بعد صراع طويل وحرب أهلية مريرة عانت منها ايرلندا الشمالية قرابة 30 سنة راح ضحيتها الالاف من المواطنين, ومعاناة من الحكم البريطاني استمر 25 عاما. تحقق لها الاستقلال في صورة حكم ذاتي غير مرتبط بصورة مباشرة بالمستعمر, واصبح لها حكومة إئتلافية تضم اعداء الامس بصورة جبرية لخلق وئام متفق عليه بموجب اتفاق سلام, وهي حركة تحت التمرين أو الاختبار, ولقد حقق بذلك (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني المرحلة الاولى من ولديها الفرصة الذهبية لاستبدال العنف والإرهاب بالسلام والاستقرار والديمقراطية. لكن ما هو مستقبل ايرلندا في ظل هذه الحكومة الإئتلافية؟ وما هي حقيقة وأبعاد هذا الحكم الذاتي الذي يطلق عليه (شبه استقلال)؟ وهل من المنتظر ان ترفع بريطانيا يدها كلية عن ايرلندا اذا مااثبت الحكومة الحالية نجاحها؟ هذه الاسئلة واخرى توجه بها الملف السياسي الى (يوب فاخن دوروب) رئيس مركز الدراسات السياسية لغرب اوروبا. ماهو وقع هذا الاستقلال على الشعب الايرلندي بكل فصائله بعد كل ما عاناة خلال ثلاثة عقود متتالية؟ ـ ما حدث الآن يعد نجاحا هائلا يبشر بمستقبل جيد للشعب الايرلندي الشمالي, فبعد ان كانت ايرلندا الشمالية خلال السنوات الماضية تسير خطوتين للأمام وخطوة للوراء. تحققت خطوه تاريخية في بلفاست, وللمرة الأولى التي يصبح لايرلندا الشمالية حكومة تضم الاتحاديين في هذا السلام بين فصائل الشعب, حتى أن المواطنين لم يحتفلوا كما كان متوقعاً بما حدث, وبدت التحفظات واضحة, ويعود ذلك الحذر الى ان الايرلنديين الشماليين خلال السنوات الماضية قد اعترتهم الآمال العريضة في عديد من اتفاقيات سلام فشلت تلتها الكوارث المتتالية وحمامات الدماء على مر هذه السنوات الطويلة, غير انه الآن بهذه الحكومة والحكم الذاتي يمكن للبرلمان في ايرلندا الشمالية ان يتحرك بحرية واسعة نحو الديمقراطية بعد ان شلت حركته لاعوام طويلة من الصراع والحرب الاهلية, حتى لاح له الضوء الأخضر باتفاقية السلام في عام 98. هل تنجح عمليات نزع الاسلحة من الجيش الجمهوري الايرلندي والميلشيات ـ لقد اصبح تحقيق السلام الدائم في ايرلندا الشمالية اقرب من أية مرحلة مضت في التاريخ, واصبحت الكرة الان في ملعب منظمة ايرا التي عليها ان تضع نقطة البداية في تسليم اسلحتها, وان لم يتحقق هذا قبل فبراير المقبل سينسحب الاتحاديون التابعون لـ (ديفيد تريمبلي) رئيس وزراء ايرلندا الشمالية البروتستانتي باعلانه ومطالبته للأيرا بتسليم الاسلحة من الحكومة, وتعود بذلك ايرلندا الشمالية الى نقطة الصفر من جديد, فقد خطت ايرلندا الشمالية خطوة كبرى في تصوري نحو سلام دائم للمرة الأولى منذ تفجر الأحداث والمشاكل قبل 30 عاماً مضت. الدعم من مجلس الحزب UUP لتشكيل حكومة تتكون من DUP وSDLP وخاصة من (سين فاين) مسئول الجناح السياسي للإيرا يفتح الطريق الى حل ديمقراطي في المقاطعات, ولقد قال القائد (تريمبلي) في بلفاست (لقد قمنا بواجبنا وقدمنا ما فيه الكفاية والدور الان على (آدمس) ويقصد تريمبلي بهذه الكلمات تسليم اسلحة الأيرا. وهو الاختبار القادم لايرلندا الشمالية اذا ما كانت ستنجح خلال الاشهر المقبلة في الحفاظ على عملية السلام من عدمه. ومن هو المكلف بعمليات نزع السلاح وكيف سيقوم بها ـ بعد أن تمكن (جورج ميتشل) الامريكي الشمالي الأصل من اعادة عملية السلام الى مسارها بعد أن كانت مهددة بالفشل تماما والخروج عن اطارها, اصبح الان لـ (جون دي شاستيلان) الجنرال الكندي السابق دورا مهما وهو رئيس اللجنة الدولية المسئولة عن مراقبة نزع اسلحة الميليشيات والجماعات المسلحة, وعلى الجمهوريين القيام بدور فعال والتفاوض الجاد مع شاستلين حول عملية نزع السلاح كما ان شاستلين مكلف بتقديم تقرير يوضح فيه مستقبل عملية نزع السلاح, فكل من ميتشل وشاستلين قد انشغلا لسنوات في عملية السلام مع ايرلندا الشمالية وعليهما مسئولية اقناع الايرا بالبدء في تسليم الاسلحة قبل البدء في شهر فبراير المقبل, والا ستسقط الحكومة وينسحب حزب الاتحاديين الـ UUPمن حكومة ديفيد تريمبلي ـ وهو المناصر لبريطانيا ـ وسيتضح خلال الاسابيع القليلة القادمة مدى قوة بناء الثقة بين الاطراف المختلفة وهل ستنمو هذه الثقة ام ستنشب من جديد الخلافات, ولقد أوضح تريمبلي لكافة الاطراف انه ليس على استعداد لقيادة حكومة يوجد بين اطرافها اي انشقاق, وعلى الجميع ان ينس الماضي ويلقى به خلف ظهره ويعمل مع الحكومة لإقرار السلام. لكن هل يبدي الجيش الايرلندي حسن نوايا بدرجة كافية تطمئن الايرلنديين على مستقبل السلام ـ لقد أعلن الجيش الجمهوري الايرلندي (الأيرا) تأكيداته بإرسال ممثلين عنه الى لجنة نزع السلاح برئاسة الجنرال الكندي (جون دي شاستلين) وتعتبر هذه اهم خطوة نحو السلام في ايرلندا الشمالية, وذلك على الرغم من ان الايرا لم تقبل خلال الربع قرن الماضي اطلاق اية وعود بالتخلي عن اسلحتها, ووفقا لاتفاقية السلام التي تمت عام 1998 لانهاء الحرب الاهلية ووقعت من الجناح السياسي للايرا بمعرفة (سين فاين) يجب على الجماعات الارهابية المسلحة الكاثوليك والبروتستانت نزع السلاح وتسليم كل مخازن الاسلحة والاحتياطي الكامل للذخيرة بحد اقصى في مايو من العام المقبل, ولقد غضب (سين فاين) من القرار الذي اتخذه رئيس وزراء ايرلندا الشمالية البروتستانتي (دافيد تريمبلي) باعلانه ومطالبته للأيرا بتسليم الاسلحة بصورة عاجلة في فبراير المقبل بدلا من شهر مايو, واعلن في بيان رسمي من قبله أكد من خلاله عدم الموافقة النهائية على تقديم وعد بتسليم الاسلحة في فبراير عام 2000. ووفقا للانطباع السائد حتى الان ان زعيم الأيرا (براين كينان) هو الذي سيقود المفاوضات مع شاستلين ـ رئيس اللجنة الدولية المسئولة عن مراقبة نزع اسلحة الميليشيات والجماعات المسلحة ـ وعلى هذه الخطوة سيتحدد الجانب الاعظم من مستقبل ايرلندا في الاستقرار والأمن. واشير هنا الى ان رجلين حققا النجاح الكبير في السلام الذي بدأ يؤتى ثماره الان وهما جورج ميتشيل الامريكي الأصل والرجل الشجاع الحاصل على جائزة نوبل (ديفيد تريمبلي) والذي راهن على حياته السياسية لتحريك الاتحاديين وإقناعهم بالتعاون مع الكاثوليك بقيادة سين فاين للتوصل الى صيغة وئام, واعتقد أن هذين الرجلين لن يتركا ايرلندا تعود الى الوراء حيث نقطة الصفر بل سيحاولان التمسك بما وصلا اليه من مكاسب ونجاح من اجل تحقيق الأمن والاستقرار للشعب, وان تتجاوز الحكومة الحالية مرحلة الاختبار لتخرج من هذا الاختبار الى السلطة الكاملة دون الحاجة الى وصاية ما من بريطانيا. لماذا تصر بريطانيا على الإبقاء على قوات بريطانية في ايرلندا الشمالية الامر الذي يثير حفيظة الكاثوليك الجمهوريين ـ بريطانيا ترى ان هذه القوات رغم انها محدودة الا انها ضرورية للتدخل وحسم أية اعتداءات او خلافات قد تنشب من جديد بين الجمهوريين والاتحاديين وهي خلافات قد يثيرها المتطرفون, خاصة وان عملية نزع السلاح من الإيرا والميليشيا المسلحة لم تنته بعد او تضع اوزارها نهائيا ستصدر تقريرا حول نزع السلاح, واشارت الى تخفيض القوات العسكرية البريطانية في ايرلندا الشمالية, واصدر رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) قرارا بسحب عدد من الكتائب العسكرية على أن يتبقى الآن فقط عدة آلاف من اجمالي القوات البريطانية هناك التي تصل لـ 16 الف جندي وهنا تجدر الاشارة الى قوة القانون وتشريعاته في بلفاست في مجالات الصحة, المال, التعليم, الضمانات الاجتماعية والاسكان والنقل تتركز الان في يد المجلس الايرلندي الذي يضم 108 أعضاء من الاتحاديين والقوميين والجمهوريين وهم الذين تم اختيارهم عام 1998, لكن ستبقى لندن مسئولة عن الأمن العام في ايرلندا الشمالية, والان قد بدأت المرحلة الاولى لترك الحكومة البريطانية زمام الامور لإيرلندا الشمالية وذلك بعد اسكتلندا وويلز, فقد اصبح لإيرلندا الشمالية حكومة خاصة بها وبرلمان, وهو حكم ذاتي في شبه استقلال تحكمه حكومة ائتلافية تم توليفها بصورة اجبارية تضم البروتستانت والكاثوليك, فالحكومة من حقها اتخاذ القرارات فيما يختص بكل الشئون الداخلية, وبهذا تحققت المرحلة الأولى من وعود توني بلير, ولكن لن يتنازل بليز عن الحفاظ على تماسك الاتحاديين الموالين لبريطانيا, وان لاتحدث بينهم أية خلافات. يوب فان دوروب ، رئيس مركز الدراسات السياسية لغرب أوروبا اجرى الحوار في هولندا ـ سعيد السبكي