بعد 30 عاما من العنف الطائفي في ايرلندا الشمالية, فتحت هذه المقاطعة البريطانية مؤخرا صفحة جديدة في تاريخها الحافل بالاضطرابات بتشكيل حكومة تضم الطائفتين وتتألف من اعداد متساوية من البروتستانت والكاثوليك. لقد بدأ مؤيدو خطة السلام التي يطلق عليها اسم (الجمعة العظيمة) ممسكون بزمام الامور في ايرلندا الشمالية مؤخرا , مع قيام الهيئة التشريعية بتعيين مجلس وزراء يتألف من 12 عضوا ويضم رجلا قيل انه مسلح سابق في الجيش الجمهوري الايرلندي وسياسيين اثنين كانا قد استهدفا في السابق من قبل فرق اعدام في الجيش الجمهوري الايرلندي. وستبقى مسألة ما اذا كان هؤلاء الاعداء التقليديين سيكون بمقدورهم العمل سوية امرا لايمكن البت فيه حاليا ولكن بعد عقود قاسية قتل فيها اكثر من 3500 من الرجال والنساء والاطفال في عنف سياسي, كان هناك شعور ملموس باننا على ابواب عهد جديد من التعاون فقبل خمسة اشهر فقط, وعندما اجتمعت الهيئة التشريعية نفسها في محاولتها الاولى لاختيار مجلس الوزراء, انتهت الجلسة بالفشل وسط وابل من الاهانات وصيحات الاستهجان, اما الاجتماع الاخير الذي تم يوم 29 نوفمبر فقد كان معظم الوقت هادئا وجديا. ان عملية اختيار المجلس التنفيذي الاقليمي او مجلس الوزراء يعد احدى الخطوات التي وضعها مهندس عملية السلام, الزعيم السابق للاغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ جورج ميتشيل, وقد كانت مهارة ميتشيل في رسم الخرائط الاقليمية مع تشكيل الحكومة المحلية على ان تليها خطوات نحو نزع سلاح الجيش الجمهوري الايرلندي السبب الرئيسي وراء نجاح الهيئة التشريعية في اجتماعها الاخير. وكانت الجلسة قد عقدت خلف ابواب قلعة ستورمنت وهي القاعة البرلمانية الاقليمية, وعندما تم تكريس مبنى قلعة ستورمنت لهذا الغرض في العام 1934, اعلن حاكم المقاطعة اللوردكريجافون بفخر ان المبنى سيضم (برلمانا) بروتستانتيا لدولة بروتستانتية وقال سيموز مالون, سياسي كاثوليكي بارز ان اعضاء الجمعية العمومية الذين اجتمعوا في ستورمنت يمثلون جميع ابناء المقاطعة بكافة مشاربهم وتوجهاتهم. ويضم مجلس الوزراء الذي اختير مؤخرا والذي تولى مهامه الرسمية قبل اسبوعين ستة اعضاء من البروتستانت وستة من الكاثوليك, وجميع الاعضاء البروتستانت الستة اتحاديون, اي انهم يريدون ان تستمر الوحدة السياسية لايرلندا الشمالية مع بريطانيا اما الاعضاء الكاثوليك, فهم من المعسكرين الجمهوري والقومي, وهؤلاء يريدون الانفصال عن بريطانيا والاندماج مع جمهورية ايرلندا في الجنوب, وهناك عضوتان في المجلس من النساء. واكبر دليل على ان الصرا ع الطويل في شمال ايرلندا قد انتقل من الشارع الى اروقة مجلس الوزراء كان عندما اقدم شين مين, وهو الحزب السياسي المنبثق عن الجيش الجمهوري الايرلندي, على تسمية مرشحه الاول للمجلس وهو مارتن ماك جينيس, وتصف وسائل الاعلام المحلية وسجلات الجيش الجمهوري الايرلندي الرجل بانه قائد سابق لوحدة مقاتلة في الجيش الجمهوري الايرلندي, لكن ماك جينيس نفسه, الذي تم تعيينه وزيرا للتعليم, يرفض الخوض في هذه المسائل. وقد اثار الترشيح موجة من التهامسات في جانب الاتحاديين في الاجتماع, وخرج ثلاثة اعضاء من الاتحاديين احتجاجا على ذلك, الا انه وبعد دقائق, قام اشهر المتشددين في الاحزاب الاتحادية وهو حزب الاتحاديين الديمقراطيين بترشيح اعضائهم في المجلس وهم ينجيل دودز وبيتر روبنسون, وكلاهما تعرضا لمطاردة فاشلة لاغتيالهما من قبل مسلحي الجيش الجمهوري الايرلندي, وقد اشار الاثنان الى انهما سيشاركان في اجتماعات المجلس مع ماك جيتيس والجمهوريين الآخرين. وكانت الهيئة التشريعية الجديدة ومجلس الوزراء قد تم انشاؤهما بموجب اتفاق ابريل من عام 1988 الذي يعرف باسم اتفاق (الجمعة العظيمة) والذي ينص على اقامة حكومة تعتمد على مبدأ مشاركة السلطة وتتطلب ان تتخلى الجماعات شبه العسكرية عن اسلحتها الا انه لم يجر اي من عملية نزع السلاح تلك التي تحدثت عنها الاتفاقية. ويقول اكبر حزب بروتستانتي وهو اتحاديي اولستر انه سينسحب من المجلس اذا لم يبدأ الجيش الجمهوري الايرلندي بنزع اسلحته بحلول فبراير المقبل, وحيث ان المؤسسات الحكومية لايمكنها ان تعمل دون اشتراك طائفتي البروتستانت والكاثوليك, فان انسحاب اتحاديي اولستر (سيؤدي الى تقويض الحكومة) ومع ذلك, فان الخلاف الكبير ليس بين الاتحاديين والوطنيين وانما بين الاحزاب التي تؤيد خطة السلام واحزاب الاقلية (وجميعها اتحادية) التي تعارضها. عن (واشنطن بوست)