فتحت قرارات ديسمبر 1999 السودانية الباب امام مرحلة جديدة لم تتشكل سماتها الكاملة بعد, فالقرارات التي اتخذها الرئيس السوداني عمر حسن البشير بحل البرلمان واعلان الطوارىء قد اسفرت عن وصول الصراع في قمة الحكم الى ذروته, وبينما كان الشيخ حسن الترابي يخطط لاصدار قرارات (برلمانية) تستهدف عزل رئيس الجمهورية , اصدر عمر البشير قراراته (الرئاسية) لعزل رئيس البرلمان, مغلقاً الباب على مرحلة طويلة (1992 ـ 1999) من ازدواج السلطة وازدواج القدرات, هي في حقيقتها هيمنة لخط الترابي وبرنامج الجبهة القومية الاسلامية. ذلك انه منذ انقلاب 1989 الذي اتى بالبشير الى قمة السلطة السودانية, لم يكن الترابي بعيدا عن الحكم, لكنه ترك ـ مرحليا ـ مساحة لحركة الرئيس الذي كان يحكم عن طريق مجلس عسكري لم يتم حله الا في عام ,1993 وبرلمان معين بقرارات من البشير استمر حتى عام ,1996 لكن الخلافات بين الترابي والبشير كانت قد بدأت منذ عام 1992 ـ وفقا لتصريحات البشير مؤخرا ـ وظل الخلاف كامنا, لكنه اتخذ (تاكتيك) هيمنة الترابي من خلف الستار في المرحلة الاولى التي انتهت في عام ,1996 عام رئاسة حسن الترابي للبرلمان السوداني, وهو العام الذي بدأ معه (تاكتيك المناطحة) بين رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية, وهي مرحلة ازدواج القرارات التي تخطى فيها الترابي وضعه كرئيس للسلطة التشريعية متخذا قرارات واجراءات تنفيذية, تخطت حدود السودان الى دول الجوار, حتى وصلت علاقات السودان بجيرانها الى اسوأ الاوضاع, ووصلت التوترات الداخلية الى مداها, وتكتلت المعارضة السودانية في الداخل والخارج, في الشمال والجنوب, واصبح السودان مهددا من الخارج والداخل, ووحدته الوطنية مهددة بالانقسام, وترابه الوطني مهددا بالانتهاك الخارجي والانفصال في الداخل. لكن (تاكتيك المناطحة) قد اسفر عن رغبة ترابية في اعلان نفسه الحاكم الاوحد للسودان, فانطلق في عام 1999 يخطط لعزل البشير متمسحا في اساليب الحكم البرلمانية الديمقراطية التي تتخذ طابعا وقاعدة دستورية وشعبية في الديمقراطيات العريقة مثل (الهند) , ولم يكن الامر في مخطط الشيخ حسن الترابي الذي يشهد فكره السياسي انتقالات سريعة الى جو القفزات اكثر من (تاكتيك) الغاية تبرر الوسيلة, ولم تكن الغاية هنا سوى الانتقال من الحكم من وراء ستار الى الحكم منفردا عن طريق عزل رئيس الجمهورية بتقليص سلطاته الدستورية. وقد افسد الرئيس عمر البشير بقرارات 12 ديسمبر ذلك المخطط الترابي فاتحاً الباب امام مرحلة جديدة من مراحل حكم السودان, فهل تشهد المرحلة الجديدة تغييرات شاملة, ام تقف عند حدود تغيير بعض الوجوه وتغيير بعض الاقنعة؟؟ اندلاع الصراع لا يمكن مناقشة قرارات عمر البشير في 12 ديسمبر 1999 بعيدا عن احتمال اندلاع صراعات داخلية في السودان, بغض النظر عن اشكال الصراع وصور مقاومة قرارات البشير, فالقرارات في استراتيجيتها المباشرة تؤدي الى عزل الشيخ حسن الترابي من موقعه الذي صنعه لنفسه كحاكم نافذ المفعول في السودان, وليس مجرد عزله من رئاسة البرلمان, وللترابي جبهته القومية الاسلامية, وللترابي رجاله واعوانه المزروعون في المواقع الامنية والتنفيذية والسياسية وعلى رأسها مجلس الوزراء والجيش والبرلمان والحزب الحاكم ـ حزب المؤتمر الوطني الذي يتقلد الترابي نفسه موقع امينه العام. وبرتبط احتمال اندلاع الصراع بحقائق علاقات القوى في المواقع المختلفة, وقدرة الاطراف على الافعال وردود الافعال, بما في ذلك تحركات جس النبض واستعراض القوة, ولعل تصريح الشيخ الترابي الذي قال فيه انه ليس من المحتمل ان تتطور الامور الى نزاع تستخدم فيه القوة لا يبتعد في مغزاه وفحواه عن احتمال استخدام القوة, او على الاقل التلويح باستخدامها. ولا يمكن ان يكون بعيدا عن تحركات جس النبض واستعراض القوة تقدم عدد من الوزراء باستقالتهم, وخاصة محمد الامين خليفة وزير شئون مجلس الوزراء, الذي كان احد اعضاء مجلس القيادة العسكرية الذي قام عام 1989 بانقلاب (الانقاذ) واتى بالبشير الى السلطة, كما كان الامين خليفة رئيسا للبرلمان الانتقالي المعين من قبل البشير فضلا عن كونه احد رجال الترابي في مجلس الوزراء. ويدعم من احتمالات اندلاع الصراع حين الاتجاه نحو اجراء تغييرات شاملة, ما اثاره عدد من قيادات الحزب الحاكم استناداً الى ان البشير لم يقم باستشارتهم قبل اتخاذ قراراته وخرج بذلك على الحزب, فضلا عن ان حل البرلمان ليس موجها ضد الترابي وحده, بل الى النخبة البرلمانية ذات التركيبة الاسلامية وذات الهوى الترابي, اي موجهة بشكل او بآخر ضد رجال الترابي في المواقع الامنية والمدنية والسياسية, هؤلاء الذين وصفهم البشير (بالجراثيم) التي انتشرت وافسدت عن طريق الممارسات المرفوضة. احتمالات المصالحة ومع احتمالات اندلاع الصراع كنتيجة لتداعيات قرارات البشير في 12 ديسمبر 1999 مباشرة, أو كنتيجة لاتساعها واتخاذها خط التغيير الشامل, لا يمكن استبعاد احتمال المصالحة. فهذا الاحتمال قائم على حقائق توزيع مراكز القوة الراهنة في السودان, ولذلك قد يأخذ احتمال المصالحة مداه خوفا من اندلاع الصراع الذي قد يحسم لغير صالح البشير, كما قد يظهر هذا الاحتمال ايضا كنتيجة للمدى الذي لا يريد البشير تجاوزه, والحدود التي قد يكون وضعها لنفسه حين اتخذ قرارات ديسمبر (التصحيحية) , أي حدود عودة التوازن بين مؤسسة الرئاسة وبقية المؤسسات وعلى رأسها كل من الحزب والبرلمان. وفي هذا السياق اكد البشير في تصريحاته على انتمائه للحركة الاسلامية السودانية, موحيا بذلك ان الصراع قائم من داخل الحركة وليس ضدها, وان قراراته لتصحيح اوضاع اختلال صنعها وتسبب فيها الترابي, وردا على قرارات اتخذها الترابي دون مشاورته واخذ رأيه. وتدعيما لاحتمالات المصالحة انتدبت هيئة قيادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان لجنة من سبعة اعضاء للقاء البشير, ونقل عن السبعة انهم حصلوا على تفويض من هيئة القيادة التي يرأسها الترابي للعمل على نزع فتيل الأزمة, وصنع التصعيد الكلامي والفعلي,ومعالجة الخلافات في هدوء, وضمان وحدة الحركة الاسلامية وعدم شقها. وفي المقابل شدد البشير على عدم السماح له (أي الترابي) بهدم بناء الحركة الاسلامية, ووافق على الاهداف التي يحملها الاعضاء السبعة, وطلب انضمام سبعة آخرين يختارهم هو الى اللجنة لوضع صيغة للتسوية. ويعتقد ان امام لجنة الـ 14 عدة خيارات على رأسها اجراء مصالحة بين البشير والترابي, او اقامة تحالف جديد متوازن للحكم قد يدخل فيه طرف ثالث, او قيام حزبين جديدين يقام بينهما تحالف جديد, او السعي الى تذليل المصاعب امام عودة المتصارعين الى حزب المؤتمر الوطني, ومن الخيارات المطروحة ايضا تحقيق تسوية تلغي حالة الطوارىء وتبقى على حل البرلمان. وفي سياق المصالحة عقدت مجموعة من شيوخ الجبهة القومية الاسلامية مؤتمرا صحفيا تحدث فيه رئيس هيئة الشورى الدكتور عبدالرحيم علي والوزير السابق السفير لدى واشنطن مهدي ابراهيم والشيخ محمد محمد صادق الكاروري, واكدوا على ان لقاءاتهم مع كل من البشير والترابي اكدت امكانية التوصل الى حل, وطالبوا الاعلام السوداني الذي نشر الاتهامات المتبادلة بالانضباط وتحمل المسئولية ازاء ازمة تهم الوطن, ورأوا ان النفوس تهدأ وتتجاوب مع الحل السياسي. احتمالات التغيير الشامل وعلى الرغم من قوة احتمال المصالحة كحل وسط يرتبط بحدود الصراع الراهن في السودان, فإن احتمالات اتخاذا صراع البشير / الترابي لأبعاد اكثر اتساعا لها ايضا ما يبررها. فمن الممكن جدا ان يفشل احتمال المصالحة تحت ضغط تردي الاوضاع الاقتصادية والسياسية في السودان, وتردي العلاقات مع الجيران, وتعيش قيادات الجبهة الاسلامية على أزمة صنعتها خطتهم السياسية, ومن الممكن ان ينفجر الصراع تحت وهم امتلاك الترابي لمقومات القوة في البنية السودانية المختلة سياسيا, والسعي للهيمنة على الرئاسة مباشرة بعد فشله في استمرار الهيمنة عبر البرلمان. ومن الممكن ايضا ان يوسع البشير من ابعاد واهداف قرارات 12 ديسمبر, بعد ان تلقى الدعم المعنوي من مصر وليبيا, وقيادات عربية واقليمية, وبعد نجاحه في تحسين علاقات السودان مع الجيران, ونجاحه في شق الجبهة القومية الاسلامية وتلقي التأييد من اطراف رأت ان صراع القيادات لا ينبغي ان يؤثر في القواعد. لكن تظل امكانية تحويل قرارات البشير في ديسمبر 1999 من حدود الصراع الرئاسي بين البشير والترابي الى حدود انقلاب شامل مشروط باجراءات ومسارات عمل من اهمها: 1) قدرة البشير على الخروج من عباءة ـ قيود ـ البرنامج السياسي للجبهة القومية الاسلامية, اي برنامج الترابي, وفي القلب من هذه القدرة الكف عن التلاعب السياسي بالشريعة الاسلامية, واستيعاب حقائق الوضع السوداني في الشمال والجنوب. 2) قدرة البشير على تحجيم وعزل القيادات ترابية الفكر والهوى, تلك المنتشرة في مسام المجتمع السوداني بعد تفريغه من قيادات واعضاء القوى السياسية والفكرية السودانية المتكتلة منذ انقلاب الانقاذ في 1989 وبصفة خاصة منذ هيمنة جبهة الترابي في صورة جبهة معارضة سياسية, شمالية وجنوبية يضمها التجمع الديمقراطي السوداني. 3) قدرة البشير في الانفتاح على المعارضة السودانية, بهدف صياغة تحالف سياسي جديد مفتوح على المعارضة كمقدمة لحل الازمة السياسية الراهنة, ومقدمة لمصالحة سودانية شاملة تكون قادرة على تأكيد المصالح القومية للسودان بشماله وجنوبه, وقادرة على اعادة دمج السودان في محيطه العربي وفي عمقه الافريقي. 4) قدرة المعارضة السودانية في الداخل والخارج على القراءة الصحيحة للخطة السياسية الراهنة, للحيلولة دون افلات امكانية مطروح للتغيير الديمقراطي, دون امكانيات حدوث انشقاقات في جبهة المعارضة, وبروز تحالفات انفرادية لا تغير من الامر شيئاً. * * * ويبقى ان كل احتمال من الاحتمالات الثلاث له ما يبرره في الساحة السودانية, فالمصالحة ممكنة ليبقى الوضع كما هو عليه مع تعديلات وتغييرات شكلية, واندلاع الصراع وارد بما يعمق من أزمات السودان الشاملة ويهدد وحدته الوطنية, واحتمالات التغيير عبر تحالف سياسي يتسع للمعارضة الوطنية بفصائلها المتعددة واردة ايضا وممكنة لو توفرت الارادة السياسية. ولذلك يظل السؤال قاما هل تؤدي قرارات ديسمبر 1999 في السودان الى تغيير شامل, ام الى مجرد تغيير في الوجوه والاقنعة؟؟ * كاتب مصري