يصبح تعداد سكان جنوبها مئة وثلاثة عشر مليوناً في ستينيات القرن الواحد والعشرين كما تؤكد الاحصائيات. تاريخ الجزيرة العربية الحديث يوضح بجلاء ان السعودية واليمن قد استحال عليهما ان يظلا بعيدين عن تدخل احدهما في شئون الطرف الآخر لقد أسهم اليمنيون في اعاقة تطور الدولة السعودية الاولى في اواخر عام 1764م حين قام زعيم القبائل في نجران الحسن بن هبة بحملته على الدرعية.. كما أسهم اليمنيون في دعم الدولة السعودية حين شارك ابناء عسير في جهود آل سعود في توحيد الحجاز واسهم اليمنيون في مراحل الاستقرار في بناء النهضة السعودية الحديثة ولعل كل هذا هو ما جعل الملك عبدالعزيز يقول لاولاده خيركم من اليمن وشركم من اليمن. وبالمقابل اسهمت الدولة السعودية في سلسلة طويلة من الاحداث الايجابية والسلبية داخل الساحة اليمنية. واذا كان الوعي الرافض لتغليب التناقض بين أبناء الربع على القبول بالهيمنة الخارجية واضحاً في ذهن ووجدان الملك عبدالعزيز والامام يحيى الذي قال: والله لو نازعني ابن سعود هذه العمامة لتركتها له على ان اعطي الكفار الفرصة لاستغلال الصراع فيما بيننا فإنه ـ للأسف ـ لم يعد قائماً في ذهن ووجدان ورثة نظامي الامام والملك عبدالعزيز, بل الاخطر من ذلك ان يتجه النظامان ـ بدلاً من التسامح مع بعضهما البعض ـ الا الاستقواء بالدول الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية والتي لا ترى في الصراع السعودي اليمني سوى وسيلة للضغط على الطرفين لخدمة مصالحها هي ومصالح الصهيونية العالمية لقد شكلت هذه الخلافات العامل الأساسي في ضعف ارادة اقطارنا امام الارادة الامريكية. تخطىء السعودية ويخطىء اليمن اذا تصور اي منهما انه في موقع قوي وقادر على فرض ادارته على الطرف الآخر اوضاع اليمن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تؤهلها لأي صراع وعلى اي مستوى والمشاكل السياسية والاقليمية والدولية التي تواجهها السعودية تجعلها في وضع لا تحسد عليه اذا كان اليمن كالغريق الذي لا يضره البلل فان السعودية محملة بما يتطلب منها الحذر وتفادي المغامرة. لا خيار لليمن والسعودية الا ان يتفقا وكل تضحية في سبيل الاتفاق هي اقل خسارة وأسلم نتيجة واقرب الى قيمنا الدينية ومصالحنا الدنيوية من اي خلاف يفرضه الغاء واستجرار الماضي, وقصر النظر عن الرؤية البعيدة لمستقبلنا المشترك في عالم التكتلات الكبرى. لكن على حكامنا في اليمن والسعودية ان يدركوا ـ ايضاً ـ ان اي اتفاق فيه اجحاف ولا يراعي المصالح المشتركة ولا يحمل في ثناياه ابعاد تكامل شامل في المنطقة في كل المجالات هو اتفاق هش سرعان ما يسقط وسيظل اليمن والسعودية رغم توقيعه والتصديق عليه في المربع (صفر) . اذا ما تعذر على اليمن والسعودية ان يصلا الى اتفاق شامل وعادل ومرض للجميع فلنعمل سوياً خلال مرحلة معينة على خلق مناخ سعودي يمني يسوده الود والفهم المشترك تنتظم من خلاله المصالح المادية للشعبين بما يساعد على هدم الحدود النفسية ودعم الثقة وفي ظل النمو المتواصل للمصالح المشتركة ونمو الثقة سوف تصبح قضايا الحدود الجغرافية سهلة الحل ومقبولة من الجميع.