يعتبر محجوب ابراهيم حسن من الشخصيات السودانية التي لاتخطئها الذاكرة رغم ابتعاده عن الشأن السوداني المباشر منذ غادر مهامه القضائية كوكيل للنائب العام في السودان ايام حكم الصادق المهدي.ورغم استقراره في الدوحة فمازال محجوب كما يناديه اصدقاؤه مرتبطا بأحداث السودان من عين ناقدة ومحللة) ومازال العديدون يعتبرونه مرجعا في فهم التطورات السودانية المتسارعة . ( البيان) التقته في الدوحة واجرت معه هذا اللقاء الذي يسلط فيه الضوء على التطورات الاخيرة التي طرأت في الخرطوم.. وفي مايلي نص المقابلة: هل استبق الرئيس البشير بانقلابه حدوث انقلاب آخر؟ لم يكن ما قام به الرئيس البشير استباقا لانقلاب عسكري آخر ضده يزيحه عن السلطة في التو واللحظة وانما استبق البشير بانقلابه ما كان ينويه الترابي في يوم الانقلاب ذاته من تمرير تعديلات دستورية جوهرية (انقلاب دستوري) تحد من سلطات البشير بل وتقلصها تقليصا معتبرا قد ينتهي في تداعياته المنطقية الى خلق نظام برلماني عوضا عن النظام الرئاسي القائم, ذلك ان التعديلات التي صاغها الترابي كانت ترمي الى خلق منصب رئيس وزراء كما كانت ترمي الى حرمان البشير من سلطات اخرى لعل اهمها سلطاته في تنحية الولاة. وايا كان رأينا في تلك التعديلات المجهضة فإن ما يدعو للحيرة والدهشة حتي الدوار ان الترابي كان هو الشخص الذي صاغ الدستور من الفه الى يائه وكان هو الذي اعطى رئيس الجمهورية كل ذلك الفيض من السلطات ابتداء, لكنها عين الرضا وقتذاك وعين السخط اليوم. ما هي انعكاسات التغيير الاخير في السودان على مستقبل الوفاق الوطني والاتفاق الاخير بين البشير والمهدي؟ يتعذر على المتأمل الحكم على مستقبل الوفاق الوطني من حدث واحد او من جملة احداث متفرقة ذلك ان المنطق الذي كان تتعامل به السلطة بواجهيتها البشير والترابي مع هذ الامر كان معوجا والمنهج الذي كانت تتبعه لم يكن مستقرا, فمرة يرفض الوفاق رفضا قطيعا ونهائيا لانه يعني الرجوع عن مشروعهم الحضاري وتارة يدعون المعارضة للنزال والقتال والمبارزة والمناجزة لتكون السلطة لمن يفوز, وطورا يدعون المعارضة الى العودة بشروطهم هم لتغرق في لجج تكويناتهم وتندغم في تنظيماتهم فيبتلعونها ابتلاعا ويكونوا هم الائمة والوارثين وحين وهن ما اصطلحوا على تسميته بالتمكين بفعل العزلة المحلية والاقليمية والدولية تنادي رأسا النظام آنذاك بالوفاق الوطني وسعيا اليه, ولكن بذات المنطق المعوج والمنهج غير المستقر, كانوا يسعون سعيا حثيثا الى وفاق يضمن لهم استدامة سلطتهم وفك عزلتهم الخاتقة في آن, فكانت جنيف مبادرة من الترابي وكانت جيبوتي مبادرة من البشير, وفي المبادرتين كانت وسيلتهم هي الصادق المهدي الذي انسوا فيه عجلة مشهودة ظلت تلازمه منذ عام 1977 حين ترك حلفاءه في الجبهة الوطنية وسارع الى مصالحة النميري صلحا لم يدم طويلا وكان هو الصادق من الاخسرين. ولقد ترتب على هذا الاعوجاج المنطقي والخفة المنهجية والتلهف الشديد الى المصالحة ان غاب اي قدر من الشفافية عن مبادرة ومباحثات جنيف التي ظلت شأنا مجهلا تجهيلا تاما لحلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي وان غيبت عن (اعلان جيبوتي) مسائل جوهرية انطوت عليها مقررات (اسمرا) عام 1995م هذا عدا ان الاعلان نفسه قد ابرم من وراء ظهر التجمع فكان نصيب المبادرتين الفشل الذريع. اما وقد انقلب البشير على الترابي بليل انقلابا محمولا على حالة الطوارىء فإن مستقبل الوفاق الوطني يصبح في خطر حقيقي لان من ينقلب على شيخه وامامه وقائده وعلى الدستور الذي ارتضاه حقيق بأن ينقلب على من يتصالح معه من خصومه واعدائه والثابت ثبوتا قطعيا ان الجبهة الاسلامية القومية موحدة بقيادة الترابي لم تطق الخلاف مع القوى السياسية الاخرى وضاقت بها في الثمانينيات فأتت امرا ادا هو انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989 الذي طرد كل الاحزاب والتنظيمات الفئوية وتكوينات المجتمع المدني من المسرح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وفعل بالناس الافاعيل. والثابت بذات القدر ان الجبهة موحدة برأسين قد ضاق اهلها بالخلاف بينهم فأراد الترابي حسمه حسما تآمريا بمشروع التعديلات الدستورية وقبل ذلك بإقصاء بعض مخالفيه من المستويات القيادية في الحزب الحاكم, وحسمه البشير بإنقلاب على شيخه وصانع نظام الانقاذ ومفكرها حتى صار امر نظام الانقاذ الى جسد بلا رأس يمثله البشير وجماعته ورأس بلا جسد يمثله الترابي. كل ما اسلفت ذكره يؤكد ان مستقبل الوفاق الوطني قاتم جدا, خاصا اذا نظرنا الى الامر في ضوء حقيقة ان اهل النظام ومنهم البشير, مازالوا يزعمون بأنهم يتمسكون بمشروع حضاري جوهره وحدة المرجعية (الاسلام كما يفهمه اهل النظام) بينما الوفاق يقتضي تعدد المرجعيات الاسلامية وغير الاسلامية وإلا ما قام نظام ديمقراطي تعددي البتة. ولعل ما يدعونا الى التأكيد على ما انتهينا اليه ان اهل النظام لم يفصحوا بعد عن اجندة سرية تجسد البعد الاممي لنظامهم وتربطهم بتنظيمات اصولية في شتى بقاع العالم تؤمن بدولة دينية يقصي اعداؤها اقصاء دمويا وتضرب عليهم الذلة والمسكنة ويثخنون جراحا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون, ولعل في وجود ميليشيات سرية مسلحة للنظام (تحت الارض) تخطرا يكفل نسف اي مشروع وفاق وطني. في ضوء ردود الافعال المعلنة.. هل تم التغيير بضغط خارجي او ضمن توافق مع بعض الاطراف الاقليمية والدولية؟ ان ما مورس من ضغط دولي على النظام في السودان مورس في اتجاه اقناع النظام بتبديل سياساته وممارساته ومسالكه فيما يتصل بالديمقراطية والحرب الاهلية بين الجنوب والشمال والشمال والشمال, وفيما يتصل بالتخلي عن رعاية الارهاب وما يتصل بحقوق الانسان بوجه عام, وقد ظل العالم كله يمارس هذه الضغوط على النظام بلا جدوى حتى بعد ان ادين النظام مرات ومرات في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر الدولية وبعد ان اوقعت عليه عقوبات جزاء وفاقاً صحيح ان تلك الضغوط قد الحقت الكثير من الاذى بالنظام السوداني اذ فرضت عليه عزلة محكمة على جميع الصعد, لكن النظام لم يستجب وافتعل ما افتعل من معارك متوهمة بين العالم ومشروعه الحضاري, وحين اتجه اتجاهاً ظاهرياً الى فك عزلته كان يريد لذلك ان يتم وفقاً لشروطه وان لم يصرح بذلك. لما تقدم لا اعتقد ان التغيير قد تم استجابة لضغوط دولية سيما وان البشير ما زال يعلن على رؤوس الاشهاد تمسكه بمرجعيته الاحادية و دولته الدينية ويتقبل وساطات جماعات الاسلامي السياسي المحلية والاقليمية والدولية لرأب الصدع الذي حدث بينه وبين الترابي, انما تم التغيير بعد صبر دام سنوات ذاق فيه البشير الامرين من الترابي, تصغيراً وتحقيراً وتحجيماً وتقزيماً واستعلاءً مقيتاً. لقد تم التغيير بعد ان شدد الترابي النكير على البشير ونائبه علي عثمان محمد طه والعشرة اصحاب المذكرة وادرك الجميع ان الترابي, ان ترك وشأنه, لا ريب منقلب عليهم دستورياً انقلاباً قد يجعل ما بينهم وبين السلطة محض ذكريات, البشير لم يحدث الانقلاب من تلقاء نفسه وانما دفعه اليه دفعاً اهل المذكرة. صفوة القول ان التغيير لم يتم بضغط خارجي ولا ضمن توافق مع بعض الاطراف الاقليمية والدولية وانما تم في اطار صراع على السلطة بلغ مداه وكان لا بد ان يحسم من أحد اطرافه, لا يغير من هذه الحقيقة ان التغيير صادف رضا من بعض الاطراف الاقليمية التي حسبت ان الشر كله يأتي من الترابي لا من غيره وكم يخطىء هؤلاء القوم الحساب؟!!! هل يقبل الترابي بالهزيمة ام يفتح جبهة جديدة ضد النظام؟ اذا سلمنا بأن جل العطاء السياسي والفكري لجماعة الاسلام السياسي في السودان على مختلف مسمياتها وفي مختلف حقبها منذ عام 1964م جاء من الترابي واذا سلمنا ان كل ما تم من صروح اقتصادية واعلامية وثقافية للجبهة الاسلامية تم بجهود الترابي وبفضل تواصله مع مصادر المال في مختلف انحاء العالم, وان الانقلاب الذي تم في 30 يونيو 1989م تم بتوجيه من الترابي وان الترابي اسهم في كل معطيات النظام القائم على كل الصعد حتى الأمنية منها, لادركنا ان الكيان الذي يقبع البشير على رأسه هو مولود احق الناس بأبوته الترابي, كل هذه الحقائق وحقيقة ان من تمردوا على الترابي هم من تلامذته الذين صنعهم على عينه ورفعهم الى اعلى عليين, ثم حقيقة ان الترابي سلطوي حتى النخاع ظل يسعى الى السلطة منذ بواكير وابتداءات عمله بالسياسة, وحقيقة ان الترابي خصم صعب المراس شرس لا يسلم بهزيمته ولا يقف عند نصر واحد, لادركنا ان الترابي لم ولن يقبل بالهزيمة وسيفتح جبهات ضد النظام حتى يحقق ما يطمح اليه او يهلك دونه, خاصة وان لديه الكثير من الانصار المتشددين والمدججين بالسلاح حتى أسنانهم الذين اعدهم لمعارك طويلة مع اعداء النظام واعدائه!!! هل يملك البشير اوراقاً كافية لمواجهة التداعيات المحتملة داخلياً وخارجياً؟ داخلياً لا يملك البشير الا ورقة كره جل السودانيين لحسن الترابي, ولو احسن استخدامها فحمل الترابي كل مسئوليات ما قارفه نظام حكمه من خطايا وآثام ثم اقترب من المعارضين اقتراباً اميناً مخلصاً واجرى بعض التدابير التي تزيل عن الناس بعض المعاناة فقد يكفل له ذلك الكثير من الدعم في معركته الشرسة هذه مع خصمه الاشرس هذا, اما خارجياً فإنه يستطيع الركون الى دعم مصري وليبي ولا يستطيع الحصول على دعم غربي, خاصة الامريكي, الا اذا غير سياسته تغييراً جوهرياً من شأنه تغيير هوية النظام وطبيعته تغييراً كاملاً. ما هو دور القوات المسلحة والأحزاب السياسية في التطورات الراهنة؟ الاحزاب السياسية المعارضة للنظام كانت ضحية للانقلاب الذي نفذه البشير بتوجيه من الترابي وبأدوات اعد بعضها الترابي, فهي والحال هكذا سعيدة برؤية الصراع يشتد ويتصاعد (صراع في جحور الضباع هو عندها) حتى لينهك طرفيه فيغدو الخلاص منهما ميسوراً ولعل الصادق المهدي هو الاحرص على ألا يتصاعد الصراع الى الحد الذي يهلك طرفيه لأن من شأن ذلك ذهاب النظام ومشروعه الحضاري سوياً ذلك ان الصادق يشاركهم المشروع ولا يريد له ان يموت ويشاركهم الفكر الديني والسياسي ولا يريد لهم ان يذهبوا ويختفوا نهائياً من المسرح السياسي. أما الجيش فقد كان ضحية للنظام ذاق على يديه ما لم يذقه على يدي أي نظام آخر سبقه, فالنظام تخلص من جل الضباط الوطنيين المحترفين وحوّل الجيش من مؤسسة قومية الى اداة قهر تحمي النظام وتبطش بأعدائه. وقد أهان النظام (أخص بالذكر الترابي) الجيش أيما اهانة حينما اسس لميليشيات مسلحة وأجهزة امن توازيه بل ويعول عليها اكثر من التعويل عليه, حتى لقد وصف الترابي جنود وضباط الجيش بأنهم مرتزقة يلزم التخلص منهم ليحل محلهم المجاهدون. لهذا فالرأي عندي ان الجيش سعيد بهذا الصراع حريص كل الحرص على ان يبلغ مداه ليتوج بنهاية النظام. وقد يظاهر الجيش البشير الى حين غير انه لن يهدأ له بال الا بعد زوال النظام او تغيير طبيعته تماما لأن الجيش قد اقتنع اقتناعا تاما بأن انسب نظم الحكم التي تكفل وحدته وقوميته وكرامته هو النظام الدستوري الديمقراطي التعددي. كيف استقبلت قوى المعارضة ما حصل؟ وهل تضيق المساحة بينها وبين النظام أم انها تفتح بابا آخر لمعارضة جديدة؟ لقد استقبلت قوى المعارضة ما حصل بمثل ما تحدثت عنه من استقبال في اجابتي السابقة. ولا اظن ان المسافة بينها و بين النظام ستضيق ما لم يعبّر النظام عن ارادة سياسية واضحة بتغيير النظام تغييرا كليا يقتضي اول ما يقتضي التخلي عن الدولة الدينية وينصرف الى بناء دولة مدنية عصرية قوامها الديمقراطية والتعددية والتنوع ومعيار الحقوق والواجبات فيها هو معيار المواطنة بلا تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الجهة. كيف تنظر الدول المحيطة بالسودان والقوى الدولية, خاصة أمريكا, الى ما حدث وما احتمالات المستقبل ازاء الموقف في السودان؟ دولتان من الدول المحيطة بالسودان راضيتان كل الرضا عما حدث بالسودان هما مصر وليبيا وقد عبرتا عن رضائهما تعبيرا لا لبس فيه ولا غموض, ولم تعبر اي من دول الجوار الاخرى عن أي موقف حتى اليوم. اما امريكا فقد جهرت بقولها انها تهتم بالسياسات لا الاشخاص, وبالتالي فإنها ستنتظر حتى يفصح النظام عن سياسات مغايرة لسياساته القديمة. ولعل المتابع يدرك ان امريكا لن ترض عن النظام الا اذا نهج نهجا اقنعها بأن سيوصله الى نظام ديمقراطي تعددي تراعى فيه حقوق الانسان ولا يميز فيه بين المواطن والآخر لأي سبب, ولن ترضى أمريكا عن النظام الا بعد حل المأساة السودانية في الجنوب المترتبة على الحرب, ولن يكون ذلك الا بوقف الحرب واحلال السلام في جميع اصقاع البلاد. هل حدث انقلاب حقيقي على النهج والقناعات أم مجرد تغيير في الوجوه والأقنعة؟ ما يتوافر من معطيات حتى الآن يقطع بأن ما حدث ليس انقلابا على النهج والقناعات وانما هو مجرد حسم لصراع حول السلطة بين طرفين يتقاسمان نفس الايديولوجية والفكر والمنهج ويؤمنان ايمانا صارما بالدولة الدينية, ولقد جاءت تصريحات البشير بعد عزل الترابي تؤكد هذا الذي انتهيت اليه. اجزم ان ما تم هو مجرد تغيير في الوجوه والاقنعة. ما مستقبل حرب الجنوب؟ وهل تتراجع في سلم الأولويات لحساب الصراع بين أجنحة النظام؟ كانت حرب الجنوب دائما في قمة الاولويات وستظل في صدارتها اراد القوم أم أبوا. ذلك انها الجرح الاعمق والادمى والاكثر استنزافا لموارد البلاد والأكثر تهديدا لسلامتها ووحدة اراضيها. الدوحة كتب فيصل البعطوط