يأتي حصول ايرلندا الشمالية على الحكم شبه الذاتي في مطلع ديسمبر الجاري تكليلاً لنضال دام أكثر من ربع قرن من الزمان, وبقدر ما هو انتصار كبير لثوار الجيش الجمهوري الايرلندي, بقدر ما هو انتقال من النضال الاصغر الى النضال الاكبر, فإنه من المتوقع ان تتحول حلبة الصراع في بلفاست الى تناحر شديد وتنافس على السلطة بين الرفاق الاعداء من الكاثوليك والبروتستانت وغيرهما من المجموعات السياسية الاخرى, والذين كانوا منذ ايام قليلة وعلى مدى اعوام طويلة رفاقاً في نضال واحد من اجل الاستقلال, على الرغم من ان الحل الذي توصلوا اليه لم يرض كل الاطراف, وما زال الكاثوليك يكنون عداء وكرها كبيراً للحكومة البريطانية, وليس من المتوقع حتى في المستقبل القريب او البعيد ان تنخفض حدة العداء هذه خاصة وأنها عقائدية اكثر منها سياسية, وربما هذا هو السبب الذي جعل الكاثوليك الجمهوريين يرفضون بشدة بقاء القوات العسكرية البريطانية في ايرلندا, على الرغم من انها قوة محدودة حسب الاتفاق لا يزيد قوامها على 13 ألف جندي, ولكن الكاثوليك يعتبرونها قوات احتلالية والواقع ان موقف الكاثوليك من بنود اتفاق السلام التي تمنح ايرلندا الشمالية سلطة الحكم الذاتي لا يبعث على الاطمئنان ولا يعطي املاً كبيراً على استقرار الاوضاع في ايرلندا في المستقبل, فالكاثوليك معروفون بالشدة والتعصب اكثر من غيرهم, والكاثوليكي اذا لم يجد احداً يتهم بالكفر فإنه يتهم نفسه ويناضل من اجل تهذيبها, وهذه الطبيعة في الكاثوليك نجدها متمثلة فيهم بشكل واضح في بريطانيا البروتستانتية. الموازين الدولية ورغم ان الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت في بريطانيا لم تسلط عليه الاضواء, ولم يشغل حيزاً كبيراً من الصراع الذي دام اكثر من ربع قرن في ايرلندا الشمالية الا أن بعض المحللين يتوقعون ان يبرز هذا الصراع في المستقبل على الساحة الداخلية في ايرلندا الشمالية على السلطة, وهو الأمر الذي سوف يعطي مبرراً مقبولاً لبريطانيا لتدخل مرة ثانية في بلفاست لحسم الصراع وتهدئة الأوضاع, ولهذا يقولون ان الامر يتوقف الآن وبشكل كبير على الحكومة الائتلافية من الكاثوليك والبروتستانت وزعماء الجيش الجمهوري الايرلندي, وجهودهم من اجل استقرار الاوضاع وتحقيق السلام والهدوء في ايرلندا, وعلى ما يبدو ان قيادات الجيش الجمهوري الايرلندي لديهم استعداد كبير للتفاهم بعد أن انهكتهم عقود ثلاثة من النضال المسلح وبعد ان تغيرت موازين القوى على الساحة الدولية بالشكل الذي لم يعد يضمن لهذا الجيش استمرار الدعم المادي والعسكري الذي كان يتلقاه من جهات مختلفة في العالم لم يعلن عنها صراحة في جولات الصراع والمفاوضات بين لندن وبلفاست. وجدير بالذكر ان جهات عربية كانت متهمة من قبل لندن بدعمها للجيش الجمهوري الايرلندي وامداده بالأموال والسلاح وعلى رأسها ليبيا, وكان هذا الامر رغم عدم طرحه بشكل علني يشكل مصدراً للخلافات والعداء المستمر بين لندن وطرابلس, وقد تغيرت الظروف والاوضاع الآن, ولم يعد في مقدور ليبيا بعد سنوات الحصار والعقوبات الاقتصادية ان تقدم الدعم الذي كانت تقدمه للجيش الايرلندي. معايير الارهاب وما يهمنا ان نشير اليه هنا بعد التوصل لهذا الاتفاق التاريخي الذي منح ايرلندا الشمالية نظاماً شبه ذاتياً في الحكم هو كيفية تعامل الغرب مع اشكال التمرد وحركات النضال الداخلية, فقد دأبت لندن على مدى سنوات طويلة على وصف افراد الجيش الجمهوري الايرلندي والميليشيات الاخرى المقاتلة هناك من اجل الاستقلال بوصف (الارهابيين) وعلى الرغم من التفاهم والتقارب الكبير بين السياستين البريطانية والامريكية, وتفاهم لندن وواشنطن في مختلف المسائل والقضايا في شتى المجالات, الا ان واشنطن التي درجت على وصف غالبية الجماعات المناضلة ضد الانظمة الحاكمة في الدول الصديقة لها والخاضعة لسياساتها بالارهابيين لم تجرؤ ولا مرة واحدة على اطلاق هذا الوصف على افراد الجيش الجمهوري الايرلندي ولا على افراد المجموعات المسلحة الاخرى في ايرلندا الشمالية, هذا على الرغم من ان الشائع والنامي لعلم واشنطن دائماً ان هذه المجموعات المسلحة كانت تتلقى دعماً كبيراً من دول وجهات تتهمها واشنطن علناً بالارهاب, ولكن على ما يبدو ان الامر في ايرلندا الشمالية يختلف عن غيره في أنحاء كثيرة من العالم. الانجليز في امريكا ويذهب البعض الى ان موقف واشنطن المحايد دائماً من النزاع في ايرلندا الشمالية يرجع الى النفوذ القوي للامريكيين الانجليز في الولايات المتحدة الامريكية والذين يشغل فيهم الايرلنديون النسبة الغالبة لدرجة ان كل امريكي من اصل انجليزي يطلقون عليه وصف (أيرش) اي ايرلندي وهو الامر الذي جعل واشنطن منذ البداية تتعامل بحذر وحياد واضحين مع الصراعات في ايرلندا الشمالية حتى عندما كانت تحتدم بشدة وتؤدي الى انفجارات قوية يذهب ضحيتها العديد من الضحايا من المدنيين وربما هذا ايضاً هو الذي يبرر في نظر البعض الجهود الكبيرة التي بذلتها واشنطن من اجل استقرار الاوضاع والأمن في ايرلندا الشمالية, ولما بات واضحاً للجميع تصميم الجيش الجمهوري الايرلندي على الاستمرار في النضال بقوة وشراسة في الوقت الذي تنمو فيه الدعوات المتطرفة بين الكاثوليك هناك والتي تتهم بريطانيا بالاستعمار والاحتلال, لم تجد واشنطن حلاً لهذه المشكلة المعقدة سوى التوصل الى اتفاق يرضي نسبياً الطرفين, ومن هذا المنطلق وخشية استمرار تفاقم الأوضاع هناك, تدخلت واشنطن بشكل مباشر وارسلت مبعوثها (جورج ميتشيل) الذي بذل جهوداً كبيرة في الوساطة ليس فقط بين لندن وبلفاست ولكن ايضاً بين الجماعات السياسية والعسكرية الموجودة في ايرلندا الشمالية وكان واضحاً الى حد كبير من جهود (ميتشيل) وعلى حد قول الوزير البريطاني لشئون ايرلندا الشمالية (بيتر ماندلسون) ان واشنطن تقف موقفاً محايداً من القوى المتصارعة, وان كل ما يهمها هو تحقيق التفاهم والسلام, وهو امر غريب على واشنطن التي غالباً ما يكون موقفها من اي صراع هو تغليب مصلحة احد الاطراف على الآخرين خضوعاً لتوازناتها الخاصة ولكن على ما يبدو ان توازنات واشنطن في ايرلندا الشمالية تختلف كثيراً. مصالح واشنطن وربما يكون صحيحاً الى حد ما الرأي الذي يذهب الى ان واشنطن من مصلحتها ان تحصل ايرلندا الشمالية على استقلالها في المستقبل من بريطانيا ومن مصلحتها ايضاً ان تدعم كل القوى الموجودة في بلفاست من الآن سعياً منها لكسب حليف قوي في المستقبل على الشاطئ الشرقي من المحيط الاطلسي خاصة وان كبار رجال الاعمال والمستثمرين الايرلنديين مصالحهم مرتبطة الى حد كبير مع الولايات المتحدة الامريكية, بحكم وجود جالية ايرلندية كبيرة هناك منذ سنوات طويلة مضت, وسياسة الوفاق القائمة حالياً بين واشنطن ولندن ليست مضمونة بشكل كبير في المستقبل في ظل النمو المستمر للوحدة الاوروبية التي لا يتصور معه بقاء التحالف البريطاني الامريكي على المستوى نفسه من القوة التي هو عليها الآن, وان كانت هذه الحسابات ليس لها دور فعال في الازمة الآن, الا ان استراتيجيات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية عادة ما تعمل لعقود طويلة قادمة وتستفيد من الظواهر والظروف القائمة حالياً لأية توقعات مستقبلية. الساحة الاوروبية اما على الساحة الاوروبية فقد لقي اتفاق السلام في ايرلندا الشمالية ترحيباً كبيراً لدى الدول الاوروبية الكبيرة وخاصة ألمانيا وفرنسا اللتان تتنافسان مع بريطانيا على زعامة أوروبا, وفي الوقت الذي تحاول فيها ألمانيا تحقيق أكبر الفوائد من وراء اتحادها بعد ضم المانيا الشرقية, وتسعى الى اثبات وجودها كدولة كبرى بداية على الساحة الاوروبية فإن مصلحتها ان تكون منافستها الاولى على هذه المكانة وهي بريطانيا الحليفة الاولى لواشنطن في وضع لا تحسد عليه ومعرضة للتفتت والانقسام, وخاصة ان ايرلندا الشمالية تسيطر عليها الى حد كبير الكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي اليها ألمانيا. ايضاً فرنسا الخصم اللدود لبريطانيا في اوروبا, والتي تتطلع لتحقيق مكانة كبيرة في اوروبا وتسعى لدعم قوتها النووية حتى تساعدها على تثبيت هذه المكانة فلا شك ان اية محاولة للتقسيم والتفتت داخل بريطانيا ترضيها وتتفق مع طموحاتها وربما يبرر هذا موقف باريس من الصراع في ايرلندا الشمالية والذي كانت تشوبه احياناً بعض مظاهر التأييد للاستقلال عن بريطانيا ووصل الامر احياناً الى حد توجيه بعض الاتهامات من لندن الى باريس بدعمها وتأييدها للجيش الجمهوري الايرلندي, رغم نفي باريس لذلك. الحلم باق ويبقى السؤال: هل يعد اتفاق السلام في ايرلندا الشمالية خطوة على طريق تفتيت ما تبقى من الامبراطورية البريطانية العظمى التي (غابت عنها الشمس؟) . على الرغم من ان طبيعة الاتفاق الاخير وبنوده لا تقول ذلك, وخاصة مع احتفاظ لندن بالسلطات الأساسية مثل الميزانية والشئون الخارجية والدفاع, الا انه من المتوقع في المستقبل الا يكتفي الايرلنديون الشماليون بما حققوه من انتصار ومكاسب في هذه الجولة, وان حلمهم الاكبر في الاستقلال التام عن بريطانيا سوف يظل قائماً وسوف تدعمه عوامل كثيرة وجهات متعددة داخلياً وخارجياً. د. مغازي البدراوي