يبدو ان السياسة كممارسة تخلو مما يسمى بالدروس المستفادة والا لكان الرجل الذي ضرب به المثل طويلا في الدهاء والذكاء وفنون المناورة الشيخ حسن الترابي قد فلت من المصير الذي اوقعه فيه الجنرال سابقا والفريق اول حاليا عمر البشير.ويبدو ـ في السياسة ايضا ـ ان الصراع بين المثقف والعسكري, او بين المؤسسة العسكرية والحزب صاحب الايديولوجيا محسوم سلفا لصالح ذوي الاحذية الثقيلة.. هكذا علمتنا تجارب التاريخ الحديث خاصة في منطقتنا العربية التي ادمنت الانقلابات العسكرية سواء كانت هذه الانقلابات سافرة عبر الدبابات ومحاصرة مقر التلفزيون او متخفية كما يحدث في انقلابات القصر او (بين ـ بين) بالاكتفاء فقط باعلان حالة الطوارئ كما حدث في السودان يوم الثاني عشر من ديسمبر الجاري ـ الرابع من رمضان. في صباح هذا اليوم كان الترابي هو الشخصية الاولى والأكثر سطوة في سماء الحياة السياسية السودانية, اما البشير الذي يحمل لقب الرئيس فلم يكن له حول ولا قوة (حسب اعترافاته المباشرة) . عندما انتصف الليل بتوقيت السودان, كانت الاحوال قد انقلبت رأسا على عقب باعلان الرئيس البشير حالة الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر وحل المؤتمر الوطني الحاكم (البرلمان) وتعليق سلطات الولاة. والعلاقة بين البشير والترابي تحمل العديد من الدلالات التي ترشحها لتكون درسا مستفادا لمن يريد في المستقبل ان يتأكد ان السياسة لا تعرف ما يسمى بالصداقة, وان اصحاب العقيدة الواحدة بل المذهب الواحد او الاخوة والاباء والابناء, قد يرفعون السلاح في وجه بعضهم اذا تعلق الامر بالسلطة والنفوذ, وان تلاميذ الامس قد يخونون معلمهم اذا شعروا ان الريح تهب في اتجاه اخر. هذه العلاقة بين الطرفين تحمل في ثناياها كل عناصر التشويق والاثارة, فهي تحتوي على الدراما والميلودراما والكوميديا الصارخة, والسوداء. بل وتحمل جانبا من العبث ايضا.. ينطبق عليها لفظ المأساة كما تتحمل وصف الملهاة.. واذا كان البعض يعتقد ان لحظة الذروة كانت ليلة الخامس من رمضان باعلان حالة الطوارئ, فان بعض خبراء السياسة والمسرح ايضا يقولون ان عناصر الرواية تؤهلها لتكون مفتوحة النهايات, بمعنى ان ما حدث قد لا يكون هو لحظة اسدال الستار. وطوال السنوات العشر الماضية, ومنذ انقلاب 29 يونيو 1989 الذي نفذه البشير بتخطيط من الترابي كان يصعب تماما الحديث عن ايهما بدون الحديث عن الاخر. الاثنان ارتبطا بعلاقة اقرب الى الزواج الكاثوليكي, وكانا اشبه بالعقل والعضلات, ولم يستطع احدهما الاستغناء عن الاخر سواء لاقتناع او لمصلحة حتى دقت ساعة الحقيقة, واختار البشير في لحظة حاسمة ان يعيد الترابي الى صومعته وعزلته التي ادمنها منذ منتصف الستينيات حتى قبيل انقلاب 1989. واذا سار السيناريو الذي يتمناه البشير ويفضله, فالترابي سيعود لحياته الاولى وطبيعته التي اثرت في شخصيته, ولعل الوصف الاقرب الى الحقيقة هو ما قاله الرئيس الاسبق جعفر نميري في حق الترابي حينما وصفه بأنه (صموت وانعزالي وليس لديه اصدقاء كثيرون, لا يحب النشاطات الجسمانية) هذه الاوصاف تبدو اقرب الى الحقيقة اذا تذكرنا ان الاثنين النميري والترابي كانا زميلي دراسة وجمعتهما المعيشة في مدرسة داخلية معا وذلك في نهاية الاربعينيات مضيفا ان الترابي لم يكن يميزه حينذاك سوى (العزلة والولع الشديد بالقراءة) . الترابي الان يقترب من نهاية العقد السابع من العمر ولد في ولاية نهر النيل والتحق بالجامعة اوائل الخمسينيات عندما كانت حركة الاخوان المسلمين في اوج تألقها في المنطقة العربية قبيل اصطدامها مباشرة مع الزعيم الرحل جمال عبدالناصر.. اندمج الطالب حسن عبدالله الترابي في صفوف الاخوان وبدأ احتكاكه بعالم السياسة, ورغم ان اسرته تنتمي تقليديا الى طائفة الختمية فان انتماءه للاخوان حرره من اسر الوقوع بين فكي المهدية والختمية الذي شكل ولايزال غالبية رؤى السودانيين السياسية والاجتماعية. عندما تخرج الترابي من كلية القانون قبل ان يصير معيدا ثم عميدا للكلية كان قد تشبع بكراهية لا حد لها للشيوعية والشيوعيين وشارك بجهد لا بأس به في اطار (الاخوان المسلمين) في التمهيد لثورة اكتوبر عام 1964 التي اطاحت بالفريق ابراهيم عبود.. ورغم ان الشيوعيين هم الذين لعبوا الدور الاكبر في انجاز هذه الثورة فان الترابي نجح في دخول البرلمان على قائمة (جبهة الميثاق الاسلامي) وهي الانتخابات التي حصد الشيوعيون ايضا غالبية مقاعدها.. وهنا جاء دوره مرة اخرى على رأس جبهة الميثاق في تحجيم دور الشيوعيين بمشاركة مع الاتحاديين بزعامة اسماعيل الازهري والانصار بزعامة الصادق المهدي ورئيس الحكومة محمد احمد المحجوب. يقول بعض المراقبين للشأن السوداني ان التخطيط لانقلاب 1989 بدأه الترابي فعلا منذ منتصف الستينيات. وذلك حينما خطط بهدوء مستفيدا من عداوة الختمية والانصار معا للشيوعيين, ثم بعد ذلك مستغلا الصدام الدموي بين نظام جعفر نميري والحزب الشيوعي السوداني في يوليو 1971ـ الذي كان الاكبر من نوعه عربيا وافريقيا ـ عام 1971.. بعد هذا الصدام الذي تم فيه سحق الشيوعيين, وعلى غرار ما فعله السادات مع اليساريين والناصريين بعد وفاة عبدالناصر تكرر نفس السيناريو تقريبا في السودان.. فالنميري كان هاجسه بل كابوسه الدائم هو الشيوعيين, ولذلك احتاج الى قوة منظمة لانهاك اليسار خاصة في الاوساط الطلابية فلم يجد بديلا افضل من الاسلاميين, خاصة انهم لم يكونوا في ذلك الوقت يمثلون خطرا آنيا على نظامه بالمقارنة مع الانصار والختمية. وفي كل معارك النميري مع خصومه كان الترابي الذي استقل بحركته بعيدا الى حد ما عن الاخوان هو الرابح الاكبر في هذه المواجهات سواء كانت تلك التي تمت في عام 1973 وسميت بأحداث جزيرة آبا حينما قصفت طائرات النميري مواقع الانصار, او في المواجهات التي تكررت بين الطرفين نفسهما عام 1976 واطلق عليها النميري (محاولات انقلاب المرتزقة) . مرت الايام ومحاولة الترابي الدائمة لا تتوقف وهي محاولة تطبيق ما يراه نموذجه الخاص اسلاميا على ارض الواقع.. وشعر ان الفرصة تقترب في نهايات نظام نميري عندما كان هذا النظام اخذا في الافلاس داخليا وخارجيا بعد فضيحة تهريب الفلاشا الاثيوبيين الى اسرائيل عبر السودان.. لم يجد النميري بديلا سوى اللجوء الى ما أسماه تطبيق الشريعة الاسلامية عبر منظر مسرحي هزلي بسكب زجاجات الخمور في مياه النيل مما جعل البعض يسخر من قراراته بالقول (ان اسماك النيل قد سكرت وانسطلت الى اقصى درجة ممكنة) !! الوحيد الذي لم يسخر من تمثيليات النميري كان الترابي حيث وجدها فرصة لمحاولة تجريب افكاره في ارض النميري القاحلة. لكن قوى الانتفاضة الشعبية كانت اسبق من افكار ومحاولات الترابي وهكذا جاءت ثورة 6 ابريل 1985 التي قادها الفريق عبدالرحمن سوار الذهب واطاحت بالنميري عندما كان في زيارة للولايات المتحدة فعاد الى القاهرة وظل منفيا فيها حتى عاد للسودان قبل شهور. انتفاضة ابريل 1985 كانت ربما الاكثر بياضا وكانت مؤهلة لاحداث تغيير حقيقي في مسيرة العمل السياسي السوداني.. فهذه الثورة لم تكن انقلابا عسكريا بالمعنى المعروف, فقد شاركت فيها كافة القوى السياسية الحية خاصة ما سمي بالقوى الحديثة من نقابات مهنية وعمال وطلاب واحزاب غير تقليدية مثل الناصريين مقابل مشاركة ضعيفة الى حد ما من القوتين الرئيسيتين الانصار والختمية, ثم ان قائدها سوار الذهب ابدى نفورا غير معهود في السلطة ومباهجها معلنا استعداده لتسليم السلطة الى حكومة منتخبة. لكن المشكلة ان الواقع الاجتماعي خاصة في عالمنا الثالث شديد التخلف يصعب تغييره بقرارات حتى لو كانت ثورية وموقعة من قبل اكبر رأس في النظام.. وهكذا فان مماحكات القوى السياسية جاءت بنفس الاحزاب التقليدية مرة اخرى للسلطة وصدقت مقولة نميري التي قال فيها ان المواطنين البسطاء اثناء الحرب العالمية الثانية كانوا واثقين ان طائرات المحور لن تصيبهم بمكروه طالما ان بينهم السيدين: المهدي والميرغني.. وهكذا اصبح الصادق المهدي رئيسا للوزراء وتم تهميش القوى الصاعدة, واشتدت ازمة الجنوب بفعل التمرد الذي كان جون قرنق قد بدأه عام 1983 بعد قرار النميري بتقسيم الجنوب الى اربعة اقاليم ادارية. والاخطر ان القاهرة الحليف التقليدي لنميري وللاتحاديين قد دخلت في صراع مكشوف مع المهدي بفعل ثأرات تاريخية بين مصر وعائلة المهدي تعود لايام التواجد المصري في السودان منذ عام 1899 حتى خروجه في الاول من يناير 1956 بعد قرار عبدالناصر الجرئ بتخيير السودانيين بين الانضمام لمصر او الاستقلال. والمعروف لدى كثيرين لكنه غير مؤكد ان انقلابا كان يجري الاعداد له للاطاحة بحكومة المهدي تدعمه القاهرة.. علم الترابي بذلك واستمر في الاعداد لانقلابه الخاص وعندما تم الامر في اواخر يونيو 1989 تم ايهام المصريين في البداية بأن ما حدث هو ما كان يجري التخطيط له.. وهكذا تحركت القاهرة بقوة للحصول على الاعتراف العربي والدولي بالنظام الجديد.. ثم اكتشفت الخديعة التي تعرضت لها.. وهنا يقول البعض ان ذلك هو سر العداء الدفين بين الحكومة المصرية وشخص الترابي. هذا الرجل الحاصل على الدكتوراه ايضا في القانون من جامعة السوربون الفرنسية.. لا يمكن لك الا ان تحترم علمه وخبرته حتى لو كنت تصطدم معه سياسيا الى اخر مدى.. حدث لي ذلك شخصيا قبل حوالي 4 سنوات حينما زرت السودان في اطار وفد صحفي وسياسي مصري كان يحاول احتواء الخلاف بين الحكومتين. قابلت الترابي ثلاث مرات احداها كانت في منزله بالمنشية. الاثاث بسيط, والرجل متحدث لبق, وواثق من نفسه, لكن ما حيرني في شخصيته ولم اجد تفسيرا له حتى الآن هو ابتسامته التي يستخدمها في غير موضعها كثيرا.. حسبت ذلك في البداية برودا وسخرية من منتقديه, لكن عندما رأيت نفس الابتسامة عقب الاطاحة به منذ ايام وصلت الى شبه اقتناع ان في الامر شيئا اخر! وفي كل الاوقات ظل هدف الترابي الرئيسي هو انجاز مشروعه الاسلامي الاممي.. وهكذا تحولت الخرطوم خلال هذه الحقبة الى ملتقى لكل قادة الجماعات الاسلامية خاصة الخارجين على حكوماتهم والنتيجة تدهور حاد في علاقات السودان مع كل الدول العربية تقريبا ودول الجوار ناهيك عن الغرب والولايات المتحدة. البشير وخلافا للترابي شخص اخر, والفرق بينهما هو بالضبط الفرق بين مثقف وعسكري.. هذا الجنرال اتيح لي ايضا لقاءه ومحاورته سواء في قصره المطل على النيل او في مدينة الدويم وكانت ذلك بمناسبة افتتاح مشروع زراعي لابناء المهندس ابراهيم شكري رئيس حزب العمل المصري المعارض في اطار التكامل بين البلدين. وقتها اكلنا سويا وخطب في الجموع المحتشدة التي هتفت لمصر والسودان ملوحا بعصاه في الهواء, بل وشارك الجماهير في الرقص الشعبي.. واتذكر انني خرجت بانطباع اساسي وقتها ان نظرته لمصر هي مثل غالبية السودانيين, ايمان بالمصير المشترك والتكامل, هذه النظرة لم اشعرها مطلقا في المقابل عند الترابي.. وقتها ايضا فوجئت للمرة الاولى والاخيرة بحاكم عربي يقود سيارته في الشارع صباحا بدون حراسة.. لم اعرف انه البشير لولا ان احد المرافقين السودانيين نبهني لذلك.. في مساء نفس اليوم ذهبنا لاداء واجب العزاء في استشهاد احد قيادات الجبهة ويدعى محمود شريف في الجنوب, وكان ذلك في الساحة الخضراء بالخرطوم وعندما التفت يمينا كان الرئيس نفسه ومعه نائبه المرحوم الزبير محمد صالح. البساطة والتلقائية والابتسام الدائم صفات ليست موجودة فقط عند البشير ولكنها تقريبا موجودة لدى 34.5 مليون سوداني يدمنون السياسة والثقافة وهما سمتان نادرتان الى حد ما في غالبية الشعوب العربية. استمرت رحلة البشير والترابي معا, الاول يقود الحكومة تنفيذيا والجيش فعليا والثاني يمارس عمله من وراء الستار حتى اصبح البشير رئيسا عام 1996 واختير ايضا مرشح المؤتمر الوطني لانتخابات عام 2001 اما الترابي فقد صعد من خلف الكواليس ليقود الحزب الحاكم.. تقارير كثيرة تحدثت عن الصراع بين الطرفين بمصطلحات متعددة من قبيل: (صراع الرأسين, وحرب القصر والبرلمان, وصراع الجنرال والفقيه, بل ان كل الدول المجاورة والتي تحولت الى حالة شديدة من العداء للنظام السوداني كثيرا ما تهكمت على البشير بالقول: انه ألعوبة في يد الترابي, لكن كثيرا من المراقبين وقتها كانوا يعتقدون ان الامر مجرد حرب اعلامية ومبالغات.. المفاجأة ان الواقع كان كذلك بالفعل حسب رواية البشير نفسه الذي قال انه لم يكن يمارس صلاحياته وان التربي فكر قبل ايام من الاحداث الاخيرة في محاسبته على بعض التقصير! وانه لم يكن يستطيع توفير اموال لبعض المعلمين بسبب تعنت الحزب الحاكم. الترابي من جهته قبل ذلك كان ينفي دائما وجود خلافات خاصة بعد ازمة (مذكرة العشرة) في ديسمبر 1998 حينما انحاز عشرة من القيادات الاسلامية الى البشير في صراع خفي مع الترابي.. لكن الاخير وبعد مناورات ذكية عاد الى رئاسة البرلمان مرة اخرى وبالاجماع موجها لطمة قوية لمنافسيه, وفي 20 يوليو الماضي وصف الترابي علاقته بالبشير بأنه (سمن على عسل) وان كل ما يقال هو اوهام دول معادية. ولانه يبدو ان السياسة تبرر لهذا الزعيم الايديولوجي الذي يحاول تطبيق النموذج الاسلامي ـ الكذب ـ فقد اضطر لوصف حقيقة العلاقة كما هي عقب الاحداث الاخيرة بقوله (ان البشير خائن للعهد وانقلابي وسلطوي وانا الذي احضرته للرئاسة.. الخ) . تلك هي تقريبا ملامح شخصية الرجلين اللذين صنعا مسيرة السودان في عشر سنوات.. لكن ماذا عن المستقبل في ضوء تركيبة هذين الغريمين؟ الترابي من جهته وطبقا لشخصيته, يبدو انه لن يرضى بسهولة ان يرى حلمه الذي ظل يبنيه (طوبة طوبة) وهو يتبخر في الهواء.. تصريحاته شبه متناقضة في الايام الاخيرة.. يتحدث عن الحل الدستوري وانتظار نتائج لجنة الوساطة ثم مرة اخرى يهدد بأن كل الخيارات مفتوحة وواردة.. الطعنة الكبرى التي يشعر بألمها ربما ليست انقلاب البشير عليه فحسب, بل خيانة تلاميذه الذين صعدوا بفضله الى قمة الحكم.. والمفارقة هنا غريبة وصارخة فأغلب انصار البشير حاليا, بل يقال انهم المخططين الحقيقيين للسيناريو الاخير هم تلاميذ الترابي وابرزهم نائب الرئيس علي عثمان محمد طه وغازي صلاح الدين العتباني, د. احمد ابراهيم عمر وحامد تورين و نافع علي نافع.. والغريب ايضا ان هؤلاء هم الذين كان يتم وصفهم دائما بالمتشددين في الجبهة الاسلامية! البشير ذات الـ 56 عاما وخريج الكلية الحربية يبدو انه حسم امره باتجاه الطلاق النهائي مع الترابي شخصيا وليس بالضرورة مع الحزب الحاكم واغلب الظن انه سيعمل في اتجاه تعميق الانقسام داخل جبهة الترابي سواء بالترهيب او الترغيب.. ثم انه اي البشير قد اصبح يحظى برضا عربي واقليمي وشبه دولي.. وتحولت القاهرة مرة اخرى الى الراعي الرسمي للنظام, ولذلك فان احتمالات عودة البشير الى الترابي لم تعد في يد الاول, فالشرط الرئيسي لاعادة تأهيل نظام البشير ـ وهو ما يحدث الآن ـ هو الطلاق البائن مع الترابي مع عودة المعارضة الشمالية خاصة الامة والاتحادي للمشاركة في الحكم عبر صيغة يتفق عليها, قد لا تكون عبر انتخابات نيابية, على ان يعود قرنق وحيدا الى غابات واحراش الجنوب لاستئناف القتال بمفرده.. الواضح الآن ان البشير يعمل لانجاح هذا السيناريو بعد تحييد اوغندا التي اعاد معها البشير العلاقات في هذا الشهر بعد عداء دام منذ عام 1995 وارتيريا بعد المصالحة في الدوحة في 2/5/1995 وقبل ذلك المصالحة مع اثيوبيا التي توترت بفعل محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اديس ابابا عام 1996. والتي تم اتهام النظام السوداني رسميا بالتورط فيها. وحتى خارجيا فالاتحاد الاوروبي بدا يعيد مساعداته للسودان, وامريكا بدأت في مغازلة النظام بعد غزلها الصريح للمعارضة. والمعارضة بدورها الممثلة في (التجمع الوطني الديمقراطي) اثبتت بعد خبرة سنوات في معارضة المنفى انها كيان هلامي, قوتها العسكرية اذا استبعدنا الجيش الشعبي والجنوبي لاشيء, قوتها السياسية اذا خرج منها المهدي كما حدث بعد اتفاقه مع البشير في جيبوتي مؤخرا ثم الميرغني فهي لا شيء ايضا, بضعة شخصيات قد تكون ذات رؤى سياسية لكنها بلا قواعد جماهيرية.. ماذا يبقى اذن؟ الجيش.. هذه المؤسسة المنهكة في حرب دامية في الجنوب منذ عام 1983.. يبدو ان البشير قد اعد اوراقه جيدا بشأنها ومؤخرا اعاد حوالي 300 ضابط الى الخدمة.. لكن المشكلة هنا ايضا, فالجبهة الاسلامية بقيادة الترابي كانت قد افرغت تقريبا هذه المؤسسة من كل ضابط او جندي غير محسوب عليها.. والسؤال الذي لا يملك احد اجابة دقيقة عليه: اين الفرز داخل هذ المؤسسة ولمن الغلبة, وهل هناك ضباط كبار داخل الجيش اقسموا يمين الولاء للترابي وليس للوطن؟.. هناك ايضا قوات الدفاع الشعبي التي شكلتها الانقاذ للقتال في الجنوب ومن بينهم (الدبابين) وغالبية هؤلاء محسوبين على الترابي.. هذه الميليشيات قد يتم جمع اسلحتها, والقاعدة الجماهيرية التي يراهن عليها الترابي قد تستوعب سياسيا او حتى تقمع عسكريا اذا احتدم الامر.. لكن الخطورة او السيناريو الكارثي هو انقسام الجيش.. في وقت لا يخفى فيه قرنق شماتته فيما يحدث خاصة انه تلقى للتو 400 مليون دولار من الخزانة الامريكية لتنفيذ سيناريو التقسيم. ماهي الصورة النهائية؟ لا أحد يعلم ذلك بالدقة, لكن عندما سمعت الترابي يتحدث منذ ايام طالبا مناظرة البشير في أي مكان عام ادركت بوضوح انه انهزم وانه يشعر انه مهزوم بالفعل.. فالذي يطلب المناظرة دائما في عالمنا العربي هو المهزوم, ثم ان البشير لاوقت لديه للمناظرات.. لديه الحكم, ولديه عواصم عربية كانت مغلقة في وجهه لسنوات, والان يتلقى الدعوات لزيارتها وزارها بالفعل واجهزة الاعلام العربية والدولية تتابع تصريحاته وتنشر صوره في صفحاتها الاولى, ثم ان الرجل لم يجرب حتى الآن ان يمارس الحكم كرئيس فعلي فلما لا يجرب ذلك؟ المسألة لم تكن مجرد تعديلات دستورية لا يريدها البشير.. الرجل كان يريد السلطة كاملة. بالطبع هناك سيناريوهات متعددة تبدأ بأن كل ما حدث هو مجرد خدعة لاعادة تأهيل النظام وتفكيك المعارضة ثم يعود الترابي مرة اخرى, وسيناريو اخر يتحدث بنجاح الوساطة المطروحة وثالث يتحدث عن صراع مستمر بوسائل غير عسكرية عبر الطعن الدستوري في قرارات البشير على ان يتم تجميد كل شيء, ورابع يتحدث عن انقسام الجبهة والجيش وصراع مسلح.. لكن المشكلة انه في كل الاحوال وبدون اقتراب من الحل الحقيقي, وهو العودة للديمقراطية عبر انتخابات تشمل كل القوى السياسية واعتراف الجميع بأن السودان وطن لكل مواطنيه, وان هذا البلد الشاسع (2.5 مليون كيلومتر) يتميز بالتنوع البشري والعرقي والثقافي والديني, بدون كل ذلك فإن المواطنين الذين يبلغ معدل الدخل السنوي لكل منهم اقل من (290 دولار) هم الذين سوف يستمرون في دفع ضريبة هذا الخلل المركب الذي اصاب السودان منذ عقود. الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في السودان كارثية وربما كانت الكلمة الاخيرة لا تعبر عن الحال بدقة, التضخم انخفض الى 27% بعد ان كان 133% قبل ثلاث سنوات, نسبة الامية تقترب من 50%, معدل البطالة 30% والصادرات وهي مجرد مواد خام لا تزيد عن 600 مليون دولار مقابل واردات تزيد عن 1.4 مليار دولار, قوة العمل حوالي 11 مليون نسمة, لكن معظمهم يفتقدون المهارات اللازمة ويتركزون اما في الزراعة او الوظائف الحكومية. الوضع الكارثي ايضا قاد الى ان متوسط عمر المواطن السوداني هو 55 عاما للرجال و57 عاما للنساء وارتفع معدل وفيات الاطفال الى 70 حالة لكل الف مواطن اما الصور التي تبثها وكالات الانباء عن المجاعة خاصة في الجنوب فهي اهانة لكل عربي ومسلم قبل ان تكون جريمة يقترفها السياسيون الذين ادمنوا المتاجرة بالشعب السوداني.. ليأخذوه من مجاعة الى تدويل مشكلته والقائها في احضان (ايجاد) التي يبدو انها كانت مصيدة بحيث تنتقل المشكلة من الخرطوم الى واشنطن مباشرة عبر كمبالا او نيروبي لتنفيذ مخطط تقسيم الجنوب. ختاما فان الصورة حتى الآن هي اقرب ما تكون الى تعبير (نصف تمرد ونصف انقلاب) البشير عزل الترابي لكن الرجل طليق وانصار الترابي يتظاهرون في الشوارع ويلمحون الى صراع طويل, اما الرئيس نفسه و رغم حالة الطوارئ فلم ينفذ انقلابا كاملا ولم يستخدم سلاحا, والسؤال عن نهاية الجبهة الاسلامية ينتظر بعض الوقت قبل ان تتحدد اجابة عليه.. الجيران ينتظرون من البشير ان يحسم امره, والمشهد السياسي السوداني لم يعد يتحمل الرجلين معا وكما قال خبير سوداني: فان حالة الطلاق وقعت ولم يبق الا الورقة, واذا كان البشير قد قال غداة نصف انقلابه الابيض حتى الآن (انه كان صعبا وجود قبطانين في مركب واحد) فالسؤال هو, ما مدى قدرته على قيادة المركبة بمفرده! عماد الدين حسين