رغم قدم مشكلة حلايب بين مصر والسودان الا انها في كل ادوارها التاريخية لم تبلغ مرحلة مواجهة عسكرية بين البلدين الجارين ويبدو وفق قراءة متأنية لجذور الخلاف المصري ـ السوداني, انه لن تحصل اية مواجهة عسكرية طالما هناك مصالح مشتركة للبلدين في هذه المنطقة ولا تشكل المنطقة محور نزاع بين القاهرة والخرطوم الا عندما يعمد نظام الى اثارتها على خلفية تباين سياسي بين العاصمتين. وحلايب تقطنها قبائل تمتد بجذورها التاريخية في الجانبين. وتختلف الاسانيد التي يقدمها البلدان حول أحقية كل منهما للمنطقة, ورغم هذه الاختلافات والنزاع الذي يطفو بين حين وآخر على السطح الا ان البلدين لم يتخذا خطوة واحدة نحو محكمة العدل الدولية. وسوى المواجهة الحاشدة عسكرياً التي اوشكت ان تشعل فتيل معركة في حلايب عام 1994 ـ 1995 لم يذكر تاريخ النزاع حول هذه المنطقة فعلاً عسكرياً يمكن عده حرباً او معركة عسكرية.. وتطفو على السطح قصة اكتشاف البترول ومعادن ثمينة اخرى في حلايب كمبرر لتصعيد النزاع احياناً, الا ان هذه القصة لا تكاد تشكل سبباً رئيسيا اذ ان خلافاً حول المنطقة يعود الى عقود سابقة, وأسبابه كثيرة.. فما هي تاريخية هذا الخلاف وما الاسانيد التي يطرحها كل من البلدين لدعم مطالبته؟ جذور الخلاف تشير المصادر والمراجع التاريخية ان المرة الاولى التي أثير فيها الخلاف او النزاع الحدودي بين مصر والسودان حول حلايب كان في يناير عام 1958 عندما ارسلت الحكومة المصرية مذكرة للحكومة السودانية اعترضت فيها على قانون الانتخابات الجديد الذي اصدره السودان في 27 فبراير 1958. واشارت المذكرة الى ان القانون خالف اتفاقية 1899 بشأن الحدود المشتركة اذ ادخل المنطقة الواقعة شمال مدينة وادي حلفا والمنطقة المحيطة بحلايب وشلاتين على سواحل البحر الاحمر ضمن الدوائر الانتخابية السودانية. طالبت حينها مصر بحقها في هذه المناطق التي يقوم السودان بادارتها شمال خط عرض ,22 وكانت هذه هي المرة الاولى التي اعلن فيها نزاع على الحدود بين البلدين مصر ـ والسودان. وتختلف مصر والسودان في طرح وجهات نظرهما وأسانيدهما فوجهة النظر السودانية تتلخص في اثبات ان المناطق الواقعة شمال خط عرض 22 درجة صارت جزءاً لا يتجزأ من السودان وهي لم تعد ارضا مصرية. وتنطلق الحجج السودانية من عدة نقاط: اولاً: ان السودان قد تمكن فعلياً من حيازة هذه المناطق اذ ظل يدير هذه المناطق منذ اجراء التعديلات الادارية على خط الحدود الذي انشأه اتفاق 19 يناير عام ,1899 ثم انه قد مارس اعمال السيادة عليها. ثانياً: قبلت مصر ولسنوات طويلة هذه الادارة ولهذه الحدود ولم تعترض على الوضع طيلة الفترة التي سبقت الاستقلال الدو لي من الاول من يناير عام 1956 وهذا الموقف وفق المصادر يمثل سندا للسودان للتمسك بالمناطق المذكورة تأسيساً على فكرة التقادم التي تقوم على مبدأ الحيازة الفعلية وغير المنقطعة من جانب, وعدم وجود معارضة لهذه الحيازة من جانب آخر. ثالثاً: مبدأ المحافظة على الحدود الموروثة منذ عهد الاستعمار, هو سبب آخر استخدمه السودان لاثبات حقه. فقد ورث السودان حدوده الحالية ومنها حدوده الشمالية مع مصر, وتشير المصادر الى ان عددا من المنظمات الدولية والاقليمية ومنها منظمة الوحدة الافريقية تضمنت في ميثاقها اشارات الى اقرار واستمرار نفس الحدود المتعارف عليها ايام الاستعمار. ووفق المصادر نفسها ان مؤتمر الرؤساء والقادة الافارقة الذي عقد في القاهرة عام 1964 اقر هذا المبدأ. رابعاً واخيراً فإن وجهة النظر السودانية الخاصة بالنزاع الحدودي ومحاولة اثبات حق السودان في حلايب كانت تشير الى اعتراف مصر بالسودان كدولة مستقلة ذات سيادة عام 1956 ولم تتضمن اية تحفظات بشأن الحدود. الأسانيد المصرية تقدم مصر مقابل ذلك اسانيدها القانونية الدولية في منطقة حلايب وشلاتين منطلقة من: اولاً: تؤكد مصر على ان التعديلات الادارية التي جرت على الحدود المشتركة بين مصر والسودان تمت من الناحية الرسمية لاغراض التيسير للقبائل التي تعيش على جانبي خط الحدود, وهي لا تزيد عن كونها مجرد قرارات ادارية عادية صدرت استجابة لرغبات المسئولين المحليين في المناطق المتنازع عليها واقتصر اثرها على هذا الدور فقط. ثانياً: تشير مصر الى انها لم تبرم اية معاهدات او اتفاقيات دولية سواء بين مصر وبريطانيا او بين السودان ومصر في جميع المراحل الزمنية والتاريخية لاضفاء صفة (دولية) على التعديلات الحدودية الادارية. ثالثاً: ترفض مصر القول بأن مصر قد تنازلت بموجب التعديلات المذكورة عن سيادتها على المناطق المتنازع عليها والتي تقع شمال خط العرض 22 درجة, فمصر وفق المصادر كانت خاضعة لسيادة الباب العالي وكانت ممنوعة بموجب ذلك من التنازل او حتى من بيع او رهن اي جزء من اراضيها الا من خلال موافقة صريحة من الدولة العثمانية ولذلك فهي لم تستطع الاحتجاج بالنسبة للحدود مع السودان. رابعاً: تذهب الدفوعات المصرية الى ان فكرة التقادم التي يدفع بها السودان ليس مقطوعا بها وبصحتها تماماً من قبل القانون الدولي وهي مرفوضة من قبل الجانب المصري, فضلاً عن ان المدة الزمنية وفق نفس وجهة النظر لحصول التقادم هي محل اختلاف. خامساً: وفقاً لما سبق ترى مصر ان السودان يتمسك بتقادمه بمنطقة محدودة بينما السودان ما زال يدعى (بالاقليم) اذ كان تابعاً للسيادة المصرية وبهذا فهي تستخدم هذا السند ليس للاستحواذ على السودان بل لدفع حجة التقادم واسقاطها. ويرى الباحثون ان انعكاسات هذه الأزمة التي تتذبذب بين الاحتداد والخفوت يشكل خطراً على أمن المنطقة فوجود اريتريا على سواحل البحر الاحمر ومشكلة حنيش مع اليمن, وما لاسرائيل من نفوذ وعلاقات في اثارة النزاع في هذه المنطقة الحساسة يجعل من قضية حلايب نقطة الضعف في جبهة حماية عربية. فالمفروض ان تتشكل جبهة من مصر والسودان واليمن لمواجهة الاطماع الاسرائيلية في البحر الاحمر, والخلاف بأي شكل سيدمر امن المنطقة خاصة وان اريتريا تعد اصبعا صغيراً او مخلبا للقط الكبير, ناهيك عن كونها تشكل خطراً على مصالح الدولتين. ويرى الباحثون ان الدول العربية عليها ان تتدخل لفض النزاع رغم ان البلدين لم يفكرا بحل المحكمة الدولية, ورغم انهما يحاولان دائماً تهدئة الاوضاع, ولا يجب بكل الاحوال اغفال دور المنظمة الافريقية ان عجز العرب.