اخيرا ... وبعد مرور مايزيد على ربع القرن تم التوصل لاتفاق سلام ايرلندي ينهي حالة الصراع الدامي التي استمرت طوال هذه السنوات والتي شهدت عمليات عنف وكفاح مسلح وراح ضحيتها الكثير من الضحايا الابرياء ... هذا الاتفاق الذي تم التوصل اليه والذي اعطى للايرلنديين سلطة الحكم الذاتي قد وجد قبولا كبيرا من مختلف الاطراف سواء البريطانية والايرلندية, او الاوروبية والدولية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية التي شاركت في صنعه من خلال دور الوسيط المساعد في تقريب وجهات النظر, والتي اعلن رئيسها بيل كلينتون ترحيبه بالاتفاق وطلب المضي قدما في تنفيذ بنوده ووصفه بانه خطوة ايجابية وتاريخية نحو تحقيق السلام الدائم في ايرلندا الشمالية, ورغم ان الاتفاق قد وجد مثل هذا القبول الدولي وانه حقق الكثير من مطالب الاطراف المختلفة وجاء بناء على رغبتهم وارادتهم, فالملاحظ ان هناك بعض الصعوبات والعراقيل التي قد تعترض طريق تنفيذه, واهمها عملية نزع اسلحة الجيش الجمهوري الايرلندي وبعض المليشيات الاخرى وهذا الامر قد يؤثر كثيرا على تنفيذ الاتفاق. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم, والدكتور عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لاستجلاء الامر فيما يتعلق باتفاق السلام الايرلندي وماهي توقعات المستقبل بالنسبة لتنفيذه؟ وهل تنجح عملية نزع الاسلحة من الجيش الجمهوري الايرلندي والميليشيات الاخرى؟ وطبيعة المواقف الاوروبية والدولية وخاصة من جانب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق, وهل يمكن ان تفضي تجربة الحكم الذاتي لايرلندا الى استقلال تام في المستقبل؟ فترة طويلة بداية يرى الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم انه من الصعب ان تستقر الأحوال في ايرلندا الشمالية سريعا برغم الاتفاق الاخير لأن الصراع قد استمر هناك لفترة طويلة وله أكثر من بعد سواء البعد الوطني المرتبط بغاية عليا هي وحدة الجزيرة الايرلندية, أو البعد الطائفي المتصل بالصراع التقليدي بين الكاثوليك والبروتستانت في الجزر البريطانية والمفترض حتى الآن ان كلا من الحزب البروتستانتي اقوى احزاب ايرلندا الشمالية والجيش الجمهوري الايرلندي يسعيان لوقف الحرب الأهلية التي كانت في ايرلندا الشمالية, ولقد كان الحزب الاتحادي البروتستانتي ماهرا في قبول مشاركة (الشين فين) في الحكومة التنفيذية المرتقبة في ايرلندا الشمالية, وربط هذه المشاركة بتسليم اسلحة الجيش الجمهوري ووقف نشاطه المناهض, لكن هناك تعقيدات عدة اولها ان الجيش الجمهوري لم يتعهد حتى الآن بموعد محدد لاكتمال نزع أسلحته, وثانيها ان ديفيد تريمبل زعيم الحزب الاتحادي البروتستانتي قد أعلن صراحة انه لا حكومة تنفيذية الا بعد نزع سلاح الجيش الجمهوري, والنقطة الثالثة وهي ان جيري ادامز زعيم (الشين فين) ربط بين نزع السلاح وسحب القوات البريطانية من المناطق الحضرية في ايرلندا الشمالية الى قواعد عسكرية محددة مع تخفيض حجم سلاح القوات البريطانية في ايرلندا الشمالية, ويطلب ادامز ازالة نقطة المراقبة الأمنية في مداخل المدن الايرلندية ووقف الدوريات البريطانية داخل المدن, كما يطالب ادامز بأن تتزامن اجراءات تخفيض الوجود العسكري البريطاني وتسليحه في ايرلندا الشمالية مع نزع سلاح الجيش الجمهوري الايرلندي وهو الامر الذي ترفضه بريطانيا حتى الآن, وان كانت قد قبلت من حيث المبدأ تقليص ظهور الوحدات البريطانية في المدن الايرلندية ولذلك فانه من الصعب الحكم على الموقف فيما يتعلق بالتطورات الايرلندية قبل نهاية يناير المقبل وهو الموعد المبدئي لنزع اسلحة الجيش الجمهوري والذي تتابعه لجنة دولية برئاسة الجنرال الكندي جون ديشاستين. خطوة جيدة ويعتقد اللواء صلاح الدين سليم ان الحكم الذاتي شبه الكامل الذي حصلت عليه ايرلندا الشمالية بموجب الاتفاق الاخير بعد خطوة جيدة لكنها لاتحقق مطالب الجيش الجمهوري الايرلندي الذي كان يسعى لأن تتمتع ايرلندا الشمالية بسلطة تشريعية مثل تلك التي تحظى بها اسكتلندا, ومع ذلك فان الجيش الجمهوري الايرلندي يدرك ان حلمه في الانفصال عن التاج البريطاني والوحدة مع ايرلندا الجنوبية لقيام دولة مستقلة في الجزيرة الايرلندية بكاملها ليس بالامر المتاح في المدى القريب اي خلال سبع الى ثماني سنوات مقبلة فلا يزال الجمهوريون في ايرلندا الشمالية اقلية ويعانون من ان نحو ثلثي شعب ايرلندا الشمالية ممن يدينون بالمذهب البروتستانتي ويوالون التاج البريطاني يكتفون بالحكم الذاتي ويرون ان قيام نظام فيدرالي في بريطانيا لا يزال موضوعا مبكرا وبالتالي فان انفصالهم عن بريطانيا وتوحدهم مع ايرلندا الجنوبية ليس مطروحا في فكر الاتحاد البروتستانتي خلال المدى المتوسط من 15 الى 20 سنة, والمتوقع ان يتأخر نزع سلاح الجيش الجمهوري الايرلندي شهورا طويلة وان تحدث بعض الاضطرابات في ايرلندا الشمالية قبل تشكيل الحكومة التنفيذية في الشتاء المقبل. المصالحة الوطنية واشار اللواء صلاح الدين سليم الى ظهور بعض الاتجاهات في بريطانيا تهاجم موقف بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ومن الوحدة الاقتصادية والنقدية داخله, ويمكن ان تجد هذه الاتجاهات دعما من عدة دول اوروبية الى جانب الدعم الامريكي لتمتع ايرلندا الشمالية بسلطات تشريعية تتيح درجة من المصالحة الوطنية داخل هذا الجزء من الجزيرة الايرلندية وتقلل من نفوذ الجيش الجمهوري الايرلندي الداعي لوحدة ايرلندا, وسوف يواجه هذا الجيش مصاعب مادية في حركته السياسية نتيجة توقف التمويل الذي يتلقاه سواء من داخل بريطانيا أو الجماعة الاوروبية او بعض الدول التي اشتهرت بتأييدها لحركات التحرير الوطني ومنها ليبيا التي اوقفت دعمها للجيش الجمهوري بعد الاتفاق على استئناف علاقتها الدبلوماسية مع بريطانيا. حماية المصالح الغربية وحول موقف الولايات المتحدة من اتفاق السلام الايرلندي وخاصة انها كانت تقوم بدور الوسيط يقول اللواء صلاح الدين سليم: الولايات المتحدة الامريكية تهتم ببريطانيا اهتماما خاصا فهي تعتبرها الدعامة الرئيسية المؤيدة لوجهة النظر الامريكية في الامن الاوروبي وفي ممارسة التدخل العسكري والسياسي لحماية المصالح الغربية في شتى انحاء العالم الى الحد الذي يمكننا فيه ان نقول ان بريطانيا تمثل اعلى حالات التبعية السياسية والامنية في العالم للسياسة الامريكية, وتعتبر الولايات المتحدة ان استقرار بريطانيا يمثل عنصرا رئيسيا في المصالح الامنية الامريكية في اوروبا, وتميل الولايات المتحدة الى التحرك البطيء نحو شكل فيدرالي او اتحادي في المدى المتوسط يطابق ما هو موجود في الولايات المتحدة ذاتها ويوقف تطلعات الاستقلال سواء في ايرلندا او اسكتلاندا. الاعتبارات الطائفية اما الدكتور عماد جاد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فقد حرص في البداية على ان يوضح ان المشكلة الايرلندية التي امتدت تداعياتها لمدة 25 عاما كاملة, هي جزء من التعقيدات الخاصة والصراعات التي تتدخل فيها الاعتبارات الطائفية, وان هذه الاعتبارات كانت وراء تمييز ايرلندا الجنوبية عن الشمالية, وبالتالي لم يتسلم الكاثوليك لهذا الوضع ونظموا عملية المقاومة المسلحة للحصول على ما يسعون اليه من الانفصال عن التاج البريطاني, وعموما فانه فيما يتعلق بالصراع الايرلندي الشمالي هناك نقطة هامة وهي ان نموذج ادارة الصراع هناك كان مختلفا تماما عن الصراعات الاخرى التي شهدتها القارة الاوروبية, حيث تم التعامل مع الصراع بشكل مغاير لما تم في مقاطعة الصراعات الاخرى مثل كوسوفا والبوسنة, فقد كان هناك توجه او تسليم من جانب القيادات السياسية الايرلندية, وكذلك من جانب الحكومة البريطانية بقيادة توني بلير ومن قبله جون ميجور, بأن التسوية السلمية هي الطريق الوحيد لحل القضية وان هذا الصراع لا يمكن حسمه وحله من خلال القوة, ولذلك تم انتهاج سياسة النفس الطويل من جانب جميع الاطراف حتى تم التوصل للاتفاق الاخير, لقد كان واضحا تماما انه ليس واردا على الاطلاق استخدام القوة من جانب طرف خارجي ضد الطرف الذي يرفض الاتفاق والتجاوب مع ما يتم التوصل اليه من حلول فيما يتعلق بالمشكلة الايرلندية, والتعامل فيما يتعلق بهذه القضية كان مختلفا لأسباب عديدة منها انه يدور على اراضي بريطانية ايرلندية وهي جزء من الحضارة الانجلوسكسونية وهناك حرص كبير على الا يكون هناك تورط في صراع دموي همجي يعكس صورة سيئة عن هذه الحضارة في هذا الوقت, ايضا تم مراعاة ان الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت هو امتداد لصراع تاريخي ويتطلب درجة عالية من ضبط النفس والوعي عند التعامل معه, كذلك وضح منذ البداية ان الذين بيدهم الامر فيما يتعلق بالسعي لحل هذه المشكلة استبعدوا منذ البداية فكرة واسلوب فرض ارادة التسوية على اي طرف من الاطراف بالقوة او الضغط او الاكراه كما حدث في مناطق اخرى. وفيما يتعلق بتوقعات المستقبل بالنسبة لاتفاق السلام الايرلندي الذي تم توقيعه مؤخرا يقول الدكتور عماد جاد: حتى نتحدث عن المستقبل والتوقعات بالنسبة للاتفاق الايرلندي لابد ان نوضح ان هذا الاتفاق كان اراديا وتم بين القوى الرئيسية داخل الجانبين الحكومة البريطانية والاحزاب المؤيدة لاستمرار التاج البريطاني من جانب, والطرف الكاثوليكي من جانب اخر, ولم تعارضه سوى بعض الجماعات الهامشية الصغيرة التي لا يوجد لها ثقل سياسي كبير, ايضا لوحظ ان ما يمكن ان يواجهه الاتفاق من مشاكل وصعوبات تم طرحه في الفترة الماضية وقبل توقيع الاتفاق الاخير وتم التوصل بشأنه الى الصيغة التي تلبي معظم رغبات الاطراف, اي انه كان هناك تمهيد وارضية كبيرة مشتركة حدثت خلال المفاوضات وتم التغلب على الكثير من المشكلات التي قد تواجه الاتفاق مستقبلا وتؤدي إلى وجود حالة من عدم الاستقرار, لهذه الأسباب بالاضافة لوجود رغبة دولية في انجاح الاتفاق فإنه من المتوقع مستقبلا الاستمرار في تنفيذ الاتفاق وصموده وبالتالي انهاء مرحلة من مراحل التاريخ والصراع الدامي بين الكاثوليك والبروتستانت في القارة الأوروبية, الاتفاق يعد خطوة هامة, وهناك حرص من جميع الأطراف على ان تنجح لأن فشلها يعني العودة إلى عدم الاستقرار وإلى الصراع الدموي الذي لا يرغب فيه حاليا أي طرف من الأطراف. وحول رأيه في امكانية ان تنجح عملية نزع الأسلحة من الجيش الجمهوري الايرلندي والميليشيا الأخرى حيث معروف ان ذلك يمثل احدى المشكلات التي تعيق تنفيذ الاتفاق, يرى الدكتور عماد جاد ان عملية نزع الأسلحة هي خطوة في طريق تنفيذ الاتفاق ولا يمكن ان تؤدي إلى حدوث انتكاسة في التنفيذ, لقد اتفق الجميع ولديهم الرغبة في نجاح الاتفاق وأي مشكلة سوف تواجههم ومنها عملية نزع الأسلحة سوف يتم التعامل معها والوصول إلى حل بشأنها, الجميع يريدون نجاح الاتفاق الذي يمثل نوعا من الحلول الوسط بين مواقف متضاربة ومتناقضة, من الممكن ان تحدث بعض الضغوط المتبادلة, والخلافات في بعض الأوقات, ولكن هذالا ينفي الاتجاه العام سيستمر في طريق تنفيذ الاتفاق وليس العكس. دون انحياز ويضيف الدكتور عماد جاد: لقد تمت مواجهة هذا الصراع والعمل على حله دون انحياز من جانب أي قوى أوروبية أو حتى الولايات المتحدة لمصلحة طرف أو آخر, كانت مواقف الأطراف جميعها هي العمل على تجاوز الأزمة وانهاء الصراع, وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يهمها وقف مثل هذا الصراع الدامي الذي يجري على أرض الحليف الأول للسياسة الأمريكية في أوروبا, أيضا لم يعد ممكنا التسامح مع وجود صراع من هذا النوع على جزء من أراضي القارة الأوروبية, لذلك كان الواضح ان هناك حرصا على ضرورة حل هذا الصراع, وكانت للمواقف التي اقدمت عليها ادارة الرئيس بيل كلينتون تأثيرها الفعال على الموقف, لقد استقبل الرئيس الأمريكي جيري آدمز زعيم الجناح العسكري السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي في واشنطن وكانت هذه رسالة واضحة للحكومة البريطانية ان الطرف الأمريكي يريد انهاء الصراع وانه يتعين على الحكومة البريطانية التجاوب مع الحد الأدنى من مطالب الجانب الكاثوليكي, ومن هنا كانت مهمة الوسيط الأمريكي جورج ميتشيل الذي قام بتقريب وجهات النظر وتقديم الحلول للأطراف المختلفة, ومن دون الانحياز لطرف على حساب الطرف الآخر, لقد كان الموقف الدولي المتمثل في المواقف الأوروبية والأمريكية فيما يتعلق بالصراع في ايرلندا مسهلا ومساعداً في دفع الاطراف للجلوس الى مائدة المفاوضات دون الانحياز لطرف دون الآخر. وعن امكانية ان تفضي تجربة الحكم الذاتي لايرلندا الشمالية التي تم الاتفاق عليها مؤخرا إلى استقلال تام مستقبلا, قال الدكتور عماد جاد: الحديث عن الاستقلال التام أمر متروك للمستقبل وللتطورات التي يمكن ان تحدث في طريقة تنفيذ الاتفاق, والذي نص على بنود واضحة سوف يتم تنفيذها تدريجيا وبمرور الوقت سوف تخلق مصالح مشتركة للأطراف المختلفة من خلال تجربة التعايش معها بعد عداء طويل. ان نماذج الاتفاقات التي يتم التوصل إليها عبر تلاقي أرادات الأطراف دون ضغوط أو انحيازات عادة ما تخلق لنفسها فرصة أكبر على النجاح, وتحقيق أهدافها بشكل تدريجي بعيدا عن التحولات الفجائية حيث لا يوجد املاء من جانب طرف رئيسي على الآخرين, وهذا يعني ان كافة البدائل مطروحة وهذا ما يستقر في عقول كافة الأطراف.