جاءت التطورات الاخيرة في السودان لتعيد خلط الاوراق السياسية, ولتطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام السوداني, وآفاق المصالحة الوطنية, ومواقف دول الجوار والقوى الدولية الرئيسية.ففي حين وصف البعض اعلان الطوارىء وحل البرلمان وغيرهما من الاجراءات التي اعلنها الرئيس عمر البشير , بمثابة انقلاب حقيقي اطاح بالزعامة السياسية الفعلية للدولة ممثلة في الدكتور حسن الترابي, فقد رأى آخرون ان ما حدث ليس اكثر من صراع داخلي على السلطة والنفوذ, ولا يؤثر بشيء في جوهر التوجهات السياسية والفكرية التي اعتمدها النظام منذ الانقلاب العسكري الذي اوصل البشير الى السلطة عام 1989. غير ان فريقا آخر يرى ان ما حصل كان ضروريا ولازما لوضع الامور في نصابها الصحيح, فقد وصل الحال الى ان الدولة اصبحت تسير برأسين, وغالبا في اتجاهين مختلفين, مما احدث غموضا في سياسة البلاد, واضطرابا في علاقاتها الداخلية والخارجية على حد سواء. وربما يفسر القبول الذي لقيته الاجراءات الاخيرة في الشارع السوداني ولدى دول الجوار, مدى الضجر والرفض لهذا الوضع غير الطبيعي الذي اوقع البلاد في مطبات كثيرة كان يمكن تجنبها او تخفيف آثارها السلبية على الاقل. لكن, اذا كان التغيير الاخير قد اعاد ترتيب بيت الحكم والسلطة داخليا, ولو الى حين, فما هي انعكاسات ذلك على السلم الداخلي, وعلى المصالحة الوطنية التي خطت بعض الخطوات البطيئة لكنها تبدو خطوات ثابتة وفي الاتجاه الصحيح حتى الآن؟ ثم ماذا عن علاقات السودان الخارجية عربيا وافريقيا واسلاميا, وكذلك مع القوى الدولية الكبرى, كالاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. وهل يمكن ان يتقبل الترابي الاقصاء والهزيمة بسهولة, ام ان ظهيره الجماهيري يعطيه امكانية المواجهة وربما الرد بقوة اكبر؟ هذه التساؤلات وغيرها حول الشأن السوداني والتطورات التي حصلت مؤخرا, لا يزال من السابق لاوانه وضع اجابات جازمة ودقيقة لها. غير ان ذلك لا يمنع تتبع جذورها, وتحليل ابعادها المختلفة وانعكاساتها المحتملة, مع ما يستدعيه ذلك من تناول لمواقف القوى والاطراف الفاعلة في الشأن السوداني, من احزاب وجبهات داخلية وقوى معارضة خارجية وجهات اقليمية ودولية متعددة. وهذا ما يسعى (الملف السياسي) في هذا العدد الى تقديمه للقارىء, لالقاء المزيد من الضوء على هذا المنعطف الذي يشهده السودان الشقيق, والآثار التي قد تنشأ عنه, عسى ان تكون هذه التطورات بداية فعلية لخروج السودان, بلدا وشعبا, من نفق حلقة الصراعات المفرغة التي مازال يدور فيها منذ سنوات عديدة.