يتساءل كثير من المراقبين عن مستقبل السودان بعد حل البرلمان من طرف الرئيس عمر البشير وتذهب التحليلات الى اعتبار ما حدث نوعا من الانقلاب وكأن الصلاحيات المخولة قانونا للرئيس البشير تفاجأ بها الملاحظون والمهتمون, والواقع ان الامور في هذ البلد الذي تعددت ثقافاته وتنوعت الآراء السياسية فيه, واتسعت مساحة احزابه المعارضة في الداخل والخارج, تسير نحو ترسيخ حكم يبدو فيه العسكريون في المواجهة بعد ان تم الانفصال ـ ولو بشكل مرحلي ـ بين الترابي كزعيم روحي, وبين البشير كقائد عسكري, او بتعبير الرئيس البشير القضاء على السلطة التي كانت موزعة بين رأسين, اختلت بينهما مقاليد الامور, وانتهت فترة اللقاء والتعاون التي فاقت العقد من الزمن, لكن مع ذلك كله يطرح السؤال التالي هل ما حدث في السودان هو تثبيت للشرعية ام للقضاء عليها؟ يصعب الحديث عن مسألة الشرعية من ناحية الطعن فيها او تقليصها, لان حل البرلمان عمل دستوري من حق الرئيس البشير ان يقوم به, ولذلك من غير الواضح تسمية ما يحدث بالانقلاب إلا اذا اعتبرنا اعلان حالة الطوارىء تمثل حالة دائمة, وانه لا حرية للعمل السياسي ولا عودة للبرلمان, ويبدو ان المعطيات عكس ذلك تماما, اذا اعلن الرئيس البشير عن اجراء انتخابات قبل منتصف السنة المقبلة, وهذه تمثل رغبة من دول الجوار بهدف الاستقرار, مثلما تمثل رغبة لدى الدول المعادية للسودان مثل الولايات المتحدة الامريكية, ما يعني في نهاية المطاف تثبيت للشرعية في حال نجاح عمر البشير للوصول بالبلاد الى بر الامان, والخوف ان لا يستطيع الذهاب بعيدا في الحكم على غرار تجربة سابقه سوار الذهب على حد ما ذكره لي الرئيس السابق جعفر نميري الذي يرى ان سوار الذهب تخلى عن السلطة لكونه لم يعرف كيف يسير الامور وليس لنزاهته او لالتزامه امام اطراف بعينها. وبغض النظر عن مسألة الشرعية التي هي موضوع نقاش منذ زمن واختلاف واسع بين المعارضة في السودان وبين نظام الحكم, فإن الخطر الذي كان يحوم حول السودان ـ الخاص باحتمال تقسيمها, او حتى اعطاء حكم محلي واسع الصلاحيات للجنوبيين ـ بات احتمالا ضئيلا ان لم يكن مستحيلا في الوقت الراهن. وعلة ذلك ان قوى الضغط الخارجية تبحث على السبل الكفيلة لجعل الاستقرار يعم السودان, ولا يهمها من الذي يحكم, ما دام النظام القائم سيحقق لها ما تريد ويستجيب لشروطها او ضغوطها, اضافة الى ذلك فإن استبعاد الترابي يمثل في نظر البعض زوال خطر الاصولية مع ان الرئيس البشير اكد على استمراريته في الحزب, بل ذهب الى اعتبار نفسه من الاصوليين في الحركة الاسلامية منذ زمن بعيد اي منذ ان كان في مرحلة التعليم الثانوي. من ناحية اخرى فإن الذي حدث في السودان, وبغض النظر عن اعتباره انقلابا او اعادة تنظيم للسلطة من الداخل, او اتفاق مسبق بين اطراف خفية واخرى ظاهرة, فإنه يعيد طرح مسألتين جوهريتين: الاولى تتعلق بنظرة الدول الافريقية لما يحدث في العالم من تطورات ومدى التزامها بقراراتها الداخلية والاقليمية وبهذا الصدد نجد منظمة الوحدة الافريقية امام مستجدات يمكن ان تحدث في كل حين ما لم تقيد صلاحيات رئيس الجمهورية, ذلك لاننا لو تتبعنا مختلف الدساتير الخاصة بمعظم الدول الافريقية لوجدناها في الغالب تعطي صلاحيات للرئيس ربما لا توجد حتى في الملكيات المقيدة, وهذا يعني ان ما سن من قوانين في المؤتمر الاخير للمنظمة الذي عقد في الجزائر لم يتطرق لمثل هذه الحال, وتبعا لذلك فإننا نلاحظ تحرك الدول المجاورة جعل من اهتماماتها الاولى الوضع في السودان وكأنه جديدا, مع انه احسن مما كان سيحدث في المستقبل بخصوص احتمال التقسيم, او ما حدث في الماضي من حرب اهلية وصراعات ظاهرة وخفية بين السلطة والمعارضة. المسألة الثانية وتخص العلاقة بين العسكريين والاسلاميين وكلاهما يملك القوة وان كانت مختلفة من الناحية النوعية, فالعسكريون يملكون قوة الدولة واجهزتها المختلفة, والاسلاميون يملكون في الغالب الشارع حيث يحركونه من خلال العواطف والانتماء والهوية, وكثيرا ما وقع تصادم بين هاتين القوتين, ادى في كثير من الدول الى حرب اهلية وبالنسبة للسودان فقد حاول العسكريون وكذلك الاسلاميون العمل من اجل منع التصادم, بل على العكس من ذلك تمت اقامة نوع من التحالف دام عشر سنوات يكاد يكون غير مسبوق في المنطقة العربية وحتى حين اختلفا فإن ذلك ادى الى الاستبعاد وليس الى التصفية او الدخول في حرب, مع ان تعاونهما السابق, او تقديم كل منهما تنازلات للآخر كان على حساب الشعب اولا ثم الاحزاب المعارضة ثانيا, ولا هذا ولا ذاك استطاع ان يسترجع الشرعية, او يعيد البلاد الى ما كانت عليه ما يعني ان التقاء القوتين في تعاون كان يهدف الى بقاء السلطة بأيديهما. ومما ساعد على بقائهما فترة اطول قوة حزبهما (المؤتمر الوطني) وتتضح هذه الفكرة في تأكيد الرئيس البشير لاستمرار عضويته في الحزب على اعتبار ان هذا الاخير هو الذي حمل مبادىء ثورة الانقاذ واهدافها وإرث الحركة الاسلامية. ومع ان بعضا من الانظمة العربية قد تعاملت مع الاسلاميين قبولا او رفضا في الماضي والحاضر مثل مصر والجزائر واليمن.. الخ, وحصلت محاولات في بعض الدول للاستيعاب إلا ان الجيش في تلك الدول ظل مؤسسة تتربص الدوائر لما يمكن حدوثه من انزلاقات او تجاوزات تتطلب الحسم او التدخل بالقوة وقد يكون لهذا الرئيس او ذاك ميل للاسلاميين, لكن لم يحدث ان تبنى الجيش برمته او اغلبيته موقف الاسلاميين, إلا في السودان ولذلك يتوقع المراقبون حدوث انفراج واسع يؤدي الى مزيد من تغلغل الفكر الديني داخل المؤسسة العسكرية السودانية, قد يساعد هذه الاخيرة على التقليص من ضغوط الداخل والخارج, ويحتمل ان تحظى بتأييد لمواقفها من سكان الشمال تلك المتعلقة بتغييرات واسعة النطاق في مجالي السياسة والاقتصاد, وهذا يعني ان ما حدث ليس انقلابا على الشرعية, وانما هو تجديد واعادة تنظيم للبيت السوداني من الداخل. على العموم فإن التجربة السودانية من ناحية العلاقة بين العسكر والاسلاميين خلال العقد الماضي تعطي صورة اولية على ما يمكن حدوثه في المنطقة العربية حيث سيتراجع دور المؤسسة العسكرية على المستوى الايديولوجي من ناحية المواقف والقرارات السياسية, وستتقدم القوى الاسلامية رغم ما اصابها من كبوات اذا استطاعت ان تسرب افكارها بأي شكل داخل مؤسسات الدولة وحتى اذا استبعدت او ازيحت فإنها ستذهب كأشخاص او جماعات, لكنها ستظل كأفكار مثلما تظل المؤسسة العسكرية قائمة وان كانت لا تحمل ايديولوجيتها السابقة, معين هذه الاخيرة لا ينضب وخير مثال لنا ما وقع في السودان منذ ايام وما سيكون له من تبعات.