لا يستطيع اي باحث استيعاب او دراسة ما آلت اليه حال التعايش السلمي وتجربة الحكم الذاتي في ايرلندا الشمالية من دون العودة الى التاريخ, وجذور الصراع الدامي على مدى ثلاثة قرون ونيف. لقد كانت الاسباب البعيدة التي دقت اسفين الفوضى في كل انحاء اوروبا طيلة عصر النهوض الاوروبي, او ما يمكن ان نطلق عليه الميلاد النهضوي الجديد , كما اتفق المؤرخون على تسميته هو الاحتجاج اللوثري ـ مارتن لوثر ـ او حركة الاصلاح الديني, لذلك ومن اجل توضيح ذلك لابد من لمحة خاطفة وسريعة نتعرف من خلالها بايجاز شديد على اللوثرية ـ البروتستانت ـ وهو الانفصال الحديث عن الكاثوليكية الذي كان اشد خطرا على الكنيسة الام من انفصال الكنيسة الشرقية الارثوذكسية عام 1054 هذا الانفصال كان سببا للحروب التي عمت وانتشرت كالسرطان في خلايا الجسم الاوروبي. ان الحروب الدينية لم تكن في ايرلندا فحسب, بل شملت كل الشعوب الاوروبية الى ان استقرت بفصل الكنيسة عن الدولة, وهو ماعرف بانتصار العلمانية, انما هنا نسأل, ونحن بصدد نهاية هذه الحروب في آخر بقعة دموية باوروبا, هل يستقيم حكم الادارة الذاتية وبقع الدماء مازالت تلطخ كل زاوية في شوارع ايرلندا الشمالية وترابها؟ ايرلندا الشمالية وآخر الحروب. ان الحرب الطويلة بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية قد تكون آخر البقع التي استمرت على هذه الصورة البشعة, اذ ان مثل هذه الحروب الطائفية قد انتهت في جميع بقاع القارة قبل نهاية القرن التاسع عشر عندما تحول النضال الى شكله القومي والوحدات القومية التي تمخضت عنها حربين عالميتين, لكن ايرلندا الشمالية لم تخمد فيها الصراعات المذهبية القاتلة, وكان ولا يزال لانجلترا اثرا بالغا في استمراريتها من حيث ميول طوائف فيها الى الاتحاد والانضمام اليها والانجليز يقاتلون من خلال مصلحتهم وهي تربية جون لوك الاب الروحي للانجليز. مفاوضات السلام قبل منتصف شهر آب من هذا العام كانت الاجواء متوترة وحوادث العنف والقتل والحرق والاعتداءات والنهب, وقدر عدد العبوات التي انفجرت باكثر من 250 عبوة مولوتوف, ولا شك ان هذه الحوادث الدامية اعادت الى ذاكرة اهالي الاقليم شاهد العنف والتخريب والتدمير التي لم تنقطع طيلة ثلاثين عاما ونيف, ان هذه الاحداث سيكون لها اثرا سيئا في مسيرة الحكم الذاتي, وسوف تؤدي بالتالي الى احباط ويأس الحكومتين الايرلندية والانجليزية في مساعيهما من اجل وضع آخر اتفاق قبل عام 1998 موضع التطبيق والعمل على تجاوز الخلافات الصغيرة التي بدأت عند تطبيق الاتفاق المشار اليه. وحصل تفاهم (الجمعة العظيمة) كما اطلق عليه في شهر ابريل 1999 برعاية حكومات الولايات المتحدة وايرلندا وانجلترا, هذا الاتفاق كان من اولى بنوده تشكيل حكومة وزارية من جميع الاطراف المتنازعة تكون قادرة على وضع حد للاقتتال الدموي, والا سيبقى الباب مفتوحا امام عودة العنف وتدمير الجهود من جميع الفرقاء التي بذلت على مدى سنوات من اجل احلال التعايش بين جميع الاطراف على اختلاف مذاهبهم, لكن مما يجدر ذكره والانتباه اليه ان عدم التوصل الى تشكيل وئام وسلام هو بسبب الخلاف بين الاحزاب الممثلة لكل من البروتستانت (حزب اولستر) المؤيد للانضمام الى انجلترا وبين الكاثوليك ويمثلهم حزب (شين فين) وهو الجناح السياسي للجيش الجمهوري والرافض للانضمام الى انجلترا. ان الجيش الجمهوري الذي قاد المعارك ضد البروتستانت والتوحد مع انجلترا, لم يرفض الاتفاق المشار اليه في التوصل الى تشكيل حكومة مستقلة, لكنه يرفض شروط البروتستانت (حزب اولستر) في تسليم سلاحه, وهذا ما رفضه الجناح العسكري في الجيش الجمهوري حتى وان عادت الى السباحة في مستنقع دموي, هذا ايضا اثار خلافات حادة اخرى بين انجلترا وايرلندا اذ ان (توني بلير) رئيس وزراء انجلترا يرفض اشراك حزب (شين فين) باية حكومة مستقبلية في (بلفاست) اذا لم يسلم اسلحته كاملة, في حين يعتقد آخرون ان حزب (شين فين) هو جناح سياسي لاعلاقة له بالجيش الجمهوري, ويدافعون عن هذا الرأى, وهذا ما يؤكده رئيس وزراء ايرلندا (اهيرن بيرتي) بل ان (شين فين) والجيش الجمهوري منظمتان منفصلتان عن بعضهما. في هذه الزوبعة يلاحظ المراقبون ان السلام كأنه على حد السيف لان جميع الاطراف حريصة على تحقيق مكاسب تخصها وحدها , ان نزع اسلحة الجيش الجمهوري احد اهم شروط البروتستانت وهو مكسب اولي كمدخل في تشكيل حكومة محلية تدير شئون البلاد, لذلك كان عدم تسليم الجيش الجمهوري اسلحته سببا هاما في تأجيل وتأخير الاتفاق وتحقيق السلام الى شهر سبتمبر من هذا العام 1999. المفاوضات والتسويات النهائية صحيح ان المفاوضات تعثرت في الاشهر الماضية لكن الحقيقة ان الاطراف المتنازعة توصلت الى حلول جذرية كما يبدو للعيان دون ان ندري ماذا تحت الرماد, في الوقت نفسه قد لايصدق البروتستانت ان شخصية عسكرية مثل الكاثوليكي (مارتن ماكيجينيز) الذي كان يقود العمليات العسكرية في الجيش الجمهوري الايرلندي الشمالي منذ عام 1974 يصبح وزيرا للتعليم العالي ومسئولا عن تربية الجيل, ولانعلم ماذا يكون التقدير لهذه الشخصية التي يوجه اليها الاتهام بسفك الدماء والاجرام, لكن الاحداث تسارعت بصورة ايجابية كما نرى عندما تم اختيار زعيم حزب اولستر البروتستانتي .(دافيد ترمبل) رئيسا للادارة المحلية, كما اتفق على تعيين الكاثوليكي (غيموس مالون) ممثلا لحزب العمال الديمقراطي نائبا للرئيس. نستطيع ان نفهم مما حدث ان الاتفاق الاخير جاء مكملا لاتفاق (يوم الجمعة العظيمة) الذي كان في شهر ابريل من عام 1998 وينص على ان تكون الادارة مناصفة بين الطائفتين ولم يعارض مجلس العموم البريطاني الذي يعتبر مصدر تشريع على ماتم الاتفاق عليه, بل نلاحظ ان اقليم (الستر) قد تحرر نهائيا من الحكم المباشر الذي رفضته حكومة (هارولدويلسون) العمالية سنة 1974 وكان سببا في تفجر اعمال العنف منذ ذاك التاريخ كما يؤكد الاتفاق فيما يخص الاقليم بضرورة تنفيذ تقرير (تبن) الذي يتضمن قوات الامن حيث يحقق ازالة كل اثار الحكومة البريطانية او كما يقال انها اشارات التاج البريطاني سواء في جذور قوات امن الستر, ام فيما يخص التوازن الهام في المناصفة بين الطائفتين المتحاربتين. قبل حزب الاقليم هذا بالمشاركة في الحكومة المحلية مع الجيش الجمهوري وممثلين عنه رغم عدم تخليها عن اسلحتها, وبتقديري هذه المسألة سوف تسبب في وضع عوائق في استكمال السلام واستمراره وعدم قدرة الحكومة المشكلة على متابعة الاحداث رغم ان المراقبين السياسيين يرون ان المباحثات والمفاوضات تمت بين الكاثوليك والبروتستانت في احزابهم الممثلة بصدق واخلاص, ربما اكثر من اي وقت مضى, وهي المرة الاولى التي يلتقي فيها رموز هذه الحركات السياسية وجها لوجه بنوع من التصافي اكد لكل منهما انهم ينتمون الى صنف البشر. مهما كان اتفاق السلام, فلابد له ان يعتمد على نوايا الاطراف المتفاوضة, وهذا ماجاء على لسان زعيم حزب (الشين فين) جيري ادامز وهو يعلن امام حزبه نوعا من الاطراء والمديح لخصمه السابق زعيم حزب الستر, ولا بأس فقد كان هذا الاطراء نوعا من تبادل الغزل السياسي وبلغة الدبلوماسيين وعرفهم التعامل بالمثل بين زعماء الأحزاب في خطبهم أمام أعضاء أحزابهم, مع ان البرتستانت لم يكونوا جميعهم يرضون بما قدمه أو قام به زعيم حزبهم وكان سببا في مباشرة نوع من الضغوط عليه دفعته إلى تقديم استقالته, ويعود السبب في ذلك ـ كما يُعتقد ـ ان البروتستانت يرون الجمهوريين مازالوا قابضين على أسلحتهم في الوقت نفسه يجب ان لا يصدق أنه بين عشية وضحاها تعود القلوب والنوايا إلى التصافي ونسيان الأحقاد والضغائن التاريخية التي تمتد على طول ثلاثة قرون ونيف رغم ان الجمهوريين أعلنوا عن وقف اطلاق النار منذ 1996 ولم يستأنفوا القتل حتى في أجواء من التحرشات الهامشية والجانبية التي كانت تحصل بين الحين والآخر. وعلى الجانب الآخر, وهو البروتستانت ينتظرون ان يتقيد الجمهوريون بالاتفاق وتسليم أسلحتهم في فبراير المقبل, لأن ذلك يعتبر أحد أهم المعوقات التي سببت في تأخير تشكيل حكومة الادارة المحلية في اقليم الستر, في الوقت نفسه لا يمكن لأي حزب من الأحزاب المتصارعة ان تضمن تنفيذ السلام وتطبيق بنوده في غياب شروطه الأساسية التي يأتي تسليم الأسلحة ووقف العنف أحد أهم الأولويات. واعتقد ان البروتستانت لن تغيب نظرتهم الورائية في استذكار تاريخهم, ولهذا سوف يبقى زعيم حزب الستر (تريمبل) حذرا من خلال هذه المعطيات التي تنتاب دوما أعضاء حزبه الذي يعيش بين جنبيه أكثر من 40% كرافضين للاتفاق وتأييد عملية السلام. توقعات المستقبل ان المسألة التي قدمنا لها تمهيدا في هذا البحث في التعرف إلى الاحتجاج الذي قاده (مارتن لوثر) وعرف تاريخيا مذهبيا باسم (البروتستانت) ولم يخرج خلفاؤه (تلاميذه) من بعده عن نهجه في التطرف والعنصرية, من هنا يرى المراقبون السياسيون ان مسألة السلام هي بالنسبة لزعيم الجمهوريين (ادامز) أصعب من أي عمل سياسي يواجهه, فهو أمام أحقاد راكمها التاريخ تظهر في وجه الكاثوليك بين الحين والآخر على الرغم من نشاط البابوية في الاتجاه السلمي. صحيح ان أحداث ايرلندا الشمالية الأخيرة أثبتت اقتراب السلام بين الطائفتين, ووجود نوايا صادقة, في حين يعتبر آخرون ان الاتفاق الموقع هو تأجيل مواجهات وأعمال عنف مرتقبة, وهذا ما يلزمنا القول ان أي اخفاق آخر لاتفاق ومفاوضات السلام سوف يخلق فراغا سياسيا سيؤدي بالتأكيد إلى تجدد أعمال العنف, لذلك لابد ان تقوم حكومات انجلترا والولايات المتحدة وايرلندا من تكثيف الجهود لازالة العراقيل ومعالجة مشكلة نزع السلاح من الجيش الجمهوري بالدرجة الأولى ليتمكن الأطراف من استمرارية توفير الأجواء لبلوغ عملية السلام المستقر, ونشير أخيرا إلى ان العنف في ايرلندا الشمالية هو نتاج خلاف وصراع طائفي مزمن لا يزال طاغيا في بلد غربي مثل بريطانيا يقدم نفسه بلد الحرية والديمقراطية والإخاء والمساواة, أيضا يبقى ألا ننسى ان الانجليز يحفظون الدروس التي تلقونها في مدرسة جون لوك مصلحة بريطانيا فوق الجميع. * باحث سوري