منذ ان اعلن الرئيس السوداني عمر البشير عن قراراته الخاصة بحل البرلمان السوداني واعلان حالة الطوارىء في البلاد والامور تتصاعد هناك بشكل واضح, حيث هدد الدكتور حسن الترابي بانه اذا لم يتراجع البشير عن هذه القرارات فمن الممكن ان يتم تصعيد الموقف واللجوء الى اثارة الاضطرابات وبما يؤدي الى حدوث انتفاضة شعبية شاملة, هذا في الوقت الذي اعلن فيه عن تشكيل لجنة وساطة للمصالحة بين الطرفين البشير والترابي تقوم حاليا بممارسة مهامها لايجاد صيغة توفيقية بين الطرفين رغم عدم تعويل الكثيرين الامال على هذه اللجنة لانه لمجال لمصالحة فلابد ان يخرج احد الطرفين من هذا الصراع خاسرا, على الجانب الاخر نرى تأييدا واضحا من دول الجوار لهذه الاجراءات الاخيرة ومحاولات تقوم بها مصر وليبيا لدعم موقف البشير في حين تنتظر في ترقب لتداعيات الامور بعض الاطراف الدولية وخاصة الولايات المتحدة (الملف) التقى الدكتور حيدر ابراهيم مدير مركز الدراسات السودانية بالقاهرة, والدكتور حسن ابو طالب رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية للحديث عن انعكاسات التغيير الاخير في السودان على مستقبل الوفاق الوطني والاتفاق الاخير بين البشير والمهدي, وعن امكانية قبول الترابي بالهزيمة أم يفتح جبهة جديدة ضد النظام, وحول دور القوات المسلحة في التطورات الراهنة, والكيفية التي استقبلت بها قوى المعارضة ما حدث, وهل تضيق المسافة بينها وبين النظام أم انها تفتح بابا اخر لمعارضة جديدة, وكيف تنظر الدول المحيطة بالسودان والقوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الى ما حدث. جاء في وقته في البداية يرى الدكتور حيدر ابراهيم مدير مركز الدراسات السودانية بالقاهرة ان ما حدث في الخرطوم كان متوقعا وجاء في وقته بعد ان وصل الصراع بين البشير والترابي الى الحد الذي لابد معه ان يحسم لصالح احد الطرفين, لقد ظل النظام السوداني يعمل برأسين وسلطتين ولفترة طويلة مما نجم عنه تناقضات عديدة في السياسة الخارجية السودانية وكذلك في الاوضاع الداخلية وبعد المؤتمر الوطني الاخير مالت الامور لصالح الترابي فأصبح في عجلة من امره لحسم الصراع ولذلك كان اصراره على التعديلات الدستورية التي تسحب من البشير كل صلاحياته ويكون الترابي بذلك قد حقق انقلابا دستوريا بطريقته الناعمة والماكرة ولكن البشير قام في الوقت المناسب بحل البرلمان, ولجأ هو الآخر وبطريقة سرية الى القوات المسلحة تحسبا لاي تحركات اخرى قد تضر وبذلك يمكن ان نعتبر ان البشير وبتأييد من الجناح العسكري وبعض العناصر التي همشها الترابي في الفترة الاخيرة قد استطاعوا ان يكسبوا الجولة الاولى في المعركة وتبقى المسألة معلقة بقدرة الترابي على الحركة السريعة فاذا لم يستطع التحرك سريعا عليه ان يقبل بالامر الواقع وكل الدلائل تشير وبعد مضى نحو الاسبوع من الاحداث ان الترابي قد فوجىء ولم يستطع حتى الآن ترتيب نفسه لمواجهة البشير. سلاح لايملكه ولكن ماذا عن تهديدات وتحذيرات الترابي بان ما حدث قد يؤدي الى حدوث انتفاضة شعبية؟ يقول الدكتور حيدر ابراهيم: الترابي هنا يهدد بسلاح لايملكه فالشارع السوداني يعتبر ما حدث هو صراع شخصي على السلطة بين الاثنين ولا شأن له بالشعب, وبالتالي لاتوجد قضية مقنعة تتطلب نزول الشعب للشارع حتى المؤيدين للجبهة الاسلامية لانه في احوال اخرى لا يمكن ان تعبء وتحشد الشارع بدعوى وجود خطر اجنبي او مؤامرة ـ المعارضة ولكن في هذه الحالة ماذا سيقول الترابي للشعب السوداني هنا لاتوجد قضية عامة يمكن ان تحرك الشارع السوداني. ويعتقد الدكتور حيدر ابراهيم انه لايوجد حل وسط بالنسبة للصراع بين البشير والترابي ولابد من وجود هزيمة لاحد الطرفين, فاما ان يقبل الترابي بقرارات البشير بحل المجلس واعلان حالة الطوارىء لمدة ستة اشهر, واما ان يسحب البشير قراراته, الصراع وصل الى حد خطير ولابد لاحد الطرفين ان يخرج خاسرا منه, ولذلك فليس متوقعا ان تسفر لجنة المصالحة التي تم تشكيلها عن شيء ملموس في طريق انهاء الصراع والخلاف, ولذلك فالحل الوحيد من وجهة نظر الدكتور حيدر لهذه المشكلة وحتى يتم تجنيب الحركة الاسلامية المواجهات والحلول العنيفة هو تشكيل حزبين اسلاميين احدهما يتزعمه الترابي والآخر يتزعمه البشير ومعه علي عثمان ومحمد طه وغيرهم. بدون ذلك واذا استمر الصراع ولم يتم التوصل لاتفاق بين البشير والترابي فيمكن ان يحدث العنف ولكنه لن يكون تحرك شارع ولكن تحرك تقوم به مجموعات من الجيش وبعض قطاعات من الدفاع الشعبي التي يمكن ان يكسبها الترابي الى جانبه ولكن حتى الآن فوضع البشير للجيش افضل من الترابي ويضيف الدكتور حيدر: لايوجد لدى البشير قلق بالنسبة للقوات المسلحة فاول خطوة قام بها قبل ان يعلن قراراته كانت الاتصال بالقوات المسلحة من خلال العقيد ابراهيم شمس الدين وزير الدولة للدفاع وقائد الشرطة العسكرية, وبالتالي هناك تنسيق مسبق قبل اعلان القرارات, ولذلك نستطيع ان نقول ان وفاء الجيش مازال حتى الآن مع البشير. بصورة اكثر حكمة وفيما يتعلق بانعكاسات التغيير الاخير على مستقبل الوفاق الوطني في السودان والاتفاق الاخير بين البشير والمهدي والكيفية التي استقبلت بها قوى المعارضة ما حدث يرى الدكتور حيدر ابراهيم ان هذا الحادث تجاوز جيبوتي وكمبالا وانتقل بالمشكلة السودانية الى مستوى جديد يستوجب على المعارضة ان تستفيد منه بصورة اكثر حكمة وذكاء, ولكن يبدو ان المعارضة حتى الآن لم تستجب بصورة جيدة للتحولات الجديدة ولذلك لم يجتمع حتى الآن لكي يقيم الاوضاع ويصدر بيانا فيما يحدث, الاستجابات من المعارضة جاءت فردية, من الضروري ان يصدر التجمع بيانا يدعو فيه الى سرعة عقد المؤتمر الدستوري الذي تشترك فيه كل القوى السودانية وان يتم تشكيل حكومة انتقالية سودانية وايقاف الحرب مباشرة هذه نقاط اساسية وعلى ضوئها يمكن ان نخطو خطوة في طريق حل الأزمة السودانية حلاً شاملاً. واكد الدكتور حيدر ابراهيم ان الاحداث الاخيرة هي شأن سوداني من الألف الى الياء ولا وجود هنا الى أية تدخلات او تأثيرات خارجية ادت الى حدوث ذلك, اما بالنسبة لموقف الدول المحيطة مما حدث فهي ايدت بوضوح الاجراءات الاخيرة وتعمل على دعم موقف البشير, وعلى الجانب الآخر هناك حالة من الترقب من جانب فرنسا والولايات المتحدة الامريكية وعموماً تلك الدول تقيس تعاملها مع نظام البشير حسب ما يقدمه في سبيل حل مشكلة الجنوب وموضوع انتهاكات حقوق الانسان. بات واضحاً ومن جانبه يشير الدكتور حسن ابو طالب رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية الى ان الاجراءات التي قام بها البشير لها جذورها ودواعيها التي ظهرت طوال العامين الماضيين حيث بات واضحاً ان هناك صراعاً على السلطة بين جناحين الاول يقوده الدكتور حسن الترابي والثاني يقوده البشير فمنذ تقديم ما بات يعرف بمذكرة العشرة في ديسمبر الماضي وحتى انعقاد المؤتمر التأسيسي للمؤتمر الوطني العام (الحزب الحاكم) رأينا تحركات في أكثر من اتجاه قام بها الشيخ حسن الترابي لاعادة تنظيم هيئة قيادة الحزب بطريقة تتيح له التخلص من آثار مذكرة العشرة التي كانت قد طالبت بتحجيم سلطات الترابي وتدخلاته في العمل التنفيذي بصورة مباشرة او غير مباشرة, وقد نجح الترابي في المؤتمر التأسيسي في اعادة هيكلة هيئة القيادة واستبعد نحو سبعة اسماء من العشرة الذين وقعوا على المذكرة المشار اليها من قبل كما وضع الترابي البشير في موضع صعب عندما حفز النواب في البرلمان على توجيه كثير من الانتقادات للأداء الحكومي وايضاً ما قيل عن انتشار الفساد في اداء بعض الوزارات الهامة, وقد اتخذ الشيخ حسن الترابي خطوة اخرى وهي التي عرفت بالتعديلات الدستورية وهي ثلاثة تعديلات التعديل الاول استهدف استحداث منصب رئيس الوزراء يكون منتخباً من قبل البرلمان والتعديل الثاني ان يتم انتخاب الولاة وليس تعيينهم, والتعديل الاخير وهو الذي تم التراجع عنه وهو الذي كان يدعو الى ان يتم تعيين الوزراء من النواب المنتخبين في البرلمان, وكانت حصيلة هذه التعديلات تصب كلها في اتجاه تقليص سلطات البشير واضافة سلطات اكبر للترابي كما ادت الى اظهار ان المعركة والصراع بين الطرفين صراع على مساحة السلطة في العمل السياسي والتنفيذي معاً. ويضيف الدكتور حسن أبو طالب: والواقع ان هذا التعديلات الى جانب الاجراءات التي لجأ اليها الترابي من قبل كانت توضح فكرة او قناعة لديه وهي ان الحركة الاسلامية بعد عشر سنوات من السيطرة على مقاليد الحكم قد وصلت الى مرحلة التمكين في المجتمع السوداني وبالتالي لا بد ان تكون السلطة عاكسة لهذه المرحلة من خلال انتخاب الولاة والوزراء اعضاء الحركة الاسلامية ويترتب على ذلك وجود انسجام بين تغلغل الحركة الاسلامية في المجتمع السوداني وسيطرتها على السلطة التنفيذية بكل مستوياتها وقد اوضح ذلك ان الشيخ حسن الترابي يحاول ان يكون هو الرجل الاول والأوحد في الحياة السياسية السودانية من خلال سيطرته على البرلمان وعلى السلطة التنفيذية في آن واحد. الاستجابة لمحاولات الوساطة وحول رأيه فيما يتعلق بالموقف المتوقع من الترابي وهل سيقبل بالهزيمة ام يفتح جبهة جديدة ضد النظام يقول الدكتور حسن ابو طالب: هناك ثلاثة اختيارات امام الترابي وانصاره, الاختيار الاول: اللجوء الى ما يسمى بالاجراءات الدستورية والقانونية وهذا يعني التقدم بطعن دستوري لدى المحاكم السودانية العليا على الاجراءات التي قام بها البشير والاختيار الثاني التجاوب مع محاولات الوساطة والمصالحة التي تمت بالفعل حيث شكلت وفود ابرزها وفدا السبعة من قيادات الجبهة الاسلامية وفي مقابلها شكل البشير وفد من سبعة اعضاء على ان تقوم هذه اللجنة بايجاد وسيلة للمصالحة, وهناك محاولات جرت من هيئة قيادة المؤتمر الوطني تصب في ذات الاتجاه, الاختيار الثالث: اللجوء الى ما يسمى بتحريك القواعد والمناصرين للحركة الاسلامية من مختلف المناطق وخصوصاً الخرطوم وفي تصور الدكتور حسن أبوطالب ان الترابي بكل ما لديه من ذكاء وقدرة على تحليل الاوضاع يعلم جيداً ان اللجوء الى العنف من قبل قواعد الحركة سوف يقابل بعنف من الحكومة وبالتالي سوف يؤدي ذلك الى تمزق السودان والتأثير سلبياً على الحركة الاسلامية ككل, خيار العنف غير مأمون العواقب له نتائج سلبية على الجميع وبالتالي حينما تكون هناك محاولة للسير في اجراءات المصالحة وفي الوقت نفسه اتخاذ بعض الاجراءات القانونية التي تعطي مؤشراً على الرغبة في احتواء الأمر, هنا نستطيع ان نقول ان التصريحات التي قالها الترابي حول احتمالات اللجوء الى الشارع وتحريك المظاهرات وحدوث انتفاضة سودانية جديدة هي نوع من انواع الضغوط التي تصاحب عمليات التفاوض بغرض التأثير على الطرف الآخر وجعله اكثر استعداداً للمصالحة وتقديم التنازلات والملاحظ ان الرئيس البشير ومن خلال تصريحات مضادة كان يؤكد على كونه عضواً في الحركة الاسلامية منذ الصغر وانه بهذه الاجراءات لا يستهدف الحركة الاسلامية نفسها التي هو عضو فيها وانما يستهدف منع حالة من حالات ازدواجية السلطة التي كانت تؤثر على عمل الاجهزة التنفيذية التي يرأسها بنص الدستور بمعنى ان البشير يشير الى رغبته ان تكون هناك مصالحة وان يتفهم كوادر الحركة الاسلامية موقفه من منظور ان هذه الاجراءات تخدم استمرار الحركة الاسلامية في السلطة وليست ضدها, والملاحظ ايضاً في هذا الانقلاب الاخير ان الاجراءات لم تعمد الى اي نوع من انواع الاعتقالات او المواجهات الامنية مع انصار الشيخ الترابي بل لوحظ ان انصار الشيخ الترابي ظلوا على حريتهم في الحركة وكانت لهم الحرية في ابداء مواقفهم فيما حدث من خلال وسائل الاعلام السوداني. المعارضة غير متماسكة وفيما يتعلق بموقف قوى المعارضة من الاحداث الاخيرة وهل تضيق المسافة بينها وبين النظام ام انها تفتح بابا آخر لمعارضة جديدة, يوضح الدكتور حسن أبوطالب انه فيما يتعلق بالمعارضة فالواقع أثبت خلال الثلاث سنوات الماضية وحتى قبل هذه الاجراءات ان المعارضة لم تكن متماسكة بالصورة المناسبة التي تساعدها على مواصلة الضغط على الحكومة في الخرطوم وقد وضح انه في داخل المعارضة خلافات حول الأسس الاستراتيجية التي يجب من خلالها التعامل مع الحكومة, فقد وجدنا بعض التحركات العسكرية التي تقوم بها حركة جون قرنق وايضاً بعض الاطراف المشتركة في مظلة التجمع الوطني للمعارضة بقيادة عبدالعزيز خالد ومثل هذه التحركات لم تجد تأييدا كاملا من تجمع المعارضة وكان هناك خلاف بينها, ايضاً وضح الخلاف اكثر بين قوى تجمع المعارضة فيما يتعلق بالمبادرة المصرية ـ الليبية ـ حيث لاحظنا المناورات السياسية التي اتبعتها حركة جون قرنق لكي تعبر عن الرفض للمبادرة ولأية جهود يتم بذلها لكي يكون هناك نوع من أنواع التنسيق بين هذه المبادرة العربية ومبادرة (الايجاد) وهنا لا بد من الاشارة الى ان حركة قرنق باصرارها على خطة الايجاد فإنها بذلك تدفع الاوضاع الى تغليب وجهة النظر القائلة بأن الأزمة في السودان هي أزمة بين شق عربي وآخر افريقي ونحن نعلم ان خطة الايجاد تقوم على التفاوض بين حركة قرنق من جهة والحكومة السودانية من جهة اخرى وبالتالي استبعاد اطراف وقوى المعارضة في المناطق الشمالية, ايضاً جاءت تحركات الصادق المهدي رئيس حزب الأمة في اتجاه الحكومة السودانية فيما عرف (بنداء الوطن) لتعبر هي الاخرى عن اختلاف في الرؤى بين حزب الأمة وباقي أطراف التجمع الوطني الديمقراطي المعارض, وان حزب الأمة قد عبر بهذه الخطوة عن عدم قناعة بفاعلية التجمع بصيغته القائمة ويرى ان التحركات العسكرية السابقة لم تكن فاعلة, وان حركة قرنق لم تكن على المستوى الوحدوي الذي حاول التجمع المعارض ان يحققه من خلال الاصرار على عضوية قرنق في هيئة التجمع القيادية, ان اتفاق (نداء الوطن) الذي تم بين الصادق المهدي والحكومة السودانية يمثل نقطة وسط بين الاطروحات المختلفة المطروحة بشأن الحل السياسي الشامل فهو من جانب يقوم على فكرة عدم استبعاد الحوار الوطني والتنسيق ما بين المبادرات المطروحة وكذلك القبول بمبدأ ان الجنوب يستفتى على تقرير مصيره بعد فترة انتقالية اربع سنوات, وهذه العناصر موجودة في كل اطروحات المعارضة وحتى في الموقف الحكومي السوداني نفسه. وحول انعكاسات التغيير الأخير على الاتفاق الاخير بين المهدي والبشير يقول الدكتور حسن ابو طالب: اتصور ان هذا التغيير سوف يعطل اي جهد بناء فيما هو مطروح في اتفاق نداء الوطن, كما سيجعل مهمة تنفيذ المبادرة المصرية الليبية مواجهاً ببعض الصعوبات الاضافية. وفي النهاية يتفق الدكتور حسن ابو طالب مع الدكتور حيدر ابراهيم على ان ما حدث هو صراع داخلي بين اجنحة الحكم في السودان ومن الصعب ان يكون هناك دور لأي اطراف خارجية فهو صراع تعود جذوره لأكثر من عام.