وصل الاحد الماضي التاسع عشر من ديسمبر الحالي محمد باقر الحكيم في زيارة رمضانية يتردد فيها على الدواوين والحسسينيات خلال اسبوعين من كل شهر رمضان, يتحدث ويشرح ويناقش ثم يعود الى مقره في طهران حيث يمارس الاشراف على نشاط المجلس الاعلى للثورة الاسلامية, المعارض لنظام الحكم في العراق . وليست هذه المرة الاولى التي يزور فيها باقر الحكيم دولة الكويت, فقد اعتاد المجيء كل شهر رمضان ليبقى اسبوعين متنقلا بين لقاءات سياسية رسمية, وندوات منظمة واجتماعات لاصدقاء بالاضافة الى حوارات دينية تثقيفية. ويأتي الى الكويت وسط تقدير خاص لعائلته, وله شخصيا, بسبب حجم التضحيات التي تكبدتها العائلة وتقديمها كوكبة من الشهداء الذين اعدمهم النظام العراقي لانهم في فكرهم وحجتهم ولسانهم يشكلون تهديدا لفلسفة النظام العراقي وتوجهاته. وقد حضرت ندوة في العام الماضي نظمها احد الاصدقاء في منزله وجاء اليها الضيف متأخرا بعد ان انتهى من لقاء تم ترتيبه مسبقا. واستمعت الى باقر الحكيم في حديثه الطويل عن النظام العراقي, وعن قائمة الاعدامات وعمليات التنكيل, وعن المقاومة العراقية المؤثرة لاسيما في مناطق الجنوب حيث يزداد نفوذ التنظيمات التابعة لحكيم. وبعد الانتهاء من المداخلة الطويلة, سألت الحكيم عن مسببات التقصير في اتصالات مجموعته مع الدول الغربية والولايات المتحدة, واخفاقات المجموعة في البروز على الصعيد العالمي مثل غياب الاتصالات مع مجلس الامن الدولي, وعدم استطاعة المجموعة تشييد علاقات دولية مؤثرة, سواء مباشرة في شكل ثنائي, او من خلال صيغة المعارضة العراقية كوحدة متكاملة. كما سأله عدد آخر من الاخوة الكويتيين الذين حضروا الاجتماع, تعبيرا عن اهتمامهم في متابعة الوضع في العراق, وما يشكله استمرار النظام من هموم للكويت بشكل خاص وللخليج بشكل عام. وقد تحدث باقر الحكيم عن تصورات حركته لمستقبل الوضع في العراق, وبالطبع لا يخلو الحديث في هذا الجانب من التفاؤل الكبير باتساع دور المعارضة وتأثيرها على الواقع, لاسيما في الجنوب, وتحسن الامل في قرب حدوث الانفجار الذي سينهي معاناة الشعب العراقي. ويتكلم باقر الحكيم بكثير من التحفظ عن المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه د. الشلبي, وعن تخوفات المجموعة الاسلامية من ارتباطات علاقات الشلبي مع الدوائر الغربية, خاصة في الولايات المتحدة, ودعم الكونجرس الامريكي لمجموعة الشلبي بعد اقرار قانون تحرير العراق من قبل الكونجرس وتخصيص حوالي مئتي مليون دولار لتنفيذ هذا القانون. خلال الفترة التي غاب فيها محمد باقر الحكيم عن الكويت منذ رمضان الماضي, حدثت اشياء كثيرة, تدفقت مياه كثيرة تحت الجسر, وتلاشت آمال متوقعة, وانحسرت الاضواء عن وجوه من المعارضة كانت بارزة في الاعلام الغربي والعربي. انعقد مؤتمر المعارضة العراقي في الولايات المتحدة في مدينة نيويورك في سبتمبر الماضي, وتم انتخاب قيادة جديدة بدلا من قيادة الدكتور الشلبي, وبرز الاتجاه لتشكيل قيادة جماعية للاطمئنان على فعالية القرارات ولكبح جماح الفردية. ودفعت الولايات المتحدة بقوة نحو نجاح اجتماع نيويورك رغم مقاطعة بعض الهيئات المؤثرة للاجتماع ومن ضمن الشخصيات التي رفضت المشاركة ضيف الكويت الحالي محمد باقر الحكيم. وليس هناك سر نفشيه في تحديد المسببات التي تجعل باقر الحكيم يعتذر عن المشاركة في مؤتمر نيويورك, وابتعاده ومجموعته عن هيئة المعارضة العراقية المتواجدة في لندن, وعزوفه عن اللقاء مع افراد المعارضة الاخرين واصراره على تحاشي التعاطي مع التجمعات الاخرى. والكتاب كما يقولون يقرأ من عنوانه ومقر المجلس الاعلى للثورة الاسلامية العراق, مدينة طهران, ومن الصعب على من يستقر في عاصمة الثورة الايرانية ان يقيم علاقات ويبني قنوات التواصل مع الدول الغربية وبالذات مع الولايات المتحدة, التي تشكل هاجس ايران الامني الاول, والتي عبأت حكومة ايران الرأي العام الايراني ومقرراته ووسائل الاعلام لتحقيرها وتشويه صورتها واعتبارها العدو الاول للشعب الايراني, ولم يذهب باقر الحكيم الى نيويورك كما لم يشارك في المشاورات السابقة للمؤتمر ولم يبد ممثله في لندن د. حامد البياتي اهتماما بالدور الامريكي في تبديل النظام في العراق. واذا كنا نأخذ على محمد باقر الحكيم وعلى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية تردده في توثيق العلاقات مع واشنطن وبعده عن الاسهام الفعلي داخل المؤتمر العراقي للمعارضة وتشكيكه في اداء عدد كبير من قيادات المعارضة, وعزوفه عن التعامل معهم, علينا ايضا الاعتراف بان خيارات باقر الحكيم محدودة جدا, بحكم تواجده في ايران وبسبب تواجد قوات فيلق بدر التابع للمجلس الاعلى على الاراضي الايرانية. ويمكن القول ان هامش المناورة محدود جدا, ومساحة التحرك ضيقة, فلا مكان لباقر الحكيم خارج ايران, وله الحق في مراعاة الحساسية الايرانية فلا يملك ارضا غير اراضي ايران, ولامقر غير طهران ولاقاعدة تدريب ولا مكان للخدمات وللعمل اليومي سوى ماتوفره حكومة طهران له. ومشكلة محمد باقر الحكيم انه اسير الى حد ما للاستراتيجية الايرانية وجوهر سياسة ايران تجاه العراق هو الامتناع عن الدخول في تحالفات قد تؤدي الى سقوط النظام العراقي, فايران تفضل النظام الحالي على نظام مستقبلي عراقي مرتبط بالولايات المتحدة, يعمل ضمن استراتيجية واشنطن ويدخل في تحالفات سياسية في المنطقة تزيد من عزلة طهران وتزيد من الضغوط الدولية عليها. فهناك تحالف محدود بين باقر الحكيم وحكومة طهران, وهو تحالف لايمكن ان يخرج عن التوجهات الايرانية الاقليمية والدولية. تدرك ايران ضعف النظام العراقي وعجزه عن الدخول في مماحكات امنية وسياسية ضدها, وتفضل بقاءه بوضعه المتآكل حاليا, بدلا من نظام اخر مقبول اقليميا ودوليا يدخل في ترتيبات مع الاكراد, تؤرق طهران, وينضم الى لائحة الدول المستنيرة عالميا بما يزيد من تهميش الدور الايراني واضعاف تطلعاته. يأتي باقر الحكيم الى الكويت في زيارته السنوية, على هذه الخلفية المقيدة, وبهذا الواقع الذي يحد من حريته ويعطل طموحاته, ويجعل الكثير مما يقوله في مداخلاته الكثيرة عن النظام العراقي, يفتقر الى الفاعلية والمصداقية. ولا اتصور ان جولته الحالية في الكويت تختلف عن جولاته السابقة, فلا يحمل جديدا في المفهوم الاستراتيجي يمكنه من الحديث بجدول اعمال جديد, وسيظل محصورا في همومه الصادقة عن شعب العراق ومتاعبه, وعن التعبير بالامل في ان تحدث مفاجأة تبدل احوال العراق. وسيظل حريصا على رسم حدود بينه وبين المعارضة العراقية التي ترعاها واشنطن. ومع كل هذه القيود يستمر محمد باقر الحكيم, رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية كعامل اسهام قوي نحو التغيير الى مستقبل افضل للشعب العراقي, ويستمر محافظا على وقار الثورة وعلى نقاوتها في مسيرته الطويلة التي تشبه ملاحم الغريق في الاساطير القديمة. نحيي باقر الحكيم في تصميمه وفي عزمه, وفي تفاؤله, وفي اخلاصه ونزاهته.