اكثر ما كان يخشاه حسن الترابي ان تقوم تيارات ومراكز ضغط في داخل حركته السياسية, لذا انشغل بنقل مسئولي حركته مرة بدعوى تخصيب وتكثيف خبراتهم الحركية, ومرة بإعلان صريح بأن البقاء طويلا في مركز حركي واحد, يؤدي إلى تأسيس مركز قوة خاص يصارع وينازع ويشق الحركة عموما . الوحدة لم تدم لم يكن حسن الترابي يمل من الاستشهاد بنماذج من تاريخ الحركات السياسية الأخرى, وكان يتمثل بشكل خاص انقلاب القيادة العسكرية لحزب البعث على قيادته القومية, ذات المشروعية السياسية والاجتهاد النظري, وبلغ حرص الترابي على وحدة صفه انه وهو المفكر النظري المرموق, لم ينشئ أو يشجع على انشاء حركة ثقافية أو فقهية متطورة داخل تنظيمه, ذلك انه كان يتحسب مما قد ينجم عن ذلك من تضارب آراء ونظرات, يترتب عليه نشوء خطوط جديدة, أو تنظيمات جديدة تنبثق عن التنظيم القديم, وكان حتى وهو داخل السجن يشجع اتباعه السجناء على حفظ القرآن, وتعلم اللغات, ودراسة التاريخ, وتجنب دراسة الفقه والفلسفة الاسلامية, خشية من تشتت آراء أتباعه مع شتات آراء الفقه والمذاهب الكلامية الإسلامية, وهي الآراء التي حمل الفهم القاصر لها على نشوء تنظيمات التطرف التي انبثقت من رحم أمهات الحركات الاسلامية الحديثة. طوال ربع القرن الماضي حافظ حسن الترابي على وحدة حركته وانسجامها إلى حد بعيد, ولم تُعان حركته من أي انشقاقات ذات بال, وحتى عندما خرج عليه بعض القيادات التاريخية للحركة, فقد كان غريبا ان كلا منهم انسل من الحركة كما تنسل الشعرة من العجين, وحينها بدأ بعض المراقبين يعتقدون ان الحركة غير مهيأة بطبيعة أصلها وتكوينها للتشقق والاهتراء, وان حذر الترابي من ذلك انما هو هوس ومبالغة في الهوس, وانه بذلك ربما يؤدي إلى قتل صفة التنوع والابداع والتطور في الحركة. ولكن ها هي الأيام تثبت ان حركة الترابي الاسلامية ليست معصومة من داء الصراع الذي أودى من قبل بعديد من الحركات الاسلامية, وأدى بالمجاهدين الافغان إلى ان يبيدوا بعضهم البعض بالسلاح, وليس بعيدا عن الأذهان ان أي حركة اسلامية قد انشقت داخليا قبل ضربها خارجيا. جذور الصراع منذ عامين أو أكثر بدأ نزاع العسكر مع حسن الترابي, وإذا كان الترابي قد أفلح في تفكيك تنظيم العسكر الذي كان يسمى بمجلس قيادة الثورة, فقد أفلحوا هم في اختراق تنظيمه واجتذاب بعض اركانه الكبرى إليهم, وتم لهم استقطاب الشخص الثاني في حركة الترابي وأقرب المقربين إليه منذ أوائل السبعينيات, وهو الاستاذ علي عثمان محمد طه, الذي يشغل حاليا منصب النائب الأول للبشير . تصعد علي عثمان في الحركة الإسلامية بناء على كفاءته وأدائه المثابر, ولكن أيضا بالرعاية الشخصية واستلطاف الترابي له, وهو الأمر الذي مكنه من القفز (بالعمود) متخطيا قامات أطول منه بكثير, وربما كان انحياز علي عثمان لصف البشير, هو أكبر خسارة مني بها الترابي في تاريخه السياسي أجمع, فعلي عثمان يعرف كل أسرار الحركة بلا استثناء, كما انه لا يقل دهاء عن الترابي وعن قدراته في المناورة وان كانت تنقصه بالطبع شعبية الترابي, ومشروعيته وقدراته الفكرية, بينما كان العسكر بقيادة البشير, يسعون لتطبيع علاقات السودان عالميا, فقد كانوا يعانون من تصريحات الترابي التي يعتقدون انها تفسد عليهم تلك المساعي., وقد تكررت تصريحات الترابي, رغم تنبيهات العسكر وشكاويهم, وهو الامر الذي ادى الى جدل حاد وسط السياسيين, وادى ببعضهم الى انتقاد الترابي, والى التفلت من محوره, للارتكاز على محور العسكر والحكومة, ويبدو ان اغراء السلطة والقيادة كان شهيا اذ اخذ هؤلاء يتكاثرون على محور البشير, نأيا عن المحور الذي داروا حوله لعشرات السنين. كان طبيعيا ان يتضاعف حذر الترابي من تسارع وتائر تلك الانتقالات التي تطورت الى اعتراضات, كادت ان تطيح بالترابي من مركز القيادة السياسية والفكرية, فقد تكثفت تلك الاعتراضات في مذكرة العشرة الشهيرة, التي كانت مؤامرة انقلابية سافرة, دبرها بعض آكابر تلاميذ الترابي, بالاتفاق المباشر والرعاية الكاملة من الفريق البشير, وهي المؤامرة التي كافحها الترابي بمعركة اتصالات واسعة اجراها بنفسه بكل مراكز حركته مع اتساع السودان, وجاءت ثمرتها في عقد المؤتمر القومي, لحزبه المسمى بالمؤتمر الوطني (لاحظ ركاكة هذه التسميات) , وهو المؤتمر الحاشد الذي حضره اكثر من اثني عشر الف شخص, وجاءت توصياته وقراراته لتوطد مركز الترابي القيادي للحزب, ولتطهر الحزب من اغلب المتآمرين من اصحاب مذكرة الاحتجاجات والاصلاحات. لم يكن اكثر موقعي تلك المذكرة سوى صفويين في غاية الصفوية, ولذا سهل اقتلاعهم باستخدام العضوية الواسعة التي يصعب عليهم خطابها او التعامل معها, ولكنهم مازالوا, ومعهم اخرون, يستظهرون بقوة البشير العسكرية والتنفيذية, واذا كان الترابي واتباعه ارادوا باسقاط هؤلاء من قيادة الحزب ان يجعلوهم عبرة لمن يعتبر, وحسما رادعا لداء التطاول, الا ان حساباتهم اظهرت خطأها الفادح, اذ احتدم اوار المعركة, وتصاعد تحفز معسكر البشير خوفا من مواصلة الهجوم عليهم من معكسر الترابي. واصل الترابي الهجوم بغية ان يحاصر معسكر الخارجين عليه, وصمم تعديلات دستورية تقصقص اجنحة البشير, وتجرده من الولاية على ولات الاقاليم. وهنا لعب الترابي لعبة خطرة للغاية فقد كان أحد اسباب تقسيم السودان الى ولايات شتى, افساد اي انقلاب على حكم (الانقاذ) , لأن أي انقلاب ينفذ في العاصمة, يمكن ان يواجه من الاقاليم, ولكن الترابي اقترح في تعديلاته الدستورية الا تعطى للبشير سلطة تعيين احد الفائزين الثلاثة الاوائل في منصب والي الاقليم, وان يتم اعتماد الفائز الاول تلقائيا واليا على الاقليم, ربما كان طرح الترابي النظري في هذا الموضوع اقرب الى الفكر الديمقراطي, ولكن ما وراء الامر انه اراد ان يحرر الوالي من أي سلطة للبشير, فلا يجيء اختياره وتعيينه بقرار من البشير, مصدر الخطر على الترابي, ان الانتخابات الاقليمية الحرة, يمكن ان تأتي بولاة اقليم غير خاضعين لسلطته هو كذلك, وانما تابعين للاحزاب الاخرى او للولاءات التقليدية المحلية التي لا يعتمد ايضا ولاءها المستمر له. صراع اللحظات الاخيرة ولكن في اطار صراع القوة مع البشير خاض في تلك اللعبة الخطرة, وحشد اعضاء حركته السياسية, وعبأ نوابها بالبرلمان, لامضاء قرار بذلك, وقد نجح بالفعل في تمريره في مراحل القراءة الاولى والثانية, وتجاهل مناشدات البشير له, بتأجيل النظر في تلك القرارات, لان البلاد تجابه قضايا اكثر الحاحا واهمية, ولان بحث تلك القرارات يشتت تركيز القيادة على مسألة الوفاق مع احزاب وتنظيمات المعارضة السياسية, وقد كاد الترابي يحقق مطلوبه بتخفيض قوة البشير, مستخدما في ذلك رصيده بالبرلمان, ولكن في آخر لحظة انخفض النصاب القانوني للجلسة فباءت محاولته بالاخفاق. حضر الجلسة الاخيرة للبرلمان 267 عضوا وهو حضور فوق النصاب بقليل, ولكن عندما جاءت مرحلة العرض الاخير للقرار وعرضه للتصويت انسحب 12 نائبا من اتباع خط البشير فانهار النصاب وبطل التصويت .. ولابد ان اتباع الترابي قد بذلوا مجهودات ضخمة لاستعادة النصاب, واقناع افراد من النواب المتغييبين (اكثر من مائة نائب غاب عن الجلسة الاخيرة) للحضور لاستعادة النصاب, واصدار القرار الذي يهدر سلطة البشير, ولكن جاء الانقلاب الثاني ليفسد ذلك التدبير, باجراء جذري يحل البرلمان, وهو حق مضمون للرئيس بموجب قانون انشاء البرلمان. لايمكن ان يقال ان الانقلاب الثاني للبشير, هو بخلاف انقلابه الاول, انقلاب ناجح فقدرات الترابي على المناورة والالتفاف حول الخصم قدرات ضخمة, واتابعه يخترقون الحكومة, والجيش, واجهزة الامن والدفاع الشعبي, اضافة الى قوة الحزب الذي لم يجرؤ البشير على حله رغم اعلانه لحالة الطوارىء, التي تستتبع عادة حل الاحزاب, فهذا التغلغل الترابي في اجهزة البشير سيشل ارادته وقوته اذا ما صمم على تطوير نزاعه مع الترابي الى اكثر من هذا الاجراء الانقلابي (السلمي) وحتى اذا ما افلح في استبعاد الترابي وانصاره, فانه سيحتاج الى زمن طويل لتكوين شعبيته وانشاء حزب فوقي باسم جديد واجندة جديدة, وربما اتجه الى الاستمداد من دعم خارجي, بالتخلي التدريجي عن اتجاهات الحكم الحالي في السودان .. وربما سهلت الاطاحة به اذا انكشف ظهره, اثر اي اخفاقات او انتكاسات او مطبات خطرة يتعثر فيها. اسوأ انواع الحروب والتصفيات التي شهدها التاريخ هي التي تنتحل اسبابا دينية والسودان مرشح لهذا النوع من الحرب الدينية (الاسلامية . الاسلامية), اذا ما تعنت طرفا الصراع وتمحل منهما اسبابا لتصفية الآخر, تبدأ عادة بالحديث عن شق الصف, ثم تتطور الى اتهامات الردة .. هذا الاحتمال قصى, ولا تدعمه شواهد من تاريخ الحركة الاسلامية السودانية, ولكن الاحتمال القصي لا يمكن حذفه من قائمة الاحتمالات لمجرد انه احتمال قصى .. او لان الارجح منه ـ وهو ارجح فعلا ـ ان تتداعى جهود لرأب الصدع, ورتق الفتق, والزام الطرفين بالتعايش في حالة صراع محكوم باطر ائتلافية .. ولكن بذلك يفقد الترابي ما كان يرجوه من بسط سلطته التنظيمية العلوية على العسكر.