منذ استقلال السودان عام 1956 برزت مشكلتان هامتان أمام اجهزة الحكم تتعلق الأولى برئاسة الدولة والثانية بوضع دستور دائم.وقد حسمت المسألة الاولى, بتشكيل مجلس للسيادة آلت اليه سلطات رئيس الدولة والسلطات الدستورية العليا. اما المشكلة الثانية فقد ظلت الى اليوم بين مد وجذر, لان الدستور الذي وضعته الحكومة الحالية, جاء في غياب القوى السياسية الرئيسية في السودان, وهناك خلاف حول الكثير من بنوده . احد مراكز الدراسات في السودان تابع مسيرة هذه القضية في دراسة تاريخية غطت الفترة منذ الاستقلال وحتى الاطاحة بحكومة الرئيس جعفر نميري في ابريل 1985. و(بيان الاربعاء) اذ ينشر مقتطفات من هذه الدراسة يسعى الى تسليط الضوء على واحدة من اعقد المشاكل في السودان. ثلاثة قرارات في جلسة اعلان الاستقلال اصدر البرلمان السوداني ثلاثة قرارات, كان اولها ضروريا لصدور قرار الاستقلال بالاجماع وهو يتعلق, بمشكلة جنوب السودان والثاني كان مهما لاستكمال مقدمات سيادة الدولة, اما الثالث فكان يهدف الى بث روح الطمأنينة في نفوس المواطنين بان دستورا دائما للبلاد سيصدر عن برلمان منتخب, وفي حينه استقر الرأى على ان يصدر البرلمان دستورا مؤقتا حتى يتم وضع الدستور الدائم, وبالفعل شكلت لجنة فنية نقحت قانون الحكم الذاتي واستبعدت منه المواد التي لاتتلاءم مع الكيان المستقل, وصدر الدستور المؤقت عن البرلمان في يناير 1956. ولعل مسألة الفراغ الدستوري والرغبة في الحصول على اعتراف دولتي الحكم الثنائي (مصر وبريطانيا) اقتضيا الاسراع في وضع الدستور المؤقت. والحقيقة ان السودان ليس استثناء في هذا الشأن, فقد عاشت دول مثل فرنسا والصين ويوغسلافيا ظروفا دستورية مماثلة من قبل. لكن الاحزاب السياسية عقب الاستقلال فشلت في تحقيق طموحات الشعب اقتصاديا واجتماعيا, وعمدت تلك الاحزاب إلى تحالفات كانت تحمل بذور فنائها, لانها كانت تتم في ظل خصومات وتمزق, وقد وقفت التركيبة القبلية للبلاد حائلا دون حصول أي حزب على الاغلبية البرلمانية التي تجنبه الائتلاف للوصول إلى سدة الحكم. برلمانية ام رئاسية؟ كان طبيعيا في ظل مثل هذه الاوضاع الا يكون هناك اتفاق حول وضع دستور دائم, علاوة على ان الجنوب اصبح يطالب بعلاقة فيدرالية مع الشمال وليس وحدة, ثم نشأت خلافات حول ما اذا كان يجب ان يصبح السودان جمهورية برلمانية ام رئاسية. لم يكن دستور 1956 سوى تعديل لدستور 1953 البريطاني, وقد سعت اللجنة التي وضعته إلى تضمينه احكاما دستورية دائمة, غير ان الانقلاب العسكري بقيادة الفريق ابراهيم عبود في 17 نوفمبر ,1958 حال دون ذلك. فضى انقلاب الفريق عبود على جميع اجهزة الحكم الديمقراطية واوقف العمل بدستور 1956 وتركزت السلطة في يد المجلس الاعلى للقوات المسلحة حتى قيام المجلس المركزي. في اليوم التالي للانقلاب, اصدر الفريق عبود امرا, اعلن فيه ان السودان اصبح جمهورية ديمقراطية, السيادة فيها للشعب وان جميع التشريعات تصدر باسم الشعب عن المجلس الاعلى الذي هو السلطة الدستورية العليا, وفي ذلك اليوم بدأت اول دكتاتورية عسكرية في السودان. حاول عبود اضفاء طابع دستوري على انقلابه فأنشأ عام 1962 المجلس المركزي كأداة تشريعية, وبدأ يتردد ان المجلس الجديد سيقدم دستورا يتناسب مع وضع البلاد وتقاليدها, لكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى تمت الاطاحة بالدكتاتورية في ثورة شعبية في 21 اكتوبر 1964. بعد ايام من انتصار ثورة اكتوبر, وتحديدا في الثلاثين منه, تم الاتفاق بين ممثلي الجبهة القومية المتحدة والقوات المسلحة, على وضع ميثاق وطني يدعو لقيام حكومة انتقالية تتولى الحكم وفق دستور ,1956 وتكون مهمتها الاولى اجراء انتخابات عامة حرة في موعد اقصاه شهر مارس ,1965 ونص الميثاق على تصفية الحكم العسكري, واطلاق الحريات, ورفع حالة الطوارىء والغاء القوانين المقيدة للحريات وتأمين استقلال القضاء والجامعة واطلاق سراح المعتقلين السياسيين. قامت الحكومة الانتقالية في اول نوفمبر ,1964 وطبقت دستور ,1956 ثم ادخلت عليه بعض التعديلات واصدرت دستور السودان المعدل لسنة ,1964 واصدرت الحكومة الانتقالية ايضا قانون انتخابات الجمعية التأسيسية, ثم تقدمت باستقالتها عقب قيام الجمعية التأسيسية في يونيو 1965. ازمة دستورية عقدت الجمعية التأسيسية اولى جلساتها في العاشر من يوليو ,1965 وبدأت اجراءات تعديل الدستور المؤقت, لكنها وقبل ان تنجز اي شيء في هذا الصدد, فجرت قضية دستورية عندما قررت حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان بتهمة الالحاد وذلك في التاسع من ديسمبر 1965. جاء قرار الجمعية بحل الحزب الشيوعي بعد ان نقل (الاخوان المسلمون) معلومات عن ان احد الطلبة الشيوعيين قال كلاما يسيىء إلى الاسلام في ندوة سياسية, كان من الواضح ان القضية كانت في اطار تنافس سياسي يسعى (الاخوان المسلمون) من خلالها إلى ابعاد الحزب الشيوعي, وقد تفاعلت تلك القضية على كل الصعد وألهبت الشارع السوداني. لكن القضاء السوداني فاجأ الجمعية التأسيسية في ديسمبر 1966 باعلانه بطلان التعديلات الدستورية التي تم بموجبها طرد نواب الحزب الشيوعي وحظر نشاطه, وقضت المحكمة العليا بعدم دستورية قرار الجمعية التأسيسية, لعدم وجود نص صريح يجير تعديل الدستور المؤقت. لكن مجلس الوزراء رفض تنفيذ قرار المحكمة العليا ففصل نواب الحزب الشيوعي من الحكومة وصادر ممتلكات الحزب ومنعه من مزاولة أى نشاط. فجرت هذه الازمة مظاهرات مؤيدة ومعارضة لقرار المحكمة, واتسمت بالعنف في كثير من الاحيان, وسجل المراقبون لتلك الفترة, ملاحظة هامة هي ان الحماس الذي قوبل به اقتراح حل الحزب الشيوعي لم يصاحبه اي حماس مماثل لتطبيق الشريعة الاسلامية, رغم ان الظرف كان مواتيا. استمر نشاط الجمعية التأسيسية في غياب الحزب الشيوعي الذي اصبح محظورا, واجازت الجمعية في 4 يناير 1967 قرارا بتكوين لجنة قومية لوضع مسودة دستور دائم للبلاد, وحددت اختصاصاتها وعضويتها التي شملت كافة الاتجاهات السياسية في البرلمان عدا الحزب الشيوعي بالطبع. مشروع متكامل للدستور خلال عام واحد تمكنت اللجنة من وضع مشروع متكامل للدستور, وفي العاشر من يناير 1968 عقدت اللجنة آخر جلساتها, وقبل عرض مشروع الدستور على الجمعية التأسيسية في اواخر شهر يناير, تم عرضه على مجموعة من علماء الفقه الدستوري المصريين, في خطوة اعتبرها المراقبون تحولا عن النهج البريطاني. بعد عرض مسودة الدستور على الجمعية التأسيسية تقدم النواب الجنوبيون بعدة تعديلات اهمها: * السودان جمهورية اشتراكية (وليس اسلامية اشتراكية) * السودان جمهورية علمانية (الاسلام والمسيحية ديانتان رسميتان للقطر). * جمهورية السودان جزء من افريقيا والعالم العربي. لكن الجمعية التأسيسية تركت الدستور وانشغلت بقضايا الصراع الذي احتدم بين احزاب الحكومة والمعارضة, والذي اسفر عن ازمة دستورية ثانية بعد مشكلة حل الحزب الشيوعي, فقد كانت المعارضة تسعى لاسقاط الحكومة, وقررت طرح الثقة بها في 8 فبراير 1968, لكن الحكومة استبقت طرح الثقة بالطلب من نوابها في الجمعية التأسيسية بتقديم استقالات جماعية, وقد اثار هذا التحايل على الدستور ازمة سياسية كبرى هزت البلاد, وعرضت التجربة الديمقراطية لمحنة جديدة, ترتبت عليها اثار خطيرة. تحت الشجرة في اليوم التالي لخطوة الحكومة اي في الثامن من فبراير, سير نواب المعارضة موكبا نحو مقر الجمعية التأسيسية, الا ان قوات الامن منعتهم من الدخول فاضطروا للاجتماع تحت شجرة في الساحة المواجهة للجمعية, واتخذوا قرارات ترفض موقف الحكومة وتصفه بانه مناف للقانون والدستور, وتضمنت القرارات الدعوة لحل الجمعية واجراء انتخابات عامة. وقد اجريت الانتخابات في ابريل 1968 وعقدت الجمعية التأسيسية الثانية اول اجتماعاتها في 27 مايو 1968, وبدأ تحرك نحو انجاز الدستور, لكن سرعان ما برز الخلاف, حيث طالبت المعارضة بمناقشة مشروع الدستور فيما قاد الحزب الاتحادي الديمقراطي اتجاها داخل الجمعية يدعو الى تشكيل لجنة جديدة لوضع مسودة دستور تستعين فيها بالمشروع السابق. سبق كل هذا ومن خارج البرلمان تكوين الهيئة الوطنية للدستور الاسلامي الكامل في منتصف مايو 1967 وقد اصدرت تلك الهيئة بيانا في يناير 1969 تدعو فيه لاتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق الدستور الاسلامي. اخيرا تم الاتفاق داخل الجمعية التأسيسية على تشكيل لجنة قومية جديدة للدستور تكون مهمتها مراجعة مواد المشروع السابق, وادخال التعديلات اللازمة وتقديم مشروعها للجمعية لاجازته, لكن بعض الاحزاب طالبت بعرض الدستور بعد اعداده لاستفتاء شعبي عام, وهو ما تعارضه الحكومة التي رأت الاكتفاء بعرضه على الجمعية التأسيسية, وبعد مشادات اتفق الحزبان الحاكمان (الامة والاتحادي الديمقراطي) على اسس الدستور الرئيسية, شرط ان تعرض بعض مواده اذا اجتاز مرحلة القراءة الثانية في البرلمان ـ لاستفتاء شعبي. خلاف على الاسس المواد التي طالبا بطرحها للاستفتاء هي: * اسلامية الدستور او علمانيته؟ * جمهورية رئاسية او برلمانية؟ * حكم اقليمي او مركزي؟ يتضح من هذا انه لم يكن هناك اتفاق حتى على اسس الدستور كما يتضح ان اللجنة الجديدة لصياغة الدستور لم تكن اكثر قومية من الاولى. وتجدر الاشارة الى انه خلال 75 اجتماعا على مدى 11 شهرا تم الاتفاق على تسع مواد فقط من مواد الدستور في حين تم تأجيل 229 مادة دستورية. وعبر سبع حكومات لم تسفر المناقشات التي دارت حول الدستور عن اتفاق على هوية الدستور هل يكون اسلاميا أم علمانيا؟. جمهورية نميري واستمر الحال على ما هو عليه من اختلاف حتى وقوع انقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969. اصدر نميري مرسومه الاول بحل مجلسي السيادة والوزراء والجمعية التأسيسية ولجان الخدمة المدنية والانتخابات, واطلق على البلاد اسم (جمهورية السودان الديمقراطية) وخول مجلس قيادة الثورة والحكومة الجديدة جميع السلطات التنفيذية والتشريعية. وفي اغسطس 1971 اصدر نميري المرسوم الخامس الذي كان بمثابة دستور مؤقت للفترة التي تلت قرار (مجلس الثورة) قيام جمهورية رئاسية وانشاء تنظيم سياسي (الاتحاد الاشتراكي) وانتخب نميري رئيسا للجمهورية بعد ترشيح مجلس الثورة له وأدى القسم في 12 اكتوبر 1971. وسادت احكام نفاذ المرسوم حتى صدور دستوره واقراره في 2 مايو 1973. * تنبيه: اغفلت الدراسة فترة مهمة وهي عندما تسلل الاخوان المسلمون الى نظام مايو وتحالفوا مع نميري عام 1983. واستطاع الاخوان اقناع نميري باصدار ما عرف بقوانين (سبتمبر الاسلامية) وتحركوا لتمرير دستور اسلامي عبر مجلس الشعب. لكن المشروع واجه معارضة في اطار الصراع بين انصار مايو وانصار التيار الاسلامي, واضطر نميري عندما احس بخطورة الوضع إلى التأكد بأن المشروع سيسقط في مجلس الشعب. وعاشت البلاد فترة عصيبة حتى تمت الاطاحة بنميري في انتفاضة شعبية في ابريل 1985. سنة تجمع بعد سقوط نميري تم توقيع ميثاق التجمع الوطني لانقاذ الوطن في الخامس من ابريل ,1985 والذي ينص على العمل بدستور 1956 المعدل في 1964. لكن ميثاق التجمع الوطني الذي تم اعلانه قبل انحياز القوات المسلحة الى الشعب, خضع لعدة تعديلات بعد انضمام الجيش للانتفاضة. كان الميثاق يدعو لتشكيل مجلس سيادة وفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات, غير ان التعديل جعل الفترة الانتقالية سنة واحدة والتخلي عن مجلس السيادة. وفي 10 اكتوبر ,1985 تم التوقيع على دستور الفترة الانتقالية من قبل رئيس واعضاء المجلس العسكري الانتقالي ورئيس واعضاء مجلس الوزراء. * الدراسة لم تشمل الفترة التي تلت الحكومة الانتقالية. والحقيقة ان الحكومات التي تولت السلطة في تلك الفترة عملت بدستور 1964 المعدل ولم تقم بأي محاولات كتابة دستور دائم, الى ان اطيح بها في 30 يونيو 1989 عقب انقلاب عسكري. دستور الترابي النظام الحالي بقيادة الفريق عمر حسن البشير قدم في مارس عام 1998 مسودة دستور جديد للسودان اجازها المجلس الوطني وطرحت للاستفتاء العام, واعلنت الحكومة عن اجازتها شعبيا. غير ان دستور حكومة (الانقاذ) الذي وضعه الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس الوطني وتم التوقيع عليه في 8 يونيو ,1998 مايزال مثار جدل في الاوساط السياسية. ويأخذ كثيرون على الدستور الجديد غموضه في بعض فقراته خاصة الفقرة الخاصة بتنظيم الاحزاب السياسية والتي تتحدث عن (التوالي السياسي) . اما الاحزاب السياسية الرئيسية فترفض الدستور الذي وضعه الترابي باعتبار انه تم في ظل نظام احادي شمولي استولى على الحكم بالقوة العسكرية. مقر مجلس الوزراء