ستظل خفايا انقلاب القصر الذي قام به الفريق عمر البشير محل تساؤلات ومثار تكهنات لاحصر لها, ذلك على الرغم من ان كافة الدلائل كانت تشير الى حتمية وقوعه خلال النصف الاخير من هذا العام وربما ذهب سوء الظن بالبعض الى حد القول بان ما جرى ليس سوى تمثيلية بارعة يحاول نظام الجبهة الاسلامية بها التخلص من الضغوط الداخلية والخارجية التي باتت تهدد مصير السودان ذاته . والحقيقة ان انقلاب القصر هذا يستحق ان يلقى اهتماما اكبر من اطلاق التوصيفات المغرقة في التعميم او اثارة التكهنات الحافلة, بالرؤى التآمرية. وقد تكون دراسة الدوافع مدخلا مناسبا للتعاطي مع قرارات الرئيس البشير التي اقصت ببيان قصير الجبهة الاسلامية القومية عن مقاليد الحكم وحلت في ذات الوقت البرلمان وفرضت الاحكام العرفية, ولابد من الاعتراف بداية بأن الدوافع الداخلية تبدو متشابكة مع الدوافع الخارجية لهذه القرارات حتى ليصعب على المراقبين السياسيين فض الاشتباك فيما بينها او حتى اعلاء قدر أيآ منها في مسار الاحداث. الدوافع الداخلية وفي طليعتها ذلك التصاعد المستمر في نفوذ الدكتور حسن الترابي, رئيس البرلمان والذي اخذ في بث رجال الجبهة, وكوادرها في كل اجهزة الدولة والاعلام كما لو كان الانقلاب العسكري الذي قام به عمر البشير ضد حكومة الصادق المهدي عملا دبرت له وحثت عليه الجبهة القومية الاسلامية. وكان لاقصاء القوى والاحزاب السياسية الاخرى اكبر الاثر في التمكين لسيطرة رجال الترابي على كافة انشطة الدولة ويوما بعد يوم اخذ الفارق بين (الدولة) و(الجبهة) يضيف خالقا ما يمكن وصفه بالانقلاب الزاحف على البشير وانقلابه العسكري والى جانب تواري صورة البشير امام الزخم السياسي والدعائي الذي احاط بالدكتور الترابي فقد ادت اوضاع التمرد في جنوب السودان وتراجع الجيش السوداني امام تحركات قوات قرنق الى توفير الذريعة لانشاء (جيش شعبي) مواز لجيش الحكومة وبالقطع كان الجيش الجديد, بكوادره واسلحته تحت سيطرة الترابي ويمكن تلخيص ملامح الصورة الداخلية في السودان عشية انقلاب القصر في وجود رئيس للحكومة على عداء مع اغلب التيارات السياسية في البلاد وفي عزلة عن فعاليات الحزب المهيمن على مقدرات السودان بل وعن الاتصال برجل الشارع الذي اخذ احساسه يقوى بان الحاكم الفعلي هو الدكتور الترابي بما حوله من هالة اعلامية وبريق شخصي لاينكر واذا كان البشير يتكىء في مقعد حكمه على تمثيله للمؤسسة العسكرية السودانية فان للجبهة ايضا جيشها المسلح داخل العاصمة الخرطوم ولاشك في ان هذه الصورة قد اغرت الدكتور الترابي رئيس البرلمان بان يسارع الى انهاء الازدواجية الهشة بين ظل الحكومة العسكرية وحكومة الجبهة القومية لاسيما وقد اظهرته علاقاته الاقليمية وكذلك تصريحاته النارية في مواجهة خصوم السودان في صورة رجل الدولة القوي القادر على فرض سطوة الحكم. وقد اتخذت خطوة الترابي منحى (انقلاب القصر) ايضا حيث سعى عبر هيمنته على البرلمان الى تعديل بعض مواد الدستور السوداني للحد من صلاحيات رئيس الجمهورية بصورة تجعل من نظام الحكم في السودان نسخة قريبة الشبه بنظام الحكم البرلماني حيث الصلاحيات الاكبر والاهم في ايدي حكومة الجمعية الوطنية على حد تعبير المصطلح الفرنسي. ومن جهته فقد اراد الفريق البشير ان يقطع الطريق على مساعي البرلمان وذلك باعادة صياغة المعادلة الداخلية, واذا كان من الصعوبة بمكان ان نتحدث عن تحركاته في اوساط الجيش السوداني الا ان خطواته للتصالح مع الصادق المهدي زعيم حزب الامة تعد واحدة من مفردات مساعيه لعلاج تردي اوضاعه الداخلية فتحييد عناصر طائفة الانصار او حتى كسب تأييدهم ضد تحركات الترابي كان وراء مثل هذه الخطوة, وساعده في ذلك ان الترابي لم يرحب بهذه المصالحة بل وهاجمها في اطار فهمه لتطورات الصراع الداخلي. وثمة ملاحظة هامة ينبغي الالتفات اليها هنا الا وهي ذلك التلازم في تاريخ السودان الحديث بين الانقلابات العسكرية وفشل حزب الامة في السيطرة على الاوضاع السودانية فبدءا من انقلاب الفريق عبود, وحتى انقلاب البشير (فيما عدا انقلاب هاشم العطا) بدا الامر دوما في صورة فشل لحزب الامة يواكبه تصاعد في نفوذ الحزب الاتحادي الديمقراطي ممثل الطائفة الختمية, وقبل ان يصل الحزب الاخير الى مقاليد الحكم يكون الانقلاب العسكري, بايعاز او مباركة, من عناصر حزب الامة, وقد حدث ذلك ثلاث مرات على الاقل, فانقلاب عبود جاء ليقطع الطريق على حكومة اتحادية يمكن ان توافق على الوحدة بين مصر والسودان, وكان انقلاب نميري استباقا لاحداث نمو القوى السياسية التقدمية على حساب طائفية الانصار واخيرا كان انقلاب البشير بعدما تأزم موقف حكومة الصادق المهدي مع القوى السياسية النشطة في الشارع السوداني. ولامراء في ان الدكتور حسن الترابي كان يدرك بعمق مغزى المصالحة والعفو العام الذي اعلنه عمر البشير عن الصادق المهدي ورجال طائفته, فقد كان ظهور المهدي دوما نذيرا بانقلاب وشيك, ولذا راح الرجل يستحث البرلمان على سرعة اصدار التعديل الدستوري لغل يد رئيس الجمهورية عن اتخاذ قرارات تخل بالتوازن القائم في البلاد ولكن البشير كان اسرع في تحركه مفيدا من قوة الدولة ونجاحه في السيطرة على مقاليد الجيش ناهيك عن استمالته للعديد من عناصر الحكومة المحسوبة تاريخيا على قيادة الجبهة القومية. الدوافع الخارجية ليس بوسع اي مراقب اغفال الدوافع الخارجية التي عجلت بتوقيت انقلاب القصر الذي قام به الفريق البشير فقد ادت سياسات جبهة الترابي الى دفع اطراف المعارضة في الشمال الى احضان قوى التمرد في الجنوب وهو ما ادى الى زيادة الاحساس بعزلة النظام السوداني وزاد في الطنبور نغمة تشجيع الخرطوم لعناصر المعارضة السياسية والمصلحة المتسربلة بالشعار الاسلامي حتى باتت السودان قاعدة لانطلاق تحركات ضد دول الجوار مثل مصر وارتيريا واثيوبيا. واضفى التمرد في الجنوب وما استتبعه من تدخل دول الايجاد واستدعاء للدور الامريكي احساسا متزايدا بعزلة الخرطوم وبأن الاطراف الاقليمية باتت ترى في الاطاحة بحكومة الترابي وتوجهاتها شرطا اساسيا ومسبقا لاي تحرك يستهدف حل مشكلات السودان الداخلية. والى ابعد من ذلك فان المبادرة المصرية ـ الليبية وهي تدخل في سياق محموم مع مبادرة الايجاد المدعومة بتصريحات مستفزة من مادلين اولبرايت قد وجدت نفسها تصطدم برؤى الجبهة القومية التي لم تضع في حسبانها خطورة الوضع الاقليمي وتأثير تفاقمه على وحدة السودان اذا ما فرضت مبادرة الايجاد الرامية لمنح الجنوب حق تقرر المصير. وهكذا راحت القاهرة وطرابلس تضغطان على حكومة البشير, دون ايعاز بحل محدد, لاتخاذ مواقف اكثر حسما لقطع الطريق على مخططات تفتيت السودان ولتفويت الفرصة على تدخل امريكي سافر. ووجد البشير خلال مباحثاته الاخيرة مع دول الايجاد ان جميع الاطراف الاقليمية في المنطقة تحبذ احتفاء الترابي وخطه السياسي من مسرح الاحداث وهو ما اعتبره مساندة اولية لاي خطوة يتخذها ضد حكومة الجبهة حتى ولو كان فيها اعتداء على الدستور والحياة النيابية. واذا كان اجتماع طرابلس بين الرئيسين مبارك والقذافي قد اظهر تأييدا بلا شروط لخطوات البشير فان تصريحات زعماء دول الايجاد وخاصة في كل من نيروبي واسمرة قد ابدت حماسا مشابها. واذا كان انقلاب القصر قد اضحى بالحسابات ضرورة لاصلاح الاوضاع الداخلية ومقدمة لاستعادة السودان لدوره الاقليمي فان جوهر المشكلة السودانية يبقى قائما وبحاجة لجملة من التحركات الجريئة, لتفادى مخاطر انزلاق السودان نحو فوضى قد لاتودى فقط بوحدة السودان بل وربما بعروبته ايضا. فطبيعة نظام الحكم خلال الحقبة المقبلة وعلاقاته باطراف العمل السياسي لم تتضح بعد وهي وحدها التي ستحدد المدى الذي ستذهب اليه المصالحة في الشمال ولاشك ان لذلك صداه المؤثر في معالجة معضلات الجنوب وفي المقابل فان الولايات المتحدة تطمع في ان يؤدي اختفاء الترابي ليس فقط الى تراجع الخطاب الاسلامي الموجه ضد دول الجوار الافريقية بل والى اتفاق اطراف المعارضة على منح الجنوب حق تقرير المصير (على طريقة تيمور الشرقية) وفقا لمبادرة الايجاد. وعلى النقيض من ذلك فان العاصمتين طرابلس والقاهرة بحكم صلاتهما المشتركة مع قوى المعارضة السودانية (في الشمال) ومع الرئيس البشير ترى في انقلاب القصر خطوة اولية لتوحيد جهود السودان من اجل فرض حل لمشكلة الجنوب, لايؤدي في نهاية المطاف الى تفتيت وحدة السودان وفتح الباب على مصراعيه لانفصال اجزاء اخرى منه في الشمال والشرق والغرب. ووسط علامات الاستفهام تبقى حقيقة ان الانفصال قد وقع بين عسكر البشير وجبهة الترابي لان دواعيه الفعليه كانت اكبر من الرغبات المتعارضة للفريقين في السيطرة على مقاليد الحكم.