عقدت في تونس مؤخرا ندوة دولية بعنوان (الطريق الثالث وتوجهات الاحزاب السياسية) نظمها حزب التجمع الدستوري الحاكم.وهذه الندوة ينظمها الحزب الحاكم كل عام قبل احتفالات تونس بيوم 7 نوفمبر الذي شهد التغيير في اعلى هرم في السلطة قبل 12 عاما, حيث تسلم الرئيس زين العابدين بن علي الحكم ونظم انتخابات رئاسية في عام 1989 ليكون رئيسا منتخبا لثلاث مرات اخرها فوزه بالانتخابات الرئاسية في الرابع والعشرين من اكتوبر الماضي. وقد افتتحت الندوة بخطاب للرئيس التونسي اكد فيه ان اختيار (الطريق الثالث) كعنوان للندوة جاء لما يشهده العالم في اواخر هذا القرن من تحولات عميقة ومتسارعة ادت الى عولمة الاقتصاد وتشكل تكتلات اقليمية عملاقة وتراجع الايديولوجيات والنماذج الجاهزة, وبروز (الطريق الثالث) كنمط بديل يقدم على اقتصاد السوق. وشارك في الندوة عدد من المفكرين والسياسيين تناولوا فكرة (الطريق الثالث) كمسلك وخيار اقتصادي ـ اجتماعي يهم كل دول العالم. وفكرة (الطريق الثالث) قديمة عريقة حيث دعا (البابا بيوس الثاني) في اواخر القرن التاسع عشر الى ايجاد طريق وسط بين الاشتراكية والليبرالية, اطلق عليه اسم (الطريق الثالث) . ولئن بدت الفكرة التي اطلقها توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاشتراكي, بمثابة القنبلة في عالم الفكر الاقتصادي السياسي, فان رصدا بسيطا لتوجهات الفكر العالمي المرافق لصمود التيار الليبرالي وتوغله في حياة البشر على حساب افول القطب الموازي يبين ان الحاجة اضحت اكثر الحاحا باتجاه احداث خط توفيقي. اصدر المفكر الماركسي الامريكي رولاند ارنسون كتابا في عام 1995 في نيويورك بعنوان (ما بعد الماركسية) كان يتمثل في محاولة صياغة برنامج مجدد ومحرك للفكر الماركسي, الذي اعتبر البعض انه بقي جامدا لعقود. وقد تزامن ارنسون مع ما اصدره الكاتب الليبرالي (ثورولستر) بعنوان: (ما بعد الرأسمالية) ليحمل ايضا هواجس فكرية اكثر منها اسلوب عمل اقتصادي وسياسي. ويضاف الى هذين العملية الكتاب الذي اصدره فرانسيس فوكاياما بعنوان (نهاية التاريخ) . هكذا بدأ التأسيس وبسرعة بدت فائقة الى الخيار الثالث او تحديد الطريق الثالث الذي يتزعمه سياسيا (توني بلير) رئيس وزراء بريطانيا (وبيل كلينتون) رئيس الولايات المتحدة. وبسرعة غير مسبوقة ايضا سارع حزب (الطريق الثالث) البريطاني الى تحويل اطروحات هذا النهج الفكري القاعد الى سياسة عملية وتنفيذية, وبشكل مفعّل ومدقق, نشر ذات الحزب افكاره ومنهجه وخطط عمله على شبكة (الانترنت) . على هذا الاساس من حيث الفكرة, وعلى اساس ان فكرة (الطريق الثالث) من حيث التجسيد قد عرفت طريقها داخل بلدان في طريق النمو ارادت ان توازن بين محاسن الليبرالية ومحاسن الاشتراكية, كان المنتدى الفكري الذي التأم في تونس, يومي 4 و 5 نوفمبر الحالي فرصة ليتبادل خبراء ومفكرون وساسة عرب دوليون الحديث حول (الطريق الثالث) . وقد قدم ستيورات وود الاستاذ في جامعة اكسفورد محاضرة القى من خلالها المزيد على هذا المفهوم الحديث. ويرفض ستيورات فكرة انقسام العالم وايضا يرفض الطبقية في المجتمعات ويرى ان ازدهار المجتمع يتم بصفة شاملة وليس على حساب او لفائدة مجموعة معينة. واضاف ان الطريق الثالث يهدف الى تقليص الفروقات بين الاغنياء والفقراء ولكنها لا تهتم بتحقيق المساواة وهي ترفض الاقصاء والتهميش. والدولة ـ في الطريق الثالث ـ لا تحل محل الفرد يضيف المحاضر: بل انها تقوم بدورها فقط المتمثل في توفير الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وتحريض الافراد على العمل والانتاج, دون ان يعني ذلك ترك الحبل على الغارب. ونفى (وود) ان يكون (الطريق الثالث) خيانة لليسار, لأنه يقوم بمقاومة الفقر بطريقة جذرية وعقلانية. وقال الصادق شعبان ـ استاذ القانون ووزير العدل السابق ـ الذي ترأس الجلسة الاولى ان تونس اتبعت الطريق الوسط, او الطريق الثالث من خلال برنامج زين العابدين بن علي الانتخابي. وشدد على ان النقطة التي وردت في برنامج زين العابدين بن علي, نجدها في صلب الطريق الثالث, بما انها تحث على العمل, وتوجد الفرص له, وتعمل على ادماج الفرد وترفض الاقصاء والتهميش. واكد المشاركون في الندوة ان الموضوع قابل للنقاش الفكري وللتنفيذ ايضا في عالم عصفت به رياح الليبرالية الصرفة او اليسار المتطرف. (البيان) استطلعت اراء عدد من الشخصيات الدولية حول الموضوع, حيث قال كريستوفر بوارك عضو الحزب العمالي البرازيلي حاكم البرازيل السابق الاستاذ بجامعة برازيليا الوطنية: (ان الطريق الثالث هي طريق مؤقت, فقد انتهت نظرية الطوباوية. وبما انه ليس لنا الان نظرة واضحة ينبغي ايجاد طريق مؤقت. سوف اناقش ملاحظات (وود) الاستاذ بجامعة اكسفورد والذي قدم توطئة توضح اسس الطريق الثالث خلال (ذات الندوة). فهنا في الحقيقة نظريتان مختلفتان. واحدة للشغال واخرى للفقراء) , وفسر محدثنا موقفه انطلاقا من خصوصية بلد ينتمي الى العالم الثالث, تثقل كاهله الديون, ويؤرقه موضوع تشغيل الاطفالوانقطاعهم عن التعليم ونتساءل: ما الذي ينبغي القيام به لتعليم كل اطفال العالم؟ واضاف ان 13% فقط من خدمة الديون يمكن ان تحل مشاكل عديدة, كاشفا النقاب ان العالم يشهد 250 مليون طفل يعملون اليوم. واضاف حاكم البرازيل السابق, انه اذا وضعنا كل الاطفال في المدارس فإن احدا لن يهيمن على احد. واضاف انه اختار مسألة الاطفال دون القضايا الاخرى, اعتقادا منه ان 6% خدمة الدين ستقضي على حرمان اطفال العالم من التعليم في نسبهم المفزعة (250 مليون طفل يشتغلون) . واضاف ان هذه الفكرة جديرة بالطرح على المؤسسات الدولية لتغيير خدمة الدين بخدمة التعليم وشدد ان بعض الحلول التي تقدمها احزاب غربية تعتنق فكرة الطريق الثالث للطفل الغربي, لن تكون بالضرورة مهمة بالنسبة للطفل في العالم الثالث مشددا ان ستارا من الذهب يفصل الاغنياء عن الفقراء في العالم عوض الستار الحديدي الذي كان يفصل القطبين وبالتالي جزأي العالم. محمد رجب عضو مجلس الشورى والحزب الوطني الحاكم بمصر قال في رده على سؤال (البيان) : لقد بدأنا الطريق الثالث قبل ان يتحدث عنه بلير لقد حرصنا على ان يكون معنا برنامج متكامل للاصلاح الاقتصادي دون اغفال الحفاظ على البعد الاجتماعي, كان من اهم ذلك ان اخذ الرئيس على عاتقه مهمة ان يكون التعليم مشروع امن قومي, اي ان امن الوطن مرتبط بقدرتنا على انجاز عملية التعليم واضاف المسئول المصري المشارك في ندوة الطريق الثالث انه لا مكان لدولة في القرن المقبل مالم تمسك بأمور ثلاثة منها القدرة التكنولوجية الفائقة. وبين ان مصر انهمكت في واقعها بحثا عن النظرية المناسبة مشددا (اننا لم نستورد نظرية ماركسية ونظرية عالمية ولم ننهمك في النظريات بحثا عن واقعنا. من جهة اخرى, بين محمد رجب ان الطريق الثالث وعلى مستوى العلاقات الدولية, يعد محاولة جادة وايجابية ما لم تستطع وتدرك الدول الصغرى والنامية ان التحدي خطير وانه مالم تهيىء نفسها بانتاج قادر على المنافسة وبدراية جيدة بالتسوق وبنظام للتعبئة والتغليف للمنتجات الوطنية.. ودعا المسئول المصري الدول العربية بالخصوص الى التكتل من اجل سوق عربية مشتركة والى خلق آلية مشتركة كي تحوز مكانا ملائما بين الدول الكبرى. ليبرالية قوامها السوق الحرة وهذا الامر يتم بايجاد طرق جديدة لهذا التصرف بالنسبة لنا كعالم ثالث وتونس منه, يتمثل لنا الامر في ايجاد طرق جديدة للاستفادة من العولمة وتكييف الاقتصاد الداخلي مع مقتضيات العولمة وما تطلبه من التزامات بمقتضى اتفاقيات الشراكة هذه تتطلب وسائل جديدة لتدخل الدولة في الاقتصاد وفي السياسة الاجتماعية وفي التجارة الخارجية بغير الوسائل التقليدية المعروفة وبالنسبة للعرقلة التي يعرفها هذا التوجه, يضيف د. دمق ان المهيمن على الاقتصاد العالمي عبر الليبرالية المتحررة والمتوحشة, لكن الولايات المتحدة تقبل مؤقتا الامر فاق بعد ضغط الرأي العام الاوروبي الذي افرز حكومات اشتراكية عبر الانتخابات. ان الطريق الثالث هو في المحصلة منهج بدون محتوى اي هو آلية وليس نظرية. وتحدث الى (البيان) الدكتور عبدالسلام دمق خبير الاقتصاد الدولي والعميد السابق لكيلة الاقتصاد بجامعة تونس حيث قال في رده: الطريق الثالث في نظري هي طريقة جديدة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية التي حدثت منذ بداية التسعين والناتجة اساسا عن سقوط المعسكر الشيوعي وبروز المنظمة العالمية للتجارة. هذه التغيرات تستوجب ايجاد طريقة جديدة للتعامل مع العولمة خارجيا ومع التنمية الاقتصادية داخليا. مع العلم ان للعولمة تأثيراً كبيراً في الاقتصاديات داخليا. ان لمفهوم العولمة عديد التوجهات تختلف من منطقة الى اخرى, فبالنسبة لاوروبا فإن الطريق الثالث معناه استعداد الاحزاب الاشتراكية للتصرف في اقتصاديات * وردت ان اندريه ليونارد عضو الحكومة والحزب الاصلاحي الليبرالي البلجيكي على السؤال بأن هناك توازنا جيدا بين الاشتراكية والليبرالية توازن يعيد الانسان الى مكانه الجيد, فرص متوازنة للجميع وتنمية لهذا اعتقد انها التجربة الاكثر جودة فهناك تداخل بين الداخلي والخارجي, فبعض دولنا عاشت التجربة والآن اعادت العولمة العالم الى قرية صغيرة, لذلك تسعى الى ايجاد توازن اقتصادي يعيد الانسان الى مكانه المهم هو الانسان الان يجب وضع فرامل لهذه العولمة لان هناك ثروات تظهر. وهناك فقر ليس هذا هو الهدف, بل تسعى لايجاد توازن لقد حان الوقت لمعالجة تلك الفوارق عبر تواصل جديد وسياسات جديدة لايجاد توازن جديد. واضافت: هناك من يبحث ويرغب في الهيمنة, لكن على الديمقراطيات ان تواجه ذلك انها ليست القوت الوحيد, وتحدثت عن التضامن وسبل الاخذ بيد الدول الاقل نموا, على اساس ان يخلق لها فرص للتعديل على الذات, على ان التضامن ضروري اوروبا فهمت ذلك ووضعت برامج للتعاون فيما بينها. تونس ـ فاطمة بنت عبد الله