السودان الذي يعاني 16 عاما من الحرب الاهلية في الجنوب بيحث عن مخرج يؤدي به للوئام الوطني, الا ان الصراعات واختلاف المصالح السياسية يقفا عقبه امام الوئام الوطني بعيد المنال وفقا للمعطيات السودانية التي كان اخرها اعلان حالة الطوارئ من قبل الرئيس البشير, وهو الامر الذي يعد انقلابا سياسيا جاء كردة فعل من البشير على الاتهامات التي اطلقها ضده الترابي رئيس البرلمان حيث وصفه بالخيانة ومخالفة الدستور, وكانت هذه الاتهامات الذي سكب فوق النار ليزيد من تأججها, وعلى الرغم من اعلان رغبة الترابي انه سيجري محاولات لحل المشكلة مع البشير والحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) , الا ان الاحداث الحالية لا تبشر بالتفاؤل. حول السودان واسباب هذا الانقلاب السياسي وردود الفعل الداخلية والدولية ومستقبل الوضع السوداني حاور الملف السياسي (ارنوت جواليت) مستشار الشئون الافريقية للاتحاد الاوروبي. * ما هي تداعيات الموقف السياسي الحالي وما هي ردود الفعل الغربية؟ ـ لقد جاء اعلان الرئيس السوداني عمر حسن البشير لحالة الطوارئ لمدة 3 اشهر وحل البرلمان نتيجة لصراع على النفوذ والسلطة بينه وبين رئيس البرلمان حسن الترابي, والذي اطلق عليها الاخير بان ما حدث انما هو انقلاب, واذا كان البشير قد علل اعلان حالة الطوارئ بقوله (ان ازدواجية المؤسسات هي الدافع لهذه الاجراءات) مشيرا الى ان السفينة التي يقودها ربانان تغرق الا ان الترابي قد هدد باستخدام القوى الشعبية لمجابهة ما حدث. وكان اعلان الطوارئ في الليلة التي سبقت انعقاد الجلسة البرلمانية التي كان مقررا فيها اتخاذ قرارات تحد من نفوذ البشير واجراء تعديلات دستورية, كما كان متوقعا ان يخسر البشير خلال هذه الجلسة عددا من الصلاحيات في مقدمتها سحب صلاحية تعيينه لعدد 26 من المحافظين ومسألة تحجيم الصلاحيات للرئيس السوداني تجد دعما كبيرا بقيادة الترابي. وقد لفت نظر الغرب البزة العسكرية (الخاصة بحالات التمويه في الحرب) التي تقلدها حسن البشير اثناء اعلانه البيان لحالة الطوارىء, وتنصيب نفسه قائدا اعلى للجيش والشرطة والامن, وهو الامر الذي لم يلق ارتياحا او ترحيبا في دول الاتحاد الاوروبي خاصة اعلانه بان الضغوط الخارجية واحدة من الاسباب التي دفعته لاعلان حالة الطوارىء واشارته الى القرار الامريكي بارسال الدعم الغذائي لعدد من الميليشيات السودانية المسيحية, وفي تصوري ان هذه الازمة السياسية قد جاءت في توقيت سيىء للغاية حيث ان السودان كان مشغولا باتخاذ اجراءات لتحسين سمعته الدولية باعلانه اجراء مباحثات سياسية مع الدول المجاورة لتحسين علاقته معها ومع المعارضة بهدف التوصل الى نوع من الوفاق السياسي, وقد يحلو للبعض ان يرجع هذا الانقلاب السياسي الى ممارسة الغرب لضغوط سياسية على البشير لاقصاء الترابي ذي الطموح في دولة اسلامية يحكمها وهو الامر الذي من شأنه تعطيل جهود المصالحة بين الحكومة وبين الميليشيات المسيحية ولكني استبعد وجود مثل هذه الضغوط. *هل يقبل الترابي بالهزيمة امام ما اتخذه البشير من قرارات؟ ـ لايمكن ان يقبل الترابي الهزيمة بأي حال من الاحوال ففي بادرة ردة فعل اولى هدد باستخدام قوى الشعب وتحريضه على القيام بمظاهرات اهلية دموية شرسة, حيث ان بعض اشرطة الفيديو التي هربها بعض الهواة لاوروبا عقب اعلان حالة الطوارىء قد اوضحت الحراسات العسكرية المشددة من قبل الجيش والتي فرضها البشير حول البرلمان ونزول الجيش للشارع واحتلاله لاهم النقاط الاستراتيجية في العاصمة الخرطوم, والترابي يرى الان ان هذا الانقلاب السياسي موجه له شخصيا وانه الهدف الاول من تنفيذه خاصة وان الاشهر الاخيرة قد شهدت تزايدا في نفوذ الترابي على حساب سلطات الرئيس ففي اكتوبر الماضي خسر البشير مركزا هاما داخل حزب المؤتمر القومي على الرغم من اختياره كرئيس للحزب الا انه خسر النفوذ الفعلي وقد كان الترابي يطمح من خلال اجراء تعديلات دستورية عبر البرلمان ان يصبح رئيس وزراء واهم شخصية في السودان لكي يتمكن من اعلان الدولة الاسلامية, وهو الطموح الذي لم يمكنه البشير اياه بحل البرلمان. * كيف ينظر الغرب الى شخصيتي البشير والترابي طرفي الصراع. ـ ينظر الغرب الى البشير على انه رجل عسكري اكثر منه رجل سياسة وللترابي على انه متطرف لطيف, والترابي يعلن دائما انه رجل بلا سلطات في ظل تصرفات البشير, وانه رجل بسيط مسلم وسوداني يقول كل ما يفكر فيه, ولهذه الاسباب تستمع الجماهير اليه, الا ان الجماهير السودانية تنظر اليه على انه رجل الايديولوجية السياسية الذي يقف وراء الاصوليين وانصارهم, وانه لو حصل على مزيد من السلطات لأصبح اقوى رجل في افريقيا التي تتعطش الامة الاسلامية فيها للسند العقائدي والروحي, وتجدر الاشارة الى ان الترابي الذي درس القانون في لندن وباريس الا انه لم ينفصل عن انتمائه للاخوان المسلمين منذ عام ,1954 واصبح الامين العام للاخوان, ثم انشأ عام 1983 حزبا سياسيا تحت اسم الجبهة الاسلامية القومية, ولا يمكن انكار ان تاريخ السودان منذ الاستقلال حافل بالتجارب الديمقراطية التي كانت من الممكن وصولها لدرجة عالية من الثراء السياسي, الا ان الانقلابات العسكرية عطلت مسيرتها, وقد اشترك الترابي اكثر من مرة في حكومات سودانية متتالية, واودع في السجن ثلاث مرات اعقبت حالات انقلاب, ولمع نجم الترابي سياسيا عقب الانقلاب العسكري عام 1989 وخروج عديله المهدي من منصب رئيس الوزراء على يد الجنرال حسن البشير قائد الانقلاب, فقد حظي الترابي بتعاطف الشعب السوداني, ويرجع البعض ان قائد الانقلاب كان مجرد واجهة فقط, وان الترابي بقيادته للجبهة القومية الاسلامية كان المحرك الحقيقي لهذا الانقلاب, ومنذ ذلك التاريخ لوحظ تباطؤ دعم الغرب الاوروبي واحجام امريكا عن تقديم المساعدات الحقيقية الاقتصادية لحكومة السودان لانقاذ البلاد من الصراعات, هو وجود اعتقاد سائد لدى امريكا والغرب من خلفها بأن الترابي هو العقل المدبر, ومصدر القوة للاصولية الاسلامية في العالم العربي وتربطه صداقة قوية بالمنشق السعودي اسامة بن لادن والذي تبحث عنه الاستخبارات الامريكية بتهمة تدبير الاعتداء على سفارتها عام 1998. * هل استبق البشير بانقلابه هذا حدوث انقلاب اخر؟ ـ في تصوري ان البشير قام باكثر من انقلاب منه العسكري ومنه السياسي, فالرئيس عمر حسن احمد البشير الذي يعتلي السلطة منذ 10 سنوات, لم يتمكن خلال هذا العقد تماما من جمع مقاليد خيوط السلطة الحقيقية في يده, ولم تساعده على ذلك خلفيته العسكرية, فهو خريج الكلية العسكرية, ولمع اسمه فقط اثناء حرب اكتوبر 73 بين مصر واسرائيل, نتيجة لقيادته كتيبة عسكرية ساعدت مصر, لكنه كان يتمتع بطموح سياسي, واشترك في حينه في جماعة الاخوان المسلمين المحظورة, واظهر تأييده للترابي والجبهة القومية الاسلامية, وفي يونيو 89 كان هو قائد الانقلاب العسكري, وكان مدفوعا من الترابي الذي وقف في الخلف, وكان هذا الانقلاب يسبق بيوم واحد حدوث اتفاق تاريخي بين الميلشيات الغير اسلامية المتحاربة في الجنوب وبين الحكومة الديمقراطية السابقة بقيادة رئيس الوزراء الصادق المهدي, وقد جمد البشير في حينه انشطة كل الاحزاب السياسية بما فيها الجبهة القومية الاسلامية ووعد بالمجيىء بحكومة مدنية خلال 3 اشهر, ونصب نفسه رئيسا مدنيا, لكن كل المحيطين به في السودان اكدوا انه بقي تلميذا للترابي, وبدأ الترابي ينخر في قلب النفوذ السياسي للبشير من الداخل, وفي بداية هذا العام تركزت كل السلطة في يده بما في ذلك تعيين حتى المحافظين, غير ان هذه الخلافات قد هدأت ظاهريا بصعوبة بعد ان قدم الترابي وعدا للبشير بتأييد البرلمان له لتجديد رئاسته للبلاد فترة اخرى. * ما هي النظرة المستقبلية للصراع السياسي بين البشير والترابي؟ ـ الفيصل في الصراع سيكون مدى نجاح كل من طرفي الصراع في الحصول على دعم من داخل الحزب الحاكم والجبهة الاسلامية, وهناك مشكلة خطيرة في ان كلا من البشير والترابي يحظى بانصار له داخل صفوف الجيش, لذلك يصعب التكهن بالنتائج ولكن تصاعد حدة الصراع قد ينبئ بكارثة تطيح بكل ارجاء البلاد اذا ما استخدم السلاح.