تقوم نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ, على افتراض ان الشمولية والدكتاتورية والاستبدادية ستموت او تنتهي, ليكون التاريخ مسرحا لظهور انظمة ديمقراطية ليبرالية, ولكن هناك بعض الدول تصر على ان التاريخ لم ينته, لانها مازالت قادرة على انتاج اشكال جديدة من الاستبداد, ونلاحظ ان العالم رغم رفضه النظم العسكرية الانقلابية بسبب حجبها للديمقراطية , وانتهاكها للحقوق الاساسية للانسان الا انه يغض الطرف في بعض الاحيان لاسباب مختلفة عن قيام نظم دكتاتورية وتعتبر باكستان نموذجا برز مؤخرا ليؤكد نقص نظرية تعميم الليبرالية وفي ظني ان النموذج الباكستاني سيتكرر في بعض بلدان العالم الثالث وقد سبق ان تعاملت الولايات المتحدة الامريكية مع بعض الدول الافريقية, رغم انعدام التعددية الحزبية بطريقة مرنة بينما صعدت ضغوطها على دول اخرى. قصدت مما سبق القول ان العالم مستعد لقبول دكتاتوريات وظيفية ـ ان صح التعبير ـ اي قادرة على حل مشكلات اخرى ليس من بينها الديمقراطية مثل معالجة الحروب الاهلية او منازعات الحدود او الازمة الاقتصادية. تريد هذه المقدمة ان تقول ان الدكتاتوريات مازالت لديها فرصة للتحايل على المناخ الليبرالي لذلك من الممكن ان يتكرر النموذج الباكستاني في السودان خاصة بعد الاحداث الاخيرة, وانتهاء الجولة الاولى من الصراع بانتصار الفريق البشير على الشيخ الترابي, غير المقبول اقليميا ولادوليا. وبالفعل وجدت خطوة البشير في حل البرلمان وتعطيل بعض مواد الدستور واعلان حالة الطوارىء قبولا محيرا بالذات بالنسبة للغرب ممثلا في الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا فالدولتان تترقبان الوضع حسب تصريحات المسئولين وهذا الترقب يعني انهما لم تصلا الى موقف محدد, ولكن من حيث المبدأ يفترض في دولتي العالم الحر ان تقفا ضد اي نظام يحل برلمانا قبل موعده الدستوري كما ان حالة الطوارىء تعني بالضرورة حجر الحريات اما دول الجوار الاقليمي فقد اعلنت بلا تحفظ تأييد ما اسمته بخطوات القيادة الشرعية واصبحت تردد صفة الشرعية على النظام في السودان. لابد من التوقف عند هذه النقطة الخاصة بالشرعية والتساؤل من اين اكتسب نظام البشير شرعيته؟ من المعروف ان هذا النظام جاء بانقلاب عسكري اطاح بحكومة منتخبة ديمقراطيا كونها ضعيفة او قواعدها طائفية هذا شيء اخر, فهي: قد جاءت الى حكم البلاد عن طريق دستور مؤقت وقانون انتخابات ارتضاه الجميع بما فيهم الجبهة الاسلامية القومية فنظام الانقاذ بجناحيه المدني والعسكري او الترابي والبشير مازال غير شرعي, لانه حتى حين حاول وضع دستور يمكنه من الحكم لينتقل حسب قوله من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية, لم يشرك كل القوى السياسية الفعالة في وضع الدستور لذلك جاء الدستور يمثل رؤية فئة صغيرة وفرض على البلاد من خلال السلطة وليس التراضي والاجماع وهما من مصادر الشرعية لذلك مثل هذه القفزة البهلوانية لاتعفي النظام من اللاشرعية وخرق الدستور خاصة وان الدستور الجديد لم يكفل الحريات واستمرت المراسيم والقوانين الاستثنائية حتى قانون احزاب التوالي جاء مقيدا لقيام الاحزاب مع اصرار النظام على الاحزاب المدجنة والتي لاتعارضه جديا الا بما يسمح الديكور السياسي لتجميل وجه النظام. ليس من المستبعد ان يكرر الفريق البشير تجربة الجنرال مشرف في باكستان فقد عجزت الاحزاب السياسية عن تحقيق اي انجازات تنموية او ديمقراطية بل تبارت في قدرتها على اثبات فسادها دون استثناء, لذلك وجد الانقلاب ترحيبا ضمنيا من الولايات المتحدة والغرب, ويمكن ان يحدث نفس الشيء في الحالة السودانية فمن قبل كشف الانقلاب الاول 30 يونيو 1989 ضعف الاحزاب فقد عجزت عن مقاومة الانقلاب رغم انها وقعت ميثاق الدفاع عن الديمقراطية التزمت فيه بانزال الجماهير الى الشارع فور الاستماع الى (مارش) او موسيقى عسكرية تمهد للبيان الاول وطوال العشر سنوات الماضية لم تستطع الاحزاب تسيير موكب منظم في شوارع الخرطوم ضد نظام الانقاذ حتى حين خرج الطلاب الى الشارع لم تساندهم الاحزاب, والان جاء انقلاب البشير الثاني ولم تستجب الاحزاب بطريقة موضوعية للحدث ولا اعني التأييد او الرفض بل التقييم بعيد النظر والذي يضع الاحتمالات ويبحث عن امكانية استثمار هذا الوضع في اتجاه اضعاف قبضة الدكتاتورية وتحقيق انفراج حقيقي نحو عودة الديمقراطية. جاءت التغييرات الحالية واحزاب وقوى المعارضة في اسوأ حالاتها, فهي غائبة تماما عن الساحة والوحيد الذي يتحرك هو الصادق المهدي ولا اقول حزب الامة لان كل مبادراته تبدو فردية مع انها تكتسب التأييد من الحزب بأثر رجعي والمهدي للاسف يتحرك متعمدا القضاء على التجمع قد يكون السبب لذلك اصرار المهدي على عدم فعالية التجمع ولكنه بهذه الطريقة يتيح الفرصة للنظام للاستفراد به, ويصبح البشير بعد هزيمة الترابي هو القوة الوحيدة في ساحة العمل السياسي في شمال السودان, وبالتالي تساعد المعارضة في تأكيد صورتها السلبية امام العالم والذي سيفضل استمرار البشير كضمانة لاستقرار السودان على الاقل حتى تستطيع القوى السياسية الاخرى ترتيب اوضاعها, وقد ظهر هذا الاتجاه في الحديث السائد الان حول تأييد القيادة الشرعية وهذه شرعية الغلبة اضفاها عليه المستفيدون من التغييرات الحالية ومن ابعاد الترابي. رغم التوجه العام نحو نشر الديمقراطية لكن هناك بعض الاصوات تتساءل في مثل حالات كالسودان هل تحتاج البلد الى حكومة قوية ام حكومة ديمقراطية؟ وهذا التساؤل وكما هو واضح من صياغته يفترض وجود تعارض مابين الصفتين ونلاحظ بالفعل ان الحكومة المنتخبة هي الاقل انجازا وفعالية مقارنة بالنظم الدكتاتورية, رغم انها هي ايضا لاتملك رصيدا ضخما من الانجازات, ولكن الامر نسبي لذلك قد نجد من يحبذ وجود حكومة قوية او على الاقل يعطي اولوية لها لكي تمهد الطريق امام قيام ديمقراطية راسخة ومستدامة. يعطي مثل هذا التصور ـ بالتأكيد ـ فرصة للبشير لكي يحكم منفردا لفترة او كمستبد عادل يقوم بمهام الانتقال الى الديمقراطية ومن هنا لانستبعد النموذج الباكستاني. من الملاحظ ان دول الجوار تعطى وزنا اكبر لوحدة السودان وتؤكد على حرصها الشديد على الحفاظ على السودان موحدا, هذا الشعور طيب ومقدر ولكن لابد من ترتيب الاولويات. اعلن البشير تمسكه بالبرنامج الاسلامي للجبهة الاسلامية او حزب المؤتمر الوطني, ولا اظن ان هذا يمثل عقبة في سبيل تأهيل البشير للقيام بدور مشرف الباكستاني في السودان فلو استطاع البشير ان يقدم حلا لمشكلة الجنوب وان يضمن حسن العلاقات مع جيرانه في القارة والاهم من ذلك ادانة الارهاب وعدم احتضان الارهابيين فإن الولايات المتحدة لن تدخل معه في جدل عقدي ديني او لن تطالبه بالتخلي عن اسلاميته طالما ضمنت ان مصالحها الحيوية واهدافها في المنطقة غير مهددة. يبقى احتمال تكرار النموذج الباكستاني قويا مع حالة الفراغ السياسي الذي يعيشه السودان بسبب غياب اي قوة سياسية كفؤة وموحدة وقادرة على مخاطبة المشكلات الحقيقية في السودان.