منذ طفولتي كنت مغرما بالسينما, وكنت كثيرا ما اذهب لمشاهدة العروض السينمائية بكازينو حلوان, وعندما حصلت على الثانوية العامة سنة 1937 بدأ عشقي للسينما يسيطر علي ويطاردني في كل خطوة, ولم استطع ان اقاوم سحرها الشديد حتى اتيحت لي فرصة عظيمة وقابلت المخرج الكبير محمد كريم فافصحت له برغبتي فارشدني لدراسة السينما من خلال الالتحاق باستوديو مصر . لم اتردد وذهبت على الفور الى حمدي باشا سيف النصر الذي كان وزيرا للحربية في ذلك الوقت وصديقا لوالدي فارسلني الى الشاعر الكبير مطران خليل مطران الذي كان حينذاك مديرا لدار الاوبرا فارسلني الى احمد سالم مدير ستوديو مصر, ومن هنا بدأت رحلتي الفنية. لم اتعب كثيرا في اختيار طريقي منذ البداية, حيث استهوتني الافلام البوليسية المثيرة, وفعلا كان اول فيلم قمت باخراجه (المنزل رقم 13), وقد جاءتني فكرته من خبر منشور بجريدة المصري عن طبيب هولندي استطاع ان يتحكم في ارادة انسان من خلال التنويم المغناطيسي لدرجة تجعله يرتكب جريمة قتل وهو مسلوب الارادة وتحت تأثير شخص اخر. واستطعت ان انسج قصة من هذا الخبر متخيلا الاحداث والمواقف والشخصيات المحورية, ثم بدأت مع علي الزرقاني في كتابه السيناريو والحوار الذي استغرق ما يقرب من سنة وانتجت الفيلم بنفسي واعتمدت على ستوديو مصر كممول وموزع وتعاون معي مدير التصوير الراحل وحيد فريد ولم يأخذ أي اجر الا بعد عرض الفيلم, بدأت تصوير فيلم (المنزل رقم 13) وحماسي وشغفي بالتجربة الاولى لا يفوقهما شيئا, كان ذلك في اواخر عام ,1951 ومن كان يعرفني ساعتها لابد انه كان يدرك سعادتي التي اعجز فعلا عن وصفها, كنت وقتها كمن يطير ويحلق في السماء ولا يستطيع احد مهما كان ان يوقفه, حتى تدخلت الاحداث السياسية التي مرت بها مصر في ذلك الوقت وكادت تخنق فرحتي, حيث توقفت عن تصوير فيلمي الاول رغما عني في 20 يناير 1952 بسبب حريق القاهرة الذي حدث حينذاك وتم منع التجول نهائيا. ولكني لم استسلم ودفعني الحماس والرغبة في تكملة فيلمي الاول الى ان اسعى لوزارة الخارجية واحصل على اذن منها لاستئناف التصوير, وقد كان وبدأت من جديد على كوبري امبابة, وكان من حسن حظي ان قرار منع التجول الذي كان سبب ازمتي, ساعدني على التصوير دون ازعاج, فقد كنت اصور بالليل ولم يكن هناك اي ضجيج بل هدوء تام حتى انهيت فيلمي وقدمته في صورته التي يعرفها الجميع. قامت ثورة يوليو فيما بعد, وايدناها جميعا, تأثرنا بالثورة وتأثرت بنا, فثورة يوليو عرفت طريقها الى السينما وادركت اهميتها في تشكيل وجدان الشعب الوطني فوضعتها نصب عينيها. واتذكر انه بعد قيام ثورة يوليو كان قد تبلور الصراع العربي الاسرائيلي, وبدأ السينمائيون يلتفتون الى ذلك وكنت اول من قدم فيلما عن الصراع العربي الاسرائيلي بدأت تصويره قبل العدوان الثلاثي على مصر 1956 واثناء التصوير حدث العدوان الثلاثي وتأجل التصوير لفترة طويلة, ثم بعد ان استقرت الاحوال استأنفت التصوير مرة اخرى وكان الفيلم (الارض والسلام) قامت ببطولته الفنانة الكبيرة فاتن حمامة التي ساعدتني كثيرا فمعها كان العمل يسير بهدوء وتفاهم واحترام كاملين, والفيلم كان يحكي عن نشاط الفدائيين ضد اسرائيل, وكان منتج الفيلم وصاحب فكرته الراحل العظيم حلمي حليم. انشأت ثورة يوليو مؤسسة السينما وتوالت الافلام العظيمة التي انتجت في هذه الفترة, وبالنسبة لي دارت العجلة وقدمت العديد من الافلام مع نجوم ونجمات السينما المصرية, فعملت (سيدة القصر) و (الليلة الاخيرة) و (لن اعترف) وكلها افلام قمت بتحضيرها عن روايات اجنبية, ثم قدمت بعد ذلك افلاما ماخوذة عن روايات ادبية مثل (الخائنة) الذي قام ببطولته نادية لطفي ومحمود مرسي عن قصة لابراهيم الورداني وسيناريو عبدالحي اديب وحوار موسى صبري. وفيلم (اللص والكلاب) الذي قدمته عام 1962 عن قصة واقعية لنجيب محفوظ, وهي القضية التي شغلت الرأي العام في مصر عام 1960 وكان بطلها السفاح (محمود امين سليمان) وجسد شخصيته الفنان شكري سرحان في دور (سعيد مهران) الذي راح ضحية الشعارات والمفاهيم المضللة التي اثر عليه بها الصحفي الانتهازي (رؤوف علوان) الذي جسده الفنان كمال الشناوي وكان هذا الفيلم يمثل تحديا مهما بالنسبة لي لانه يكشف الشعارات السياسية الزائفة التي كان المجتمع يزخر بها, ولكن الأهم من ذلك انها كانت مسئولية كبيرة ان اعمل رواية لاديب كبير مثل نجيب محفوظ, فالرواية كتبها محفوظ على لسان البطل الذي يروي الاحداث وكان من المستحيل ان اعمل فيلما يرويه البطل واقوم بتصوير اشياء صامتة, وقد عملت معالجة للرواية ورجعت لنجيب محفوظ للحصول على موافقته حتى ظهر الفيلم على صورته المعروفة. وتوالت افلامي المأخوذة عن روايات واعمال ادبية وراعيت فيها ان تكون معبرة عن المجتمع المصري وتقلباته السياسية, فقدمت افلاما انتقدت فيها السلطة او تناولت مرحلة مراكز القوى في الستينيات مثل الهارب, وميرامار و (غروب وشروق) وعلى من نطلق الرصاص الذي يتناول حماية الانسان من المفسدين والانتهازيين التي ساهمت السلطة في صنعهم. واذا كنت اول من قدم فيلما عن الصراع العربي الاسرائيلي فإنني ايضا قدمت اشهر فيلم من سجلات المخابرات المصرية ويتناول التجسس بين مصر واسرائيل وهو فيلم (الصعود الى الهاوية) الذي قامت ببطولته الفنانة الراحلة مديحة كامل ومحمود ياسين وجميل راتب, وقد تم اختياره في الاستفتاء الذي تم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن اهم 100 فيلم كواحد من افضل مائة فيلم هو وسبعة افلام اخرى من افلامي وهي (حياة او موت) و (ميرامار) و (غروب وشروق) و (على من نطلق الرصاص) و (المنزل رقم 13) و (الرجل الذي فقد ظله) و (اللص والكلاب)