الأصل هو ان يطفىء الماء النار, لكن ونحن على اعتاب الألفية الثالثة, قد نشاهد اشتعال النار بالماء, وربما لهذا كان موضوع المؤتمر الدولي الذي انعقد مؤخرا في مدينة كاين الفرنسية: هل ستقع الحرب من أجل المياه؟ شارك في المؤتمر عشرات الخبراء والسياسيين والباحثين من مختلف أنحاء العالم, نظرا لأهمية المياه كقضية جيوـ استراتيجية . وقد كانت (البيان) هناك حيث حاورت عددا من المسئولين والخبراء العرب المشاركين في المؤتمر بل عقدت ندوة خاصة بعد المؤتمر الذي عقد في باريس في وقت سابق بعنوان (المياه والشرق الأوسط) . وقد ضمت الندوة الدكتور ايلي خير من مركز الأبحاث الأوروبي ـ الأمريكي والدكتور محمد عجلاني من جامعة السوربون والدكتور جواد بشارة من المركز الأوروبي ـ العربي, ولهم جميعا بحوث ومؤلفات في مجال المياه وارتباطها بالأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. أما من الذين شاركوا في المؤتمر الدولي للمياه فقد حاورت (البيان) عبدالستار حسين نائب وزير الري العراقي وكامل محادين وزير الري الاردني كما استطلعت اراء العديد من المسئولين والمهتمين من العرب والاجانب الذين ساهموا في مناقشة الموضوع. خلال الندوة التي عقدتها (البيان) في باريس دار الحوار حول مسألة المياة وموقعها المستقبلي من المفاوضات العربية الاسرائيلية والعلاقات العربية التركية ودور هذا الملف في مستقبل المنطقة العربية الامني جفاف مزمن * من اين جاء التصور بأن منطقة الشرق الاوسط منطقة جفاف مزمن؟ ـ د. خير: في الواقع ان الدراسات تدل على ان كمية المياة في الاحواض الثلاثة (النيل, دجلة والفرات ونهر الاردن), توفر في المتوسط بين 160 ـ 200 مليار متر مكعب سنويا, لما يتراوح بين 135 ـ 200 مليون نسمة, يسكونون هذه المنطقة, اي بمعدل 1000 ـ 1200 متر مكعب سنويا / للنسمة, وهو ما يعادل ضعفي ما يحتاجه الفرد سنويا, ولكن المسألة ليست مطروحة بهذا الشكل, فالمياه تتركز في دولتين, ليس اكثر, وتحديدا في تركيا وحوض النيل, ولكن اذا قارنا بين معدل السكان ونسبة المياة الموجودة في منطقة الشرق الاوسط, فنرى ان السكان يشكلون خمسة في المئة من التعداد البشري بينما الثروة المائية لا تتعدى الواحد في المئة, من هنا جاء الوصف بأن منطقتنا منطقة جفاف مزمن. * جميع الكتابات عن مسألة المياه في الشرق الاوسط, الغربية, العربية والاسرائيلية, تتمحور حول عنوان صدامي مثل (معارك المياه في الشرق الاوسط, ما هي المعطيات التي يتم تبنيها عند اختيار هكذا عنوان؟ ـ جواد بشارة: المياه تشكل جغرافية سياسية للموارد, وجميع الكتابات التي تناولت هذه المشكلة ـ الاستراتيجية تتمحور حول ثلاثة تنبؤات: 1- حتمية حروب المياه في حال عدم التفاهم على توزيع الموارد المائية. 2- صراع عربي ـ اسرائيلي دائم على ادارة وتوزيع المياه الحدودية والمشتركة. 3- معادلة المياه او الحرب! وحقيقة الامر, فإن هناك جانبا اساسيا اليوم يجب التوقف عنده, لمصلحة من المعارك او المعركة حول المياه؟ وهل تكاليف هذه المعارك اقل من تكاليف استثمار المياه؟, بعد ارساء مفاهيم او تفاهم, ولا شك سنصل اليه, واذا ما نجحت المفاوضات, وسواء بين العرب واسرائيل او بين العرب, وتحديدا سوريا والعراق, وتركيا.. فإن الحرب لن تقع الا في حال اصرار الدول الغنية بالمياه على حرمان الدول الاخرى من حقها في المياه, عندها تصبح الامور مسألة حياة او موت, ونحن لم نصل الى هذا الحد. * وهل هناك خبراء يقولون ان حرب المياه في الشرق الاوسط بدأت, او انها ستبدأ بحلول عام ,2000 كما توقع بذلك الامير حسن, ولي العهد الاردني السابق؟ ـ د. عجلاني: انا ارى الامور من واقع تشاؤمي اذا صح القول او الوصف, فأنا اعتقد ان حرب المياه في الشرق الاوسط بدأت عام ,1963 اي في بداية المشروع الاسرائيلي بتحويل مياه نهر الاردن وانعقاد القمة العربية التي خصصت لهذه المشكلة. وهناك اقوال وتصريحات لكثير من القادة الاسرائيليين ومنهم وزير الدفاع السابق موشي ديان, الذي اعتبر ان في عام 1965 كان بدأ مشروع تحويل روافد مياه نهر الاردن, والذي كان الدافع الاساسي لحرب 1967. ومنذ فترة, اعترف احد القادة العسكريين المقربين من ديان, بأن الدافع الاساسي لاحتلال منطقة الجولان, كان مسألة المياه والاراضي الخصبة في تلك المنطقة. وحاليا تعتبر مسألة المياه في اسرائيل مسألة امن قومي مصيري تعادل المسألة النووية, ان لم تكن اهم من ذلك, من هنا يأتي التشدد في مشاريع المياه من قبل اسرائيل, فحفر اي بئر, وخصوصا في المناطق الفلسطينية المحتلة, خاضع لموافقة الحاكم العسكري ووزارة الدفاع الاسرائيلية. * قبل ان ندخل في مشاكل المياه مع اسرائيل, اود مناقشة المشكلة المائية مع تركيا, ما اسباب هذه الازمة بين العرب وتركيا, واقصد بالتحديد سوريا والعراق؟ الخلافات السورية ـ التركية د. جواد بشارة: يضم ملف الخلافات السورية ـ التركية عنوانين رئيسيين هما مشكلة اقتسام مياه نهر الفرات بين البلدين واتهامات انقرة لدمشق بدعم حزب العمال الكردستاني, هذا العامل الذي كان يتقدم ويتأخر تبعا لعلاقات بينهما, الى ان حصل ما حصل في الفترة الاخيرة, ووضعت سوريا حدا لنشاطات هذا الحزب, بعد تهديدات تركية لسوريا بامكان القيام بعمل عسكري. الا ان المشكلة لا تزال قائمة في ظل تفاهمات لم تف سوريا حقها, كما ترى, فيما تركيا ترى انها المالك الاساسي للمياه ولها الحق في التصرف.. هذه المشكلة اضيف اليها عنصر اخر, عندما اتهم الرئيس التركي سليمان ديميريل سوريا بأنها تحاول تدويل النزاع على مياه الفرات. اما في البعد التاريخي, فالخلاف يعود الى نهاية الخمسينيات عندما وافقت تركيا على مشاركة الولايات المتحدة الامريكية عسكريا في مواجهات التيار (الوحدوي) في مطلع ,1957 والتي مرت بمراحل عدة وصولا الى التحالف التركي ـ الاسرائيلي الذي ترى فيه سوريا تهديدا مباشرا لها وللحرب في منطقة الشرق الاوسط. وهكذا في كل مرة كانت الامور تتأزم, كانت تركيا تلجأ الى الضغط عبر مسألة المياه, التي تعتبرها تركيا سلاحا وثروة كما النفط في البلدان العربية الغنية بهذه المادة, التي تحتاجها تركيا, وتشكل فاتورة كبيرة على صعيد موازنتها الاستهلاكية العامة. * د. خير: كيف ترى الامور من منظار الباحث والمطلع على تصور الامور ان كان اوروبيا او امريكيا؟ د. خير: ظهرت مشاكل المياه بين تركيا من جانب وسوريا من جانب اخر بعد بدء الاولى في تنفيذ (مشروع جنوب شرقي الاناضول الكبير) (G.A.P, الذي يهدف الى توسيع رقعة الاراضي الزراعية المروية, وتطوير الصناعة من خلال الاستفادة من الطاقة الكهربائية التي ستولدها السدود المزمع انشاؤها, مما سيؤدي الى رفع المستوى المعيشي لتسعة ملايين تركي, منهم ثلاثة ملايين كردي يسكنون المنطقة التي يشملها المشروع, الذي يتضمن انشاء 80 سدا, و66 محطة توليد كهربائية بطاقة تصل الى 7700 ميجاواط و 86 مشوعا اروائيا تغطي مليون هكتار, ومن بين السدود الرئيسية سد قيبان وسد قرة قايا وسد اتاتورك وهو الاهم. هذا المشروع الذي اشترط البنك الدولي لتمويله, وجود اتفاقيات بين سوريا والعراق وتركيا, تبلغ كلفته 30 مليار دولار, وهذا الذي لم يحصل, مما اجبر الاتراك على تمويل المشروع بأنفسهم وبدء العمل في حوض الفرات. واصاب العلاقات بين سوريا وتركيا مزيدا من التوتر مع اعلان انقرة عن توقيع اتفاق مع مجموعة شركات لتمويل (سد بيريجيك) على نهر الفرات في نهاية ,1995 وهو على بعد 50 كيلو مترا من الحدود السورية. وهكذا تعالت الاتهامات السورية والعراقية لتركيا بحبس مياه الفرات عبر بناء السدود, من دون الاخذ بنظر الاعتبار لحاجتهما. * سوريا والعراق يطرحان مبدأ تقاسم المياه, فماذا تطرح تركيا, وهل ترفض هذا المبدأ؟. ـ د. خير: كنت سأصل الى هذه النقطة, الواقع ان هناك اتفاقا تركيا ـ سوريا وقع 1997 تسمح انقرة بمرور 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات الى سوريا, التي تحول 58 في المئة منها الى العراق, لكن كلتا الدولتين تحتجان على حجز تركيا كميات اكبر من المقررة لها, وترفض تركيا مبدأ (تقاسم) مياه نهر الفرات ودجلة وتطرح بدلا عن ذلك نظرية (الاستخدام المشترك) من جانب الدول الثلاث, كون تركيا تعتبر مياه (الفرات ودجلة) مياها تركية ولا تخضع لمبدأ التقاسم, كون النهرين ينبعان من ارضها, وكان ديميريل اكد ان (المياه هي ملك لبلاده تتصرف فيها كما تشاء) . * ولكن هل سلطات الدول على الانظمة المائية, سلطات مقيدة, ومن يقيدها؟ نظام المياه الدولية د. بشارة: هناك مصطلح (نظام المياه الدولية) , الذي حل محل وصف (النهر الدولي) تلك المياه التي تتصل بينها في حوض طبيعي حتى امتداد اي جزء من هذه المياه داخل دولتين, او اكثر, ويشمل هذه النظام, المجرى الرئيسي للنهر وروافده سواء الانمائية (المنابع) او التوزيعية (المصبات) ويعني حوض النهر الوحدة الجغرافية والطبيعية التي تكون مجرى المياه وتحدد (كم) (ونوع) المياه. ويكفي في الفقه القانوني الحديث ان يكون احد روافد النهر (النظام المائي) دوليا كي يعد حوضه دوليا, وتخضع عملية تنظيم المياه الدولية للمبادئ العامة للقانون الدولي المكتوبة او المستقرة عرفا, واذا وجدت اتفاقات خاصة ثنائية او جماعية بين دول النظام المالي الدولي تعنى بتنظيم دول النظام او اي شأن من شئون استغلال النظام, فان هذه الاتفاقيات يصبح لها أولوية في التطبيق. هذا في الفقه والقانون, ولكن للأسف تركيا لا تعترف بهذه المواثيق او الاعراف الدولية, لا بل تتمسك تركيا بمبدأ (هارمون) . * د. عجلاني, ما هو هذا المبدأ؟ ـ د. عجلاني: سأتناول مبدأ (هارمون) وسأحاول مقارنته مع واقعنا اليوم, اذا كان مبدأ (هارمون) , الذي يقضي بالسيادة المطلقة وخاصة للدولة على الجزء الذي يمر في اقليمها من النهر الدولي, بحيث يمكنها ان تستغله كما تشاء من دون الالتفات لمصالح الاخرين, قد لاقى بعض القبول قبل القرن التاسع عشر, فان الفقه الحديث في القرنين 19 والعشرين يجمع على ان سلطات الدول على الانظمة المائية سلطات مقيدة, وان استغلال الدول للجزء الواقع في اراضيها مشروط بعدم الاضرار بباقي دول النظام المائي وضرورة الاتفاق على كافة شئون الاستغلال التي تنال من حقوق الاخرين, الامر الذي تريد تركيا اقراره والاعتراف به. لقد وضعت معاهدات دولية واتفاقات ثابتة ومضمونة من الناحية القانونية لحماية الملاحة والتنقل بين دول حوض الراين وكذلك نهر الدانوب, اما في منطقة الشرق الاوسط فلا اتفاقيات ولا معاهدات دولية تنص على حقوق الدول في اقتسام مياه الانهار الدولية, حتى اعتبرت تركيا, وكما تفضل الاساتذة, نهر الفرات ثروة تركية تتحكم بها كما يتحكم العرب في نفطهم وهكذا تريد تركيا التحكم بالمياه, فهي التي تقرر فتح (حنفية) المياه لجيرانها وبارادتها فقط وهي التي تقرر كمية المياه, بغياب القانون الدولي, التي تصدرها لجيرانها. * ما نقاط القوة العربية في نزاعها المائي مع تركيا, وما الوسائل لتحقيق مطالبهم العادلة من نهري دجلة والفرات؟ ـ د. خير: اقرت محكمة العدل الدولية في (لاهاي) عام ,1974 مجموعة من المبادئ المتعلقة بحل النزاعات الدولية على المياه كان ابرزها: أ- حق الدولة التي تقع في الجزء الاسلف من النهر تسلم اشعار مسبق عن اي نشاط في الدول التي تقع في اعلى النهر والذي يؤثر عليها. ب- وجوب دخول الاطراف ذات العلاقة في استشارات ومداولات فيما بينها قبل البدء بأي مشروع في الحوض النهري. ج- منع الاعمال التي يمكن ان تسبب اضرارا كبرى لأي طرف من الاطراف ووجوب التعاون بين الجميع حول المشاكل المعنية. د- منع اي اعمال تؤدي الى اضرار بيئية في الدول الاخرى. هـ- ضرورة تأجيل الاعمال المتعلقة باستغلال المصادر المشتركة في حال توقع ان تكون المفاوضات بين الدول المعنية طويلة. وقد طورت لجنة القانون الدولي عام 1983 هذه المبادئ واقرت بأن يعتمد مبدأ توزيع الحصص في المياه بين دول الحوض على الاحتياجات الضرورية المتمثلة بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا نرى لابد ازاء القلق العربي من اللجوء الى المحاكم الدولية, حيث جميع العناصر متوفرة كي تكسب دعواها ضد العراق. * د. بشارة كيف تنظر الى مسألة قناة السلام او انابيب السلام التركية, ولماذا تقلق سوريا من هذا المشروع؟ ـ د. بشارة: هذا المشروع اقترحه رئيس الوزراء التركي الاسبق تورغوت اوزال عام ,1987 مما سيؤدي الى تقليص اخر في حصة سوريا المائية والاضرار بمصالحها الاقتصادية, مما ادى الى قلق سوري مشروع, وقد حاولت تركيا تبرير هذا المشروع اعلاميا حيث تحدثت عن مشاريع مماثلة حيث تشتري هونج كونج نصف حاجتها من المياه التي تستهلكها والبالغة نصف مليار متر مكعب, اي ما يقرب من 225 مليون متر مكعب من الصين عبر انابيب تنقلها.. هذا الواقع لم تشهده الفكرة التركية, اذ ان الدول التي اقترحت عليها تركيا شراء المياه لم تتحمس للمشروع نظرا لاضراره بمصالح دولتين عربيتين هما سوريا والعراق, واعتبرت المياه ذات اهمية استراتيجية لا يمكن الاعتماد على دولة آخرى توفره لها. كما ان العراق تضرر ايضا من البروتوكول الموقع بين سوريا وتركيا عام ,1987 حيث لم تتجاوز حصته تسعة مليارات متر مكعب سنويا من اصل 28 مليار متر مكعب لسوريا والعراق, ونسبة العراق او حصته تمثل نصف الحد الادنى للاحتياجات العراقية, مما يترتب عليه عدم صلاحية 165 الف هكتار للزراعة, فضلا عن مشاكل اخرى كازدياد نسبة الملوحة في المياه, ونسبة الكبريت, مما يؤثر في صلاحية المياه للعراق ليس فقط خلال فترة التدفق المنخفض ولكن في المستقبل عموما. * د. خير: كيف يمكن ان ترى المستقبل بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة اخرى, فيما يتعلق بالمياه؟ ـ د. خير: يتوقف مستقبل العلاقة بين تركيا وسوريا على التوصل الى اتفاقيات بخصوص مشكلة المياه العالقة بينهما ادت الى توترات وتدهور العلاقة بين بلدين جارين تربطهما وشائج الدين وتاريخ مشترك امتد لقرون عدة, لذلك ينبغي ان يكون لديهما اهتمام اكبر بالتوصل الى اتفاق دائم يضمن حقوق كل دولة من الدول الثلاث وانا اريد ان اذهب الى ابعد من ذلك حيث ارى ان الامريكيين في اطار التحضير لواقع جديد يتمحور حول مسألة المياه وتأمين احتياجات الدول المعنية في هذه المنطقة بما فيها اسرائيل, بحيث تقوم ادارة دولية لهذه الثروة تتيح في السنوات المقبلة وبالطبع بعد حلول السلام العربي ـ الاسرائيلي بتأمين احتياجات كل الدول واعطاء كل طرف اكثر مما يريد الحصول عليه من المياه واستبعاد اية ذريعة للنزاعات في المستقبل, وبالتالي لا اتوقع حربا أو حروبا حول المياه. * طالما نتحدث عن اسرائيل, من المعلوم ان موضوع المياه هو احدى النقاط الست في المفاوضات النهائية بين العرب واسرائيل, هل تهدف المفاوضات إلى رسم حدود جديدة لخريطة مائية ـ سياسية كتتويج لعملية السلام في المنطقة؟ سيطرة اسرائيلية د. عجلاني: منذ حرب عام 1967 و1982 واسرائيل تسيطر على مناطق مرور الانهار العربية الليطاني وإلى حباني في جنوب لبنان وبانياس واليرموك والاردن بحكم الاحتلال العسكري وهي تعلن تمسكها بالحصول على حصة الاسد من مياهها قبل الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو عام ,1967 وفي اطار اي مشروع سلام مستقبلي, اذ ان المياه بالنسبة لاسرائيل موضوع مصيري وسياسي, وما الاعلان (التوارتي) حدودك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل, هو خير دليل على حاجتها للمياه, هذه الحاجة التي لم تكن غائبة ابدا عن السياسيين والقادة الاسرائيليين عندما فكروا بانشاء اسرائيل, فكيف اليوم في ظل تناقص كمية المياه وازدياد السكان وضرورة توفر المياه, من هنا يمكن فهم المحاولات الاسرائيلية بالنسبة للمياه والمتمثلة في مشروع الحولة وجر مياه الليطاني قرب بلدة ديرميماس الجنوبية وتحويل مياه بانياس واليرموك وتفريغ القسم الغربي ـ الجنوبي من بحيرة طبريا واحداث تغيير جغرافي في مستوى البحيرة بحيث اصبحت حدودها الشمالية خارج حدود الرابع من يونيو بسبب انجراف المياه نحو حدود وعمق البحيرة الغربية ـ الجنوبية. * ما تأثير اقتطاع المياه على المواطنين العرب المقيمين في هذه المناطق المحتلة؟ د. بشارة: اسرائيل تحاول دوما الادعاء بأن الدول المعنية اي لبنان, سوريا, الاردن, لا تحتاج هذه المياه, أو لا تستغلها بطريقة جيدة ومعروفة علميا, مما يجعل الهدر هو النصيب الاكبر لهذه المياه من هنا تحاول ايهام المجتمع الدولي, وهو في الواقع مقتنع بما تقوله اسرائيل, بانها قادرة على تأمين حاجة هؤلاء المواطنين من دون استخدام هذه الموارد, التي تنظر اليها وكأنها مياه محلية, هذا الموقف يرفضه القانون الدولي واصرار اسرائيل على مواقفها يمكن, لا بل تهدد الاستقرار والسلام المنشورين في المنطقة. * هل اقتنع الاسرائيليون بأن المفاوضات هي خيار بديل عن الحروب؟ المياه والسلام د. عجلاني: تعطي اسرائيل للمياه الاولوية في العملية السلمية على اساس (المياه والسلام) فقضية المياه ليست قضية فنية وانما هي جزء من عملية السلام حسب تصريح رئيس الوفد الاسرائيلي إلى المباحثات المتعددة الاطراف, التي جرت في مايو عام 1994 فيينا, وهذا يؤكد وجهة النظر العربية القائمة على السلام العادل والشامل اولا ثم المياه, ومن المعروف ان اسرائيل تعاني نقصا حادا في مصادرها المائية وقد ازدادت حدة هذا الوضع بعد موجات الهجرة اليهودية المكثفة من دول المعسكر الاشتراكي السابق وتقدر حاجة اسرائيل إلى المياه في نهاية الثمانينيات باكثر من ملياري متر مكعب, كما بلغ العجز المائي في اسرائيل عا م1990 حوالي 350 مليون م3 والمتوقع ان يصل مع حلول نهاية القرن العشرين إلى المليار م3. وهكذا ومع محاولات اسرائيل سد العجز بوسائل عديدة, منها استمطار غيوم اصطناعية, تحلية مياه البحر, معالجة مياه المجاري واستخدام الطرق الحديثة لري اراضيها, غير ان جميع هذه الوسائل اثبتت عدم فاعليتها, وبالتالي لن يبقى امامها برأي الا المفاوضات. * ماذا عن سحب المياه بالسفن من تركيا؟ د. خير: لقد وقعت اسرائيل اتفاقا طويل الامد مع تركيا لتزويد اسرائيل بكمية من المياه تتراوح بين 250 ومليون م3 سنويا عن طريق السحب بالسفن بواسطة مستوعبات بلاستيكية, الا ان مصادر اكدت فشل هذه العملية. وهكذا بسبب اهمية المياه في الحاضر والمستقبل, اصرت اسرائيل منذ بداية مؤتمر مدريد على ادخال بند المياه في ملف المفاوضات الثنائية والمتعددة, والغرض من ذلك تأمين المياه لنفسها في شكل كاف ومنتظم واقناع الدول العربية بالتخلي عن الاعتبارات السياسية لمصلحة الحسابات الاقتصادية والدخول مع اسرائيل في مشاريع تنموية مشتركة كفيلة مع الزمن بجعل المياه اساسا لارتباط اسرائيل عضويا بالشرق الاوسط واندماجها في البيئة العربية. * هناك مفهومان في المنطقة: تركيا تروج مبدأ الاستخدام المشترك للمياه فيما الدول العربية تطالب بادارة توزيع المياه, اين اسرائيل من هذه الطروحات؟ د. بشارة: لقد تبين من خلال الحلول التي دأبت اسرائيل على وضعها, انها لا تهدف إلى اقتسام مصادر المياه المشتركة بين اسرائيل والدول المجاورة بل إلى الاستيلاء على كل المياه المتوفرة في المنطقة والسعي لدى الغير وبأموال الغير, لتأمين مصادر مائية يستفيد منها العرب على ان تتحكم هي بها وتسيرها حسب مصالحها, وانطلاقا من هذه الفكرة راحت اسرائيل تطرح مشاريع ومخططات مائية منها مشروع القناة العازلة في الجولان ومشروع نقل المياه من تركيا ومشروع الابراج الحرارية لتحلية المياه, كما احيت مشروع قناة البحرين (المتوسط والميت) بصيغة جديدة. ان التسويات المائية تبقى في نهاية الامر جزءا لا يتجزأ من الترتيبات الاقليمية. * كيف تقيمون التعاون العربي ـ العربي, وهل يوفر ذلك الامان المائي للعرب وكيف؟ د. خير: من خلال استعراض واقع المياه المشتركة بين الدول المجاورة لاسرائيل يبدو جليا اهمية ورقة المياه في العملية السلمية, كما توضح تجربة السلام الاردني ـ الاسرائيلي في هذا المجال, اهمية التعاون والتنسيق العربي في العملية السلمية, الامر الذي يؤمن ضمانات اقوى للحصول على الحقوق المشروعة من دون تنازلات جائرة على حساب الطرف العربي, والتنسيق بين الدول المتاخمة لاسرائيل يبدو حاجة ملحة للحد من التمادي الاسرائيلي. * سؤال اخير, هل مفهوم (مياه عادلة) قد يساهم في التخفيف من حدة الخلافات بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة اخرى, واسرائيل ايضا؟ وكيف تتصور المستقبل؟ د. عجلاني: لقد بات واضحا ان المشكلة الاساسية ان بالنسبة لتركيا أو اسرائيل, هي قبولهما بالقانون الدولي واقتناع البلدين, بمواردهما المائية الداخلية وحصتهما العادلة والمعقولة من المياه الدولية المشتركة مع دول الجوار, التي يمكن ان تحصل عليها بعد اقرار التوازنات في المنطقة, ولاسيما بعد تحقيق عملية السلام العادل والشامل وتطبيق مبدأ الارض مقابل السلام. وفي مدينة (كاين) وعلى هامش المؤتمر الدولي للمياه حاورت (البيان) اولا نائب وزير الري العراقي عبدالستار حسين. * هل ستكون المياه, أو ستشكل عامل حرب في المستقبل, ولاسيما في منطقة الشرق الاوسط, وبالتحديد بين العراق وسوريا من جهة وتركيا من جهة اخرى, وعندما نتحدث عن هذه الازمة, لماذا نختار عنوانا صداميا (مثل المعركة أو الحرب حول المياه) ما هي العناصر التي يتم تبنيها, في مثل هذه العناوين؟ حسين: بداية الذي يجنبا الحروب وخصوصا في موضوع يتعلق بحياة الشعوب, والتي عنصرها الاساسي هي المياه. العراق كما هو معروف يقع في اسفل نهري دجلة والفرات ومصادره المائية تأتي من خارج حدوده, وبشكل اساسي من تركيا, وهما من الانهار الدولية المشتركة حسب ما عرفته مبادىء القانون الدولي وقانون المجاري المائية الذي اقر في الجمعية العمومية للامم المتحدة, لذا نحن نتطلع إلى أن نتفق مع الجارة تركيا للوصول إلى قسمة المياه بشكل معقول وعادل بين البلدان الثلاثة, وتحسبنا ينطلق من المشاريع التركية بسدود وخزانات واستصلاح اراض وايصال المياه إلى اراض لم تكن مروية سابقا, كل هذه المشاريع, والتي تنفذ في اطار مشروع GAP يؤثر بشكل كبير على حصة العراق من المياه مستقبلا. اذن المشكلة ليست الان, انما في المدى المستقبلي عند انجاز المشاريع التركية في حدود عام 2010, لذا نحن ننظر إلى هذا الموضوع من زاوية ضرورة ان نجلس مع تركيا وسوريا للوصول إلى اتفاق خصوصا وان هناك اتفاقا عقد عام ,1980 لتشكيل اللجنة الفنية المشتركة بين البلدان الثلاثة, والتي كان من اولى مهماتها الوصول إلى اتفاقا لقسمة المياه, ومنذ عام 1980 وحتى الان عقدت 16 اجتماعا تفاوضيا بين العراق وسوريا وتركيا ولم نصل إلى نتيجة, بسبب تعنت الجانب التركي واصراره على ارائه التي يطرحها, والتي تتمثل بالاستخدام الامثل للمياه بمفهوم اقتصادي, وهنا الخطورة حيث الاتراك يطرحون هذا المفهوم بشكل يوظف وحدة المياه بشكل اقتصادي الى الاراضي المنتجة زراعيا بشكل امثل, وهذا يتطلب ان تقام دراسات لتصنيف التربة من حيث الخصوبة, وكما هو معروف كون العراق يمتهن الزراعة منذ الازل, ويعرف الاتراك ان الاراضي المروية في العراق من الصنف المتأخر, وليس من الصنف المتقدم, في حين الاراضي التي ستروى من مشروع GAP اراض بكر لم يصلها الماء سابقا, وبالتالي انتاجيتها ستكون اكبر, من هذا المنطلق واذا ذهبنا في الاتجاه التركي للاستخدام الامثل, فالاراضي التركية نتيجة ما ذكرت وخصائصها ستنال الحصة الاكبر كونها اراضي بكرا واكثر خصبا من الاراضي السورية والعراقية. دعوات قانونية * هناك دعوات قانونية من خبراء في القانون الدولي بغية اللجوء إلى القانون الدولي, هل تفكرون في هذا الاطار, وما هي العوائق التي حالت حتى الان دون لجوئكم إلى هذا الخيار؟ حسين: هناك في العالم اكثر من ثلاثمئة نهر مشترك وهناك اتفاقيات عقدت بين الدول لحل هذه المشكلة وهي حصة المياه وتقسيمها بين البلدان من حيث النوعية والكمية, وهذه تعتبر مؤشرات يمكن ان تعتمد من الدول الاخرى, اذا حسنت النوايا, وكما قلت قانون المجاري المائية والانهار المشتركة, منع دولة المنبع من الاستحواذ على المياه وحرمان الدول المتشاطئة الاخرى. العراق وسوريا متفقان من الناحية الفنية والتطور المشترك حول مسألة المياه وتعقد اجتماعات اللجنة الفنية بشكل دوري وسنوي في بغداد ودمشق للبحث في امكان الوصول إلى اتفاق مع الاتراك, وفي كل سنة ندعو الجانب التركي للحضور إلى الاجتماع ولكنه يرفض, وقد قاطع اجتماعات اللجنة الفنية المشتركة منذ عام 1993. * لماذا هذا الرفض وتدويل النزاع؟ حسين: باعتقادي ان الجانب التركي يسعى إلى اطالة امد المفاوضات بهدف انجاز المشاريع المخطط لها, وعند ذلك يضع العراق وسوريا امام سياسة الامر الواقع ويتحقق الضرر قبل الوصول إلى اتفاق وبالتالي تبرز المشكلة الحقيقية الآتية في عام 2010, العراق وسوريا يحاولان بشتى الوسائل ان تستعيد اللجنة الفنية المشتركة اجتماعاتها, بهدف الوصول أو التنسيق المشترك للوصول إلى اتفاق مع الجانب التركي, وكما تعلم المياه عنصر اساسي في توطيد السلام والمحبة بين الدول, لذا نحن نتطلع إلى الجانب التركي ان يعيد النظر في سياسته المائية وان نجلس سوية للوصول إلى اتفاق. * برأيكم ما هي نقاط القوة لدى الفريق العربي اي العراق وسوريا في هذا النزاع؟ حسين: نحن نتكلم ضمن مبادىء القانون الدولي, الذي يضع ويحدد ثوابت لا جدال فيها وطرق الوصول إلى اتفاقات لحل المشاكل بين الدول المتشاطئة, من هنا قوة مواقفنا هي استنادنا إلى القانون, نحن نسعى للتفاهم وفي حال فشل ذلك لا يبقى امامنا الا اللجوء إلى القوانين والمحاكم الدولية. نحن وسوريا الان نطرح فعليا مسألة تمويل المشاريع التركية ومساهمة الدول في تنفيذها, وهذا يفترض المثول إلى مقررات البنك الدولي لحل النزاعات بين الدول. * ولكن البنك الدولي رفض تمويل المشاريع التركية وبالتحديد مشروع GAP. حسين: العراق وسوريا اعترضا على المشاريع الملحقة بمشروع GAP والتي مولها البنك الدولي, الذي مول اجزاء في مشاريع مساعدة, فمشروع GAP هو مشروع استراتيجي كبير لا يشمل فقط انشاء مشاريع الري والاستصلاح والسدود وانما البنى التحتية كلها بما فيها المدارس والمستشفيات وتبليط الشوارع وانشاء المطارات لتنمية المنطقة, الانتاج الزراعي عندما يحصل كيف سيتم تصديره, هذه البنى الارتكازية لها علاقة بالـ ـGAP, البنك الدولي مول قسما من هذه المشاريع وادعى انه لم يمول مشروع GAP في الحقيقة هذه المشاريع الصغيرة والمكملة هي ضمن مشاريع GAP. اما الدول الاخرى خصوصا الاوروبية التي تساهم مساهمة كبيرة في تمويل المشاريع فقد اعتمدت تركيا صيغة المشروع الجاهز بصيغة الاستثمار, وهذا ينطبق على مشروع سر ايلسون, الذي تعتزم شركات بريطانيا والمانيا تنفيذه على ان يتم استثماره لناحية الايرادات لخمس عشرة سنة, ومن ثم تعود ملكيته الى تركيا, فنحن من خلال الجامعة العربية والمحافل الدولية من خلال المؤتمرات اعددنا صيغة مشتركة سورية ـ عراقية للاعتراض على تمويل مثل هذه المشاريع كونها تخلق نزاعات في المنطقة, طالما لم تقف الدول الثلاث على الجلوس والتفاوض والتوصل الى حلول ناجعة. * اين تقف من هذه المعادلة: الحرب من اجل المياه ام التفاهم والتفاوض هو المطلوب وهل ترى في المستقبل حربا من اجل المياه؟ ـ ليس هناك انسان يقبل بالحرب, ويكون هو راضيا على هذا المبدأ الانسان يحب السلام والعراق من الدول التي تنشد السلام لذا املنا ان تحل مشكلة المياه بشكل تفاوضي يتسم بروح التعاون بين الجيران , وان تأخذ الامور طابعها السلمي من دون اللجوء الى الحرب. * هل انت متفائل بامكان قبول تركيا مستقبلا بالتقاسم العادل للمياه مع العراق وسوريا؟ ـ المؤشرات حتى الان لا تعطي هذه الصورة, ربما يتغير الموقف لسبب ما, كأن تعي تركيا أهمية جيرانها واهميتها في المنطقة كما تعرفون تركيا الان تلعب بموضوع المياه لا بل تزاوجه مع المسائل السياسية التي تتطلبها السياسة الاسرائيلية الامريكية.. اسرائيل والولايات المتحدة تحاولان الضغط على الجانب التركي لاستخدام المياه ضد جيرانها, اذا ما استقلت تركيا بقرارها وعادت الى المنطقة والحقوق التاريخية والدين المشترك سوف لن نصل الى نتيجة. لا مشكلة مع اسرائيل ثم تحدثت (البيان) الى وزير الري الاردني كامل محادين الذي رأى ان لا مشكلة حتى الان مع اسرائيل على مستوى المياه, بعد توقيع الاتفاقات السلمية معها, والتي يعمل كل فريق عبرها والتي توضح وتحدد الشئون الفنية او تلك التي تفرض انه على الجانب الاسرائيلي ان يزود الاردن بـ50 مليون متر مكعب من المياه, اضافة الى ايجاد مصادر من مياه البحار لتحليتها, بموجب مشاريع تعاون مشتركة, وهكذا التعاون جيد في هذا الموضوع. * ولكن في الصيف الماضي الاردن عانى من مشاكل انحباس المياه وسوريا ساعدتكم؟ ـ دعني اوضح الامور, فالحق يجب ان يذكر دوما نحن ذهبنا والملك عبدالله الى سوريا, وعقدنا اجتماعات وكان لدينا نقص في المياه وتبرعت الشقيقة سوريا مشكورة بثمانية ملايين ونصف مليون متر مكعب من المياه الصيف الماضي لكن النقص جاء في كل المنطقة, حتى على سوريا, ولكن مصادر سوريا غير مصادر الاردن ومصادر اسرائيل ايضا الشيء نفسه, في بعض الدول لديهم مخزون وسدود ومصادر جوفية ومصادر سطحية اكثر من الاردن, مما يفسر النقص لدينا, اكثر من اي دولة في دول الجوار. * بالنسبة لملف المياه, وكونه ا حد عناصر الملفات الاساسية في المفاوضات متعددة الاطراف, كيف سيتم معالجة هذا الملف وهل ستقومون بالتنسيق مع الدول الاخرى؟ * انت تعلم ان هناك تفاوضا الان بين السلطة الفلسطينية واسرائيل؟ ـ وايضا الجهود تبذل لدخول السوريين واللبنانيين, وفي حال الانتهاء من هذه المسارات, يأتي بعدها ملف المياه لبحثه في ملف المفاوضات المتعددة. * هل تفكرون في تشكيل وفد عربي مشترك, ام ان تقوم كل دولة بمفردها بالتفاوض حول النقاط العالقة وابرزها المياه؟ ـ عند الانتهاء من كل الامور التي تخص كل دولة نصل الى الامور المشتركة, الان فيلتفق كل واحد على مساره وبعدها نجلس. حصتك عليك ان تأخذها بمفردك, وعند الخلاف تقوم الدول الاخرى بالمساعدة لتقريب وجهات النظر, وهذا ما قاله الملك عبدالله: جميع المسارات نحن معها, ندعمها ونعمل من اجل ان يأخذ كل فريق حقوقه. التشاور قائم حول مسألة المياه قبل معاهدات السلام وبعدها, بين جميع الاطراف, على الاقل العربية في موضوع المياه. * الوزير محادين, لماذا هذا التشرذم العربي, ولماذا لم نتوصل كعرب الى انشاء هيئات عربية متخصصة, تمارس صلاحياتها وقوتها المعنوية في النزاعات الدولية؟ ـ مسألة التعاون العربي يتمناها كل عربي من مشرقه الى مغربه ونحن سواء رضينا أم ابينا, نحن بلد واحد, امة واحدة, فيها قواسم مشتركة اضافة الى اللغة العربية الواحدة والدين, والدم, ولكن كما تعلم المسألة تعتمد على سياسة الحكام وهناك من يعتمد في سياسته على مبادئ خاصة به وهناك تناقض في هذا الاتجاه. المياه والجامعة العربية لكننا لاحظنا من خلال اجتماعات عدة للجامعة العربية ان هناك توجها جديدا باتجاه اثارة موضوع المياه في المحافل الدولية كما ان الجامعة اتخذت قرارات عديدة باتجاه مطالب تركيا بأن توقف مشاريعها طالما لم تتفق مع الدول المتشاطئة العربية. نأمل ان يعزز هذا التواصل, من خلال الجامعة العربية اتجاه تعزيز النظرة العربية المشتركة لمسألة المياه. والتقت (البيان) ايضا مروان حمادة رئيس اللجنة البرلمانية للتخطيط الوزير اللبناني السابق الذي أكد في مداخلاته في المؤتمر حول (امكان وقوع الحرب من اجل المياه) ان المياه كانت ولا تزال احدى الوسائل التي تلجأ اليها, من اجل الهدف الاكبر وهذا ما قامت به اسرائيل, حيث سيطرت على منابع المياه ومناطق مرورها في عدد من الدول العربية, بغية تأمين وجودها وازالة الشعب الفلسطيني. * السيد الوزير مروان حمادة, هل تعتقد ان اللبنانيين جاهزون لخوض مسألة المفاوضات حول المياه, وهي احدى النقاط الهامة في المفاوضات متعددة الاطراف؟ ـ اللبنانيون لن يجهزوا لبحث اي ملف قبل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من جنوب لبنان والبقاع الغربي, ومن الاراضي السورية الممثلة في الجولان. الموقفان السوري واللبناني متلازمان في هذا الموضوع, وهو موقف مقتنع بان الدخول للبحث في اي مواضيع فرعية سيعطي اسرائيل ادوات واوراق ضغط على لبنان وسوريا في مختلف الملفات متعددة الاطراف: اللاجئون, المياه والتعاون الاقتصادي, كل ذلك مؤجل الى ان تصل المحادثات الثنائية الى نتيجتها الحتمية وهي احترام القرارات التي اتخذت في مدريد, اي الارض مقابل السلام, بما في ذلك ضمان حقوق الشعب الفلسطيني. * من المعلوم ان التوتر يسود العلاقات بين السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية لماذ؟ا والا يخدم ذلك اسرائيل؟ ـ بالنسبة الى لبنان موضوع الشعب الفلسطيني وحقوقه في العودة الى ارضه له وجهان فلسطيني ولبناني, فللفلسطينيين مصلحة اساسية, لانه من حقهم, وايضا للبنانيين مصلحة اساسية لانهم يريدون ان تنحل القضية او رواسبها على ارضهم, بما يحقق الحق الفلسطيني. مياه لبنان * من المعلوم ان العمليات الحربية الاسرائيلية ضد لبنان ارتبطت دوما بالمياه, حتى ان الحدود التوراتية لاسرائيل تقوم على مفهوم الحدود المائية (حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل) برأيكم هل اسرائيل جاهزة للتراجع او التخلي عن هذا المفهوم, واستبداله بالعيش او التعايش مع جيرانها العرب؟ ـ كل المشروع الاسرائيلي مشروع استيطاني يقضي بالاتيان بيهود من خارج المنطقة وتوطينهم مكان الشعب العربي في فلسطين او حول فلسطين, وهذا يرتبط طبعا بالمياه لأن الاستيطان متعلق بالزراعة والزراعة تحتاج الى المياه. اذن المشروع العدواني الاسرائيلي مشروع يستهدف المياه, ولبنان في هذا المجال احد اهداف اسرائيل الرئيسية, هكذا كان منذ وضعت الوكالة اليهودية, في بداية القرن اهدافها المائية وادخلت فيها كل طموحاتها واطماعها في لبنان ومياهه الجنوبية كالليطاني, الوزاني والحاصباني. * السيد الوزير حمادة, دائما نسمع عن تعديات اسرائيلية وان اسرائيل تسرق المياه, ماذا فعل لبنان ازاء ذلك؟ ـ هناك شكاوى عدة امام الهيئات الدولية في الوقت الذي لا تزال فيه اسرائيل تسرق مياه الوزاني والحاصباني, من دون ان تسمح لنا باستعمال نقطة منهما.. وفي الستينيات قام الطيران الحربي الاسرائيلي بقصف المعدات اللبنانية, التي كانت تحاول ان تستغل المياه الوطنية على ارضنا. كما ان الاطماع تجاه الليطاني, وهو نهر ينبع من لبنان ويصب على الشواطئ اللبنانية في البحر الابيض المتوسط, لاتزال هذه الاطماع قائمة وواضحة والدليل على ذلك, وكما اشرت في سؤالك الى اطلاق اسماء على العمليات الحربية الاسرائيلية ضد لبنان, تتعلق بالمياه مثل عملية الليطاني في عام ,1982 وعملية الحاصباني 1978 في منطقة حاصبيا في جنوب لبنان. * من المعلوم ان تركيا تطرح الاستخدام المشترك للمياه واسرائيل تدعم هذا الطرح, فيما سوريا والعراق تطرحان التقاسم العادل, كيف ترى هذا الواقع؟ ـ من المعلوم ان اسرائيل تدعم تركيا استراتيجيا, وفي موضوع المياه, لو طبقنا المبدأ التركي بالسيادة الكاملة على المياه, لكانت كل المياه التي تصب في الاراضي الفلسطينية المحتلة اسرائيليا حاليا, هي انهار ومياه لبنانية وسورية واردنية. اذن تطالب تركيا لنفسها بشيء ولاسرائيل بعكسه, وذلك لمصلحتها, بالنسبة لسوريا والعراق, والخيار الاخر لمصلحة اسرائيل في مواجهة سوريا الاردن ولبنان. ـ هل يمكن ان نرى مشروعا طموحا على مستوى المياه كالذي نراه في دول الاتحاد الاوروبي بالنسبة لمشاريع وثروات طبيعية, اي مؤسسات ذات تخصص وطابع دولي او اقليمي والذي من شأنه ان يوفر الامان المائي العربي ـ العربي؟ استراتيجية مشتركة * بكل تأكيد المطلوب في مواجهة الاطماع الاسرائيلية, ليست فقط مواجهة هذه الاطماع بالمقاومة الباسلة التي يقوم بها الشعب اللبناني, او بالتصدي السياسي والدبلوماسي الذي يقوده الرئيس السوري حافظ الاسد, انما المطلوب ايضا استراتيجية عربية مشتركة من خلال سوق عربية ومشاريع مشتركة تضع النقاط على الحروف, وتضع العرب في مواجهة اي مشروع اقليمي مستقبلي في موقع على الاقل الند للند, ان لم نقل الموقع الافضل. * نلاحظ ان هناك مشاركة عربية في هذا المؤتمر الدولي حول المياه من المغرب الى دول المشرق مرورا بمصر, فيما اسرائيل غائبة وتركيا لديها ممثل فقط, على اي شيء يعود هذا, وهل هذا دليل على عدم عبئهما بهكذا مؤتمرات؟ ـ هم غير مبالين طبعا بكل ما يقال دوليا لانهم يضربون بعرض الحائط في كل القانون الدولي وكل القرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي, بالنسبة لاسرائيل او المعاهدات الدولية بالنسبة لتركيا وقضية الانهار. وغياب الاتراك والاسرائيليين عن المؤتمر, في نظري يعود لأن اوروبا بدأت تعرف وتدرك ان الحق مع الجانب العربي في قضايا الارض, في قضايا حقوق الشعب الفلسطيني وفي قضايا المياه. هذه بادرة جيدة وطيبة في فرنسا ان نرى الصوت العربي المتعدد في منابعه السوري, اللبناني, الاردني, العراقي, المصري والمغربي ولكنه واحد في توجهه, اي احقاق الحق لاصحابه في كل ما يتعلق بمسائل المياه. ورصدت (البيان) مساهمات بعض المشاركين في المؤتمر خاصة من الدول العربية حيث شرح وزير الري الاردني كامل محادين للمؤتمرين حاجة بلاده من المياه مؤكدا ان المياه قد تصبح هدفا او الوسيلة لاي حرب وفي اي حرب مستشهدا بالحرب في البوسنة, حيث لجأ الصرب الى السيطرة على مواقع ومصادر المياه وايضا ما حصل في الحرب الاهلية في الصومال حيث المتقاتلون قاموا بهدم الابار العائدة لاعدائهم: (هذا يلقي الضوء على حروب المستقبل, التي قال فيها الملك الراحل حسين بن طلال, ان النزاع حول المياه هو العامل الوحيد الذي قد يدفعنا الى اعادة النظر في علاقاتنا مع اسرائيل) . واوضح الوزير الاردني الذي كان متفائلا ولو بحذر حيث برر تفاؤله (بالنجاحات) الاردنية في حل بعض المسائل المتعلقة بالمياه مع اسرائيل, داعيا الى (تقاسم المياه, كما الشعوب تتقاسم الاوكسجين) . الامين العام المساعد السابق للجامعة العربية عدنان عمران ابدى تخوفه من الاحادية التي تسيطر على العالم وتوجهه ولاسيما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفتت دول الاتحاد السوفييتي مؤكدا ان القوة تسيطر على الحقوق واللاعدالة التي تنطق على مصادر واستخدام المياه, تهدد السلام العالمي بمجمله) . الوزير اللبناني مروان حمادة رأي ان الخطر الحقيقي ليس في انحسار المياه وانما في استخدام المياه في الصراعات والنزاعات كالذي قامت به تركيا مع سوريا, حيث هددت بحجب المياه عن سورية, بسبب ما ادعته تركيا بتقديم سوريا الدعم والملجأ للاكراد ولاسيما زعيمهم (اوجلان) . كما اعتبر ان لبنان الذي يوصف بغناه المائي حسب الادعاءات الاسرائيلية فهو سيواجه مشكلة انحسار المياه كالتي تشهدها الاراضي الفلسطينية المحتلة, الاردن والعراق, اعتبارا من عام 2015. واكد ان المياه هي وسيلة من اجل الهدف الاكبر, واحتلال اسرائيل الاراضي العربية لتأكيد سيطرتها على فلسطين, وما الحصار الذي قامت به اسرائيل للعاصمة اللبنانية عام 1982 سوى اسلوب واضح لاستخدام المياه لاسباب سياسية, حيث منعت القوات الاسرائيلية وصول المياه الى سكان بيروت طيلة ثلاثة اشهر, اذا المعارك ذات الهوية المائية التي قامت بها اسرائيل ضد لبنان مثل عملية الليطاني عملية الحاصباني, ماهي الا اكسسوار في المعركة الكبرى, السيطرة والتحكم بدول المنطقة. اسرائيل والديموغرافيا الوزير اللبناني ميشال اده وهو من كبار الخبراء في مسائل ونزاعات المياه والاطماع الاسرائيلية فبها رأى ان التطورات الديمغرافية ستدفع اسرائيل الى التفكير كثيرا في سياساتها الاحتلالية واطماعها التاريخية في المياه العربية, ولاسيما في لبنان والاردن وسوريا. الوزير اده, وبعد ان عرض التقارب السكاني (في عدد السكان) بين الاسرائيليين والفلسطينيين, الذين سيتضاعف عددهم في السنوات المقبلة, سأل من اي موارد مائية سترتوي هذه الكثافة السكانية. في غزة 55 مليون متر مكعب من المياه تقريبا مخصص سنويا لمليون ومئة الف شخص فيما في المقابل عشرة آلاف مستوطن اسرائيلي يستأثرون بما بين خمسة عشر الى عشرين مليون متر مكعب في العام, مشيرا الى ما قاله مدير الفريق المائي الفلسطيني ,عبدالرحمن تميمي الى ان الفلسطينيين يستطيعون ان يعيشوا مئة عام من دون بيت لحم, ولكن لا نستطيع ان نعيش يوما واحدا من دون ماء, مما يتطلب من اسرائيل ايجاد حل متوازن واعادة النظر في سياستها لان التطهير العرقي او الابعاد لم ينجحا معها في وضع سياساتها وبالتالي ليس امام اسرائيل سوى اعادة النظر في خططها. وعن مخطط اسرائيل لوضع يدها على المياه في لبنان منذ عملية الليطاني عام 1978, فشل نتيجة المقاومة, مما سيؤدي الى حرمان اسرائيل من الجهة اللبنانية من مياه الانهار الحاصباني والوزاني, اضافة لما تقوم بتحويله الى اسرائيل وبطرق غير شرعية من النهر اللبناني الليطاني اما بالنسبة للمجاري المائية والانهر في هضبة الجولان السورية التي تحتلها اسرائيل, فاسرائيل امام خيار لا بديل عنه, السلام مقابل الانسحاب من الجولان, وبالتالي التخلي عن اطماعها المائية واللجوء الى التفاهم عبر المفاوضات, واضاف على اي حال, ونتيجة لمعاهدة سلام عادلة, اصبحت عاجلا ام آجلا حتمية, اسرائيل لايمكنها ان تتصرف كما تريد في الموارد المائية ان في الجولان او في جنوب لبنان اما ما يتعلق بالاردن فوصف اذ الاتفاق الاردني ـ الاسرائيلي بشأن المياه بغير المتوازن وغير المتكافىء وتتلكأ اسرائيل لوضعه جديا موضع التنفيذ. وخلص الوزير اده الى ان الوضع كما نلاحظ متفجر الى اقصى حد, فاسرائيل لاتتوقف عن اظهار ارادتها في زيادة مواردها المائية حاليا, وفي المقابل لاتستطيع ان تمارس حاليا وضع اليد على مياه جيرانها, وانهيارات ستشمل هذه المرة البلدان العربية والاسلامية, بما فيها البلدان التي وقعت مع اسرائيل معاهدات سلام او اتفاقات تطبيع اقتصادية. (المياه ستصبح نادرة يوما بعد يوم وسترتفع اثمانها وتصبح كالبترول والغاز الطبيعي) , وهذه الندرة في المياه ماثلة بقوة في منطقة الشرق الاوسط, هكذا وصف الدكتور يوزير غاريه وهو رئيس احدى كبريات الشركات التركية المائية, غارية وبعد ان تحدث عما اسماه عدم ارتياح سوري وعراقي للنسب التي يحصلان عليها من نهري دجلة والفرات, الآتيين من تركيا, رأى ان المستقبل, ونتيجة الحاجات المتزايدة للمياه في اسرائيل, ستشهد المزيد من التعاون التركي ـ الاسرائيلي لتصدير المياه تلبية لاحتياجات اسرائيل ان عبر شحن المياه او عبر مشاريع تحلية مياه البحر, مشيرا الى ان الحل نفسه سيفرض على الدول العربية الغنية بالبترول والغاز الطبيعي, من اجل الحصول على مياه الشرب. واعلن ان بلاده (اي تركيا) مستعدة لبيع المياه, والتي يبلغ ثمن المتر المكعب منها 0.55 دولار لاسرائيل ولقبرص التركية وحتى اليونانية, عبر انابيب, حتى انه تحدث عن مشاريع تركية جاهزة لتزويد الدول العربية المجاورة او البعيدة بالمياه لقاء ثمن هذه السلعة التي تعتبرها تركيا ثروة وطنية كما النفط. الدكتور الفرنسي روبير سباج مدير العمليات الدولية في الصليب الاحمر الدولي اكد انه ولاشك هناك قلق تجاه مسألة المياه: (المياه قد تكون افضل الامور او اتعسها.. هي الحياة ولكنها ايضا الموت) . (سباج) ذكر بان هناك اكثر من مليار بشري من ستة مليارات ليس لديهم وصول الى مياه الشفة, مشيرا الى معاناة الافريقيين حيث المياه ملوثة وتحمل العديد من الامراض وحيث ان الحروب على الاقل لم تقع من اجل المياه, ولكنها ادت الى تدمير المنشآت المائية. ينبوع الحياة ودعا الى تقاسم ينبوع الحياة من دون ان ننسى التركيز على نوعيتها. وزير البيئة السابق في فرنسا بريس لالوند, رأى ان التغيير المناخي ولاشك سينعكس على المياه لذا فهذا التغيير سواء ارتفاع درجات الحرارة او انخفاضها يشكل احد ابرز المخاطر على المياه, داعيا الى تطوير المؤسسات المختصة بشئون المياه داعيا الى ارساء وترسيخ المعاهدات الدولية لادارة المياه, حيث ان السؤال يطرح مع القلق الذي يزداد نتيجة التلوث. رئيس المنظمة الدولية للحق في المياه القانوني الدولي في ايطاليا, (دانتي كيونيرا) رأى ان الادارة الجيدة للمياه يجب ان ترتكز على قوانين دولية تحمي وتقدم الضمانات من اجل الحفاظ على التغذية معربا عن امله بان تقوم كل الدول بسن القوانين المائية وتعزيز تطبيق المعاهدات والقوانين الدولية اضافة الى انشاء وزارات او هيئات او لجان في كل دولة تعنى بشئون المياه. (برنارد براكي) مدير الابحاث في مر