ماهي اصداء ما حدث في السودان على العاصمة المصرية القاهرة التي تضم اكثر احزاب المعارضة السودانية ثقلا, وما هو تحليل الخبراء السودانيين والمصريين لانقلاب البشير على الترابي وما هي توقعاتهم لما سيسفر عنه صراع القوى بين الرجلين.المعارض السوداني فاروق ابوعيسى ـ امين عام اتحاد المحامين العرب ـ بدا مترددا تجاه التعليق في البداية لكنه يرى من جانبه ان هذه التطورات ربما يمكن ان ينظر اليها من جانب واحد. ان هذا التحالف الذي تأسس عليه الحكم في الخرطوم كان معيبا من وجهة نظرنا, وما حدث يضفي مصداقية اكبر على موقفنا من الجبهة الاسلامية التي تزعمها حسن الترابي, ورغم انني لست من انصار اي شكل من اشكال الصراع واميل الى السلم إلا ان ما حدث قد اكد مصداقيتنا في تعرية نظام الجبهة الاسلامية, وأوضح للعالم ان الظلم والديكتاتورية لابد لهما من نهاية ورغم ان الجبهة الاسلامية بقيادة الدكتور الترابي قد اوصلت السودان الى محنة لا يعلم مداها إلا الله وخلفت وراءها تراثا من القطيعة بين السودان وجميع دول الجوار الافريقية والعربية ولاسيما المجتمع الدولي فإن كثيرا من المواطنين والقيادات السودانية في الخارج مازال الامل يراودهم في ان تأتي الفرصة لكي يعود بناء بلادهم ويوصلوا ما انقطع بينها وبين العالم. ويضيف ابو عيسى اعتقد ان ما حدث قد ترجم بشكل واضح ما يعانيه بناء الجبهة الاسلامية من الداخل من تصدع وانهياربعد ان تناحر قطبي الجبهة البشير والترابي على السلطة وكانت النهاية متوقعة هي ازاحة فريق منهم للفريق الآخر بصورة درامية في الوقت نفسه الذي كان الآخرون ايضا يدبرون لازاحة البشير وتقليص سلطاته في البلاد عبر اجراءات حزبية وبرلمانية. وحول موقف تجمع المعارضة السودانية من هذه التطورات, ومدى اعتباره تطورا ايجابيا لصالح الحل ام انحرافا يعصف بمستقبل المصالحة السلمية, يضيف ابو عيسى ان التجمع الوطني في كل الظروف والاحوال ملتزم استراتيجيا بالحل السياسي الشامل للازمة السودانية القائم على الديمقراطية والعدل والمساواة وليس على اقتسام السلطة والمحور الآخر هو التركيز على انهاء الحرب, وفي المقابل سوف نلتزم الحياد في موقفنا, ونرفض اي صراع او صدام قد يقوم بين الفريقين لان هذا الصدام سيدفع الشعب السوداني ضريبته وردا على تساؤل عما اذا كان هناك اي نوع من الاتصالات بين البشير وبعض قادة المعارضة في التجمع لاحلال الفراغ الذي قد ينشأ في البلاد من الناحية السياسية, وهل طلب البشير من بعض فصائل المعارضة التضامن معه في هذه الاحداث, قال فاروق ابو عيسى هذا سؤال سابق لاوانه ونتمنى ان يحدث صفاء في السودان وتتاح الفرصة امام النظام الديمقراطي الصحيح من اتخاذ مكان له لنتمكن من اعادة بناء السودان على اساس من الديمقراطية والحرية, لكن لا يمكن الحديث الآن عن اي نوع من التحالفات او الترتيبات السرية خاصة اننا امام مجموعة من المبادرات الاقليمية والدولية لحل الازمة السودانية ننتظر ان تأتي بمفعولها في المصالحة وتنهي معاناة الشعب السوداني. توقيت مفاجىء واذا كان قادة المعارضة السودانية يبدون في حالة مرتبكة ولا يميلون الى الرهان بصورة واسعة على ان ما جرى قد يصب في صالح نهاية الازمة ام لا, في الوقت نفسه الذي يعتبرون فيه ان الترابي كان هو المقبل المدبر والمسئول الاول عما وصل اليه السودان ومعنى رحيله ان السودان يخطو نحو طريق افضل. الخبراء في الشأن العربي يرون ما جرى من وجهة نظر اخرى فالدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يقول انا ما حدث في السودان كان امرا متوقعا لكن العنصر المفاجىء هو التوقيت المبكر, فقد كان من المتوقع ان تدوم هذه الصيغة فترة اطول من ذلك خاصة انه من وجهة نظر الجميع فإن البشير والترابي كانا في قارب واحد سواء في مواجهة المعارضة في الخارج او الحرب في الجنوب او الولايات المتحدة الامريكية, ولذلك كان من المتوقع ان تتأجل تلك الخلافات الى وقت لاحق, لكن فيما يبدو ان ما كان يجري بين هذين القطبين تحت السطح اوسع واعمق مما كان يجري في العلن, والخلافات بين البشير والترابي قد بلغت ذروتها خلال الفترة الاخيرة فازدواجية السلطة احد عوامل انفجار الموقف خاصة بعد محاولة الترابي الانفراد بالسلطة بتقليصه سلطة وصلاحيات رئيس الجمهورية ولذلك اراد البشير الاسراع بخطواته تجاه الاطاحة بالترابي ورموزه وشركائه في الحزب والبرلمان واتخاذ موقف حاسم قبل ان يجد نفسه خارج حلبة السلطة فبدأ يجتمع مع فصائل المعارضة لتكون سندا وعونا في مواجهة ما قد يحدث في السودان من تفكك وانهيار ومن هنا يمكن ان نفهم لماذا التقى البشير المهدي وتوصلا سويا الى نداء السودان الذي تم اعلانه مؤخرا. وفي تقدير الدكتور نافعة ان هذا النداء السوداني كان الغرض منه ان يتحصن البشير بكبار المعارضين والذين لا يقل نفوذهم في الداخل عن نفوذ الترابي, ويشير إلى ان البشير قد ينجح في استعادة هيبته ويتمكن من السيطرة على مقاليد الحكم مستغلا تعاطف بعض الدول معه ومرتديا زي الديمقراطية ذلك الرداء السحري الذي يفتح كل الأبواب المغلقة ويلين له الحديد, ويشير نافعة انه ليس متشائما من عودة الأوضاع إلى هدوئها داخل السودان بل ربما يكون ما حدث هو البداية الحقيقية لحل جميع مشاكل السودان واكتساب تعاطف القوى الاقليمية وعلى رأسها مصر وليبيا, كما يمكن ان يكون فاتحة لعودة السودان لممارسة دور أكثر فعالية على الصعيد الدولي بعد نجاته من هذه العثرة السياسية الطويلة. وحول موقف مصر من هذه التطورات يضيف الدكتور نافعة ان الموقف المصري يرحب بكل ما يخدم مصلحة السودان والدليل ما تقوم به مصر من خلال المبادرة المصرية الليبية التي تدعو إلى لم الشمل السوداني ونسيان الخلافات وقد نلاحظ ان الرئيس مبارك قد حرص على الاتصال بالبشير والاطمئنان على الأوضاع في السودان بنفسه الأمر الذي يعني ان مصر حريصة على مصلحة السودان ونجاح مشروع الاستقرار. رد الفعل الدكتور وحيد عبد المجيد ـ الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يؤكد من جانبه ان الصراع على السلطة في السودان ليس بجديد حتى الاجراءات المفاجئة للجميع كانت متوقعة فقد بدأ الصراع منذ ثلاثة شهور عندما تصور الترابي انه قد حان الوقت لتقليص سلطة البشير عن طريق مشروع لتعديل الدستور وحيث ان البرلمان في جيب الترابي باعتباره رئيس الحزب الحاكم, من هنا بدأ الموقف في الانفجار, وانتقل الصراع من خلف الستار إلى العلن مما دفع البشير إلى ضرورة اتخاذ موقف سريع وحاسم للحفاظ على مركزه ولذلك يبدو في الصورة ان هناك بعض التعاطف مع البشير على أساس انه كان يدافع عن موقفه داخل كيان السلطة. وقد اعتمد البشير على نقطة أخرى فهو على يقين من ان الكثير من مشكلة النظام السوداني الحالي كان الترابي هو المسئول الأول عنها بالصورة التي يصدرها عن السودان وببعض الممارسات السياسية تجاه القوى الاقليمية المجاورة, والمواقف المتشددة ضد فصائل المعارضة في الداخل والخارج, وبالتالي يبدو ان البشير كان يعتقد ان الأمر سيكون سهلا عليه حين يقوم بهذا التغيير الدرامي داخل السودان وانه لن يجد معارضة شعبية تذكر خاصة إذا وصل إلى نوع من الاتفاق مع بعض فصائل المعارضة, كما يبدو انه كان على ثقة من حصوله على تأييد اقليمي من الدول الكبرى المجاورة للسودان (واعتقد ان البشير نجح في الحصول على هذا التأييد) . ورغم تصريحات الترابي العنيفة وغير الواضحة حتى الآن, لا يمكن ان نقول ان هناك مقاومة تذكر لما حدث الأمر الذي يعني ان البشير سيواصل سلطاته وسيحاول من أجل الاستمرار ان يظهر بصورة أكثر مرونة مع الأحداث والتطورات الاقليمية وتجاه مشروع المصالحة, كما يمكن ان يحاول البشير بعد ذلك اجراء العديد من الاصلاحات الاقتصادية في السودان حتى يشعر الناس ببعض الفروق ولكي يسقط فشل التجربة الماضية على التيار المخلوع من بنية النظام وحده, وحتى الآن ربما لم يتضح ما اذا كان الترابي سيختار الحفاظ على وحدة السودان أم سيعرضه إلى حرب أهلية. والسؤال هل يملك الترابي فعلا قدورة اشعال حرب من أجل السلطة؟ وفي تقدير عبدالمجيد فإن الرؤية من هذه الزاوية مازالت غير واضحة على الاطلاق. ويرى الدكتور عبدالمجيد ان البشير هو الأفضل مقارنة بالترابي خاصة لمصلحة السودان, وخاصة بعد اتخاذه لعدد من الاجراءات التي تخدم صالح السودان بالاضافة على قدرة البشير في استيعاب المعارضة ومنحها الفرصة للتعبير عن رأيها. واجمالا فإن أي تسوية قد تحدث في السودان لابد من قيام مصر بدور ايجابي فيها لما يمثله السودان من عمق استراتيجي لمصر وللعلاقات التاريخية التي تربط الشعبين المصري والسوداني. ويقرأ الدكتور رفعت سيد أحمد ـ مدير مركز يافا للدراسات السياسية ـ الموقف في السودان بصورة أخرى حيث يتوقع حدوث الكثير من الاضطرابات داخل السودان فمن غير المعقول ان يسكت الترابي عما فعله البشير معه ففي الوقت الذي كان الترابي يسعى لتقليص سلطة البشير يحدث العكس وبكل هذا الحسم وفي ظل شرعية دولية واضحة وتأييد عالمي لا يمكن اخفاؤه, ويرجع الدكتور رفعت ما حدث إلى متغيرين أولهما داخلي وهو ما قام به البشير في لم الشمل السوداني بدعوتهم للحوار والعودة مجددا إلى السودان ومحاولة البشير لتحييد هذه القوى في أسوأ الظروف وربما سعى إلى استمالتها في ظل الصراع القائم مؤخرا. المتغير الثاني هو عودة العلاقات بين السودان وجميع الدول العربية والافريقية وعلى رأسها مصر التي مما لا شك فيه ستقف إلى جوار نظام البشير وتحاول مساعدته على ملء الفراغ الذي سيتركه الترابي حيث كان هو الزعيم الشعبي الحقيقي في الشارع طوال السنوات العشر الماضية, ويرى رفعت سيد أحمد أنه من ان تمتد الصراعات لما هو أبعد من التصريحات الكلامية للترابي والمخيف ان هذه الحرب الكلامية قد تصل إلى حرب أهلية في وقت من الأوقات مع النفوذ الشعبي للترابي والفراغ الذي ستعاني منه السلطة, بالاضافة إلى أي من المفاجآت الأخرى التي قد تحدث على غرار مفاجأة البشير الأخيرة, والمهم في هذه الحالة ألا ينظر كل طرف إلى مصلحته السياسية فقط بل على الجميع ان يدرك ان مستقبل السودان سيزداد سوءا في حالة اندلاع هذا الصراع الأهلي بين الجانبين! ومازالت هناك بالفعل مفاجآت جديدة خاصة بعد بعض الخلافات التي نشبت في اجتماع كمبالا بين فصائل المعارضة السودانية, والموقف الايجابي من البشير الذي اتخذته مصر وليبيا, والتطورات التي يمكن ان تحدث في الداخل, بالاضافة إلى موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدو انه لن يكون أقل سعادة برحيل الترابي من البشير نفسه الذي خلا له وجه الحكم.