في مساري القضيتين الايرلندية والفلسطينية ما يغري للوهلة الاولى بالمشابهة وامكانية اجراء المحاكاة. وعلة هذا الفهم لدى بعض المحللين, ان هذين المسارين تحددا في بدايتهما بسلوك السياسة الانجليزية في عهدها الامبراطوري. فقضية ايرلندا الشمالية تخلفت عن هذا السلوك في مراحل عنفوانه الاولى منذ بضعة قرون. وقضية فلسطين نجمت عن السلوك ذاته في مرحلة الافول والانكفاء منذ بضعة عقود . وقد يدعو للمشابهة ايضا, ذلك البعد الاستيطاني الذي يتخلل القضيتين وان بدرجات متفاوته الوضوح. ففي ايرلندا, حدث نوع من الغزو السكاني الاستيطاني الانجليزي لاسيما في ما يعرف بايرلندا الشمالية, ومن هنا جاء حضور المذهب البروتستانتي واشعاعه في هذه المنطقة التي لا تزيد مساحتها عن 1 الى 18 من المساحة الكلية لايرلندا بشطريها, (4147 كم2 من 70284 كم2 على التوالي). ولا يحتاج المرء لدلائل على ما جرى ويجري على صعيد الاستيطان الصهيوني اليهودي في فلسطين منذ اكثر من قرن. من ناحية اخرى, تكاد التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للسياسة البريطانية في ايرلندا ثم في فلسطين تكون متقاربة الى حد ملفت. فقد كانت ايرلندا بشطريها الشمالي والجنوبي, وماتزال الى حد ما, واحدة من افقر الدول الاوروبية, حتى انها تحاكي في مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية بعض دول العالم الثالث. ومن المعروف ان الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني تمكن في فلسطين بمؤازرة بريطانية ظاهرة من السيطرة والتحكم, منذ ما قبل اعلان الدولة اليهودية عام 1948. واجمالا, فان قضيتي ايرلندا وفلسطين من ابرز مخلفات السياسة البريطانية في اوروبا والعالم العربي. غير ان ملامح المشابهة المذكورة ونحوها مما يعني للمتابعين استكناهه بالنظرة العابرة, لا تكفي للزعم بالتطابق بين مساري القضيتين من حيث النشأة والتطور, لا بالمعنى التاريخي ولا بالمعنى المستقبلي. ولذلك فان الحل المطروح لقضية ايرلندا الشمالية في اطار الحكم الذاتي, لا ينبغي ألا يتخذ ذريعة للاعتقاد بامكانية مروره بسلام بالنسبة للحالة الفلسطينية, ولا ريب ان آلية الحكم الذاتي ذاتها بصفتها مجالا للمعالجة في سياق حل القضية الفلسطينية منذ عام ,1993 تحمل على الظن بفكرة تطابق مصير القضيتين, ولهذا, يجدر التطرق الى الفوارق العميقة بينهما. في هذا الاطار نلاحظ ما يلي: هناك اختلاف في دائرة تفاعل القضيتين بالمعنى الحضاري.. ففي القضية الايرلندية تتصادم اطراف اوروبية مسيحية في التحليل الاخير, يصح هذا الوصف بالنسبة للأطراف الداخلية والخارجية على حد سواء. فايرلندا لم تكن يوما جزءا من النسيج الاجتماعي السياسي لبريطانيا, لكنها تشترك مع بريطانيا ابتداء وانتهاء في الدائرة الحضارية الغربية الاوروبية بكل مضامينها وتفريعاتها الداخلية. ولا يقدح في ذلك التباين المذهبي بين بروتستانت وكاثوليك هنا وهناك, فكلاهما ينتمي الى حوزة المسيحية وتجلياتها. اين هذا من اطراف القضية الفسلطينية وما بينهم من اختلافات جذرية على الصعيد الحضاري؟. اننا في فلسطين بصدد غزوة استيطانية تقاطر اصحابها من اعالي البحار, لا يجمع بينهم وبين اصحاب البلاد جامع من اي نوع, دينيا ولغويا وثقافيا وقيمياً.. الخ. وليس هذا التمييز بلا مغزى بالنسبة لتعقيد القضيتين وطبيعة الحلول التي قد يقدر لها النجاح او الفشل فالتأثير الايجابي الذي تشعه الخلفية الحضارية الواحدة بالنسبة لمصير القضية الايرلندية, امر يصعب ان لم يستحل توفره للحالة الفلسطينية, ولنا ان نتصور مثلا اي مستقبل مظلم ينتظر تسوية او حلاً لهذه الحالة الاخيرة, يقوم على اتخاذ وضعية الحكم التراثي للفلسطينيين في اطار الدولة اليهودية!.. ان مثل هذا التصور هو الذي جعل من هذه الوضعية مجرد مرحلة انتقالية لا اكثر, فلا الجانب اليهودي الصهيوني يرغب في الابقاء عليها, ولا الجانب الفلسطيني يمكن ان يستكين لها حتى لو اصر الطرف الصهيوني. نود القول, بأن الحل القائم على الحكم الذاتي في ايرلندا لديه فرصة للنجاح والاستقرار لأجل اطول بكثير, مقارنة بالحالة الفلسطينية واساس ذلك, وجود ارضية حضارية مشتركة عريضة يمكن ان تستلهمها اطراف القضية الايرلندية, فيما ينتفي هذا العامل المهم تماما على الصعيد الفلسطيني. نهض الحل الايرلندي العتيد على مبدأ جوهره اعادة الوضع الى ما كان عليه حال القضية في وقت سابق فبين 1922و 1972 تمتع شمال ايرلندا بنوع من الحكم الذاتي. وكان له جهاز تشريعي من مجلسين للعموم ( 52 عضوا) والشيوخ (26 عضوا). وكان له كذلك حكومة خاصة مكونة من رئيس وزراء وكان يستطيع التشريع في جميع المجالات بمعزل عن الحكم البريطاني, فيما عدا تلك المتعلقة بالقضايا السيادية العليا كالدفاع والخارجية. وهذا هو تقريبا ما اتفق عليه في الوقت الراهن. اذ ستتولى وزارة ايرلندية شمالية خاصة شئون الزراعة والبيئة والتنمية الاجتماعية والتربية والتأهيل والصحة والتجارة والثقافة. بينما ستحتفظ لندن بمسئوليات كبيرة مثل تقرير الموازنة والسياسة النقدية التي تقرر على مستوى المملكة كلها, وكذا شئون الدفاع والخارجية. لقد اغارت الحكومة البريطانية على هذه الصيغة عام ,1972 بعد ان استفحل التوتر الى طور القتال العضوي بين الطائفتين البروتستانتية والكاثوليكية. ويفترض ان العودة للصيغة ذاتها مع تحويرات طفيفة, اضحت متاحة في ظل تسوية التقاسم الوظيفي والسياسي بين بروتستانت ايرلندا الشمالية وكاثوليكها. ومرة اخرى اين هذه الامكانية بالنسبة للحالة الفلسطينية؟ ان مبدأ العودة الى ما كان عليه الحال قبل استيلاء الجانب الصهيوني على فلسطين بقضها وقضيضها عامي 1947 و 1948 ثم عام ,1967 هذا المبدأ هو عمل في حكم المستحيلات بالنسبة لجهود التسوية الراهنة, اساسا بحكم موازين القوى المختلة لصالح الغزوة الصهيونية وتحالفاتها الدولية, وكذا بسبب استعصام الدولة اليهودية بالايديولوجية الصهيونية كمصدر للحكم والاطار النظامي. تقودنا الملاحظة السابقة الى مصدر اخر للخلاف الكبير بين تجليات القضيتين الايرلندية والفلسطينية. فما حث على احتمال التوصل الى تسوية مرضية في ايرلندا هو عدم وقوع الاطراف الضالعة فيها في محذور الجنوح المسرف نحو العقائد العنصرية ومشتقاتها في الممارسة السياسية. وذلك باعتبار ان المثل التي يتوخاها هؤلاء جميعهم لا تحتمل فكرة استبعاد الاخرين اصحاب البلاد على اسس دينية بلا اي وازع, كما هو الامر مع الصهيونية في فلسطين وجوارها. بعبارات اخرى, لم يحدث ان نفت بريطانيا وجود الشعب الايرلندي من الاصل او عملت على استئصاله من الارض. وكانت في جميع مراحل الازمة تدرك وجود قومية ايرلندية بالجوار, بل ودولة ايرلندية راسخة اوروبياً ودوليا.. لكن الجانب الصهيوني نفى مطولا الاعتراف بالشعب الفلسطيني, وحتى عندما اقترب من فكرة الاعتراف, فانه انكر على هذا الشعب حق تقرير المصير بحرية كاملة. واهم من ذلك, ان المنظور الصهيوني للقضية الفلسطينية بات يقوم على تقسيمها الى قضايا جزئية تخص (عرب 1948) , وفلسطينيي الضفة وغزة وفلسطينيي المنافي و (عرب القدس) .. وفي ذلك انكار لوحدة الشعب الفلسطيني وقضيته. وهذا يجافي تماما المنظور الذي اوصل الى الحل الايرلندي, الذي انطلق من وحدة الايرلنديين برغم تنوعهم الطائفي. واثر دمجهم في حكومة واحدة والعمل على تعايشهم. وقد يقال ان التعايش لن يكون سهلا بين القوى الايرلندية. لكن الكاثوليك والبروتستانت لا يخوضون تجربة مستحدثة تماما, كما سبقت الاشارة. ثم ان الفروق الطائفية بينهم لا تصل بحال الى ما بين الصهاينة والفلسطينيين من فروق بأي حال. لهذه الملاحظات العامة فضلا عن تفاصيل كثيرة ليس هذا موضع الافاضة حولها, تعد المحاكاة بين القضيتين في الحال والمآل مجازفة غير محسوبة. وتقديرنا في اية حال ان القضية الفلسطينية مازالت عزيزة على المشابهة بين قضايا العصر, وانها سوف تبقى بكل تعقيداتها مرشحة بارزة على اجندة اعمال سنوات كثيرة في القرن المقبل. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة