التقيت ومجموعة صغيرة من الاصدقاء يوم الاربعاء الماضي في عشاء خاص على شرف مدير مكتب لبنان في وزارة الخارجية الامريكية تيم لندر كينج الذي يقوم بزيارة روتينية الى بيروت اثر تسلمه منصبه الجديد في واشنطن منذ فترة قصيرة . وكان معظم الحديث يدور حول قانون الانتخابات النيابية في لبنان الى ان تلقى الضيوف مكالمة هاتفية تفيد بأن الرئيس الامريكي اعلن منذ برهة استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية من حيث توقفت, فأصبنا بشيء من الدهشة, وكان الفرح باديا على وجوه الامريكيين وقد عبرت عنه احدى الدبلوماسيات العاملة في السفارة الامريكية في لبنان بقولها: (غدا نهار جديد) . وانتقل الحديث على الفور من موضوع الانتخابات الى موضوع المفاوضات. ما حدث على طاولة العشاء هو صورة مصغرة لما حدث في لبنان. ففي حين كان اهتمام اللبنانيين منصبا على متابعة اخبار قانون الانتخابات, تحول الاهتمام فجأة الى موضوع المفاوضات وخلفياتها ونتائجها, علما بأن موضوع الانتخابات سيعود الى واجهة الاهتمامات اللبنانية قريبا. في كل حال لا أخطىء اذا توقعت بأن الانتخابات والمفاوضات هما الموضوعان اللذان سوف يستحوذان على اوفر قدر من الاهتمام طوال العام 2000. ان استئناف المفاوضات بين دمشق وتل ابيب سيتبعه استئناف المفاوضات بين لبنان واسرائيل. ولا استبعد ان يستكمل المساران حركتيهما قبل السابع من يوليو المقبل, وهو الموعد الذي حدده رئيس الوزراء الاسرائيلي لسحب جيشه من جنوب لبنان وبقاعه الغربي. في المقابل فإن موعد اجراء الانتخابات متوقع في اغسطس المقبل. وهكذا تتزامن الاستحقاقات في صيف العام 2000. ان المفاوضات على المسارين السوري واللبناني مع اسرائيل هي آخر مفاوضات بين العرب واسرائيل, والاتفاق على هذين المسارين يشكل نهاية النزاع العربي ـ الاسرائيلي الذي سيطر على مجريات الاحداث خلال القرن الماضي. وكما كان الاتفاق المصري ـ الاسرائيلي في العام 1978 هو الخطوة الاولى على طريق انهاء الحرب في الشرق الاوسط, فإن الاتفاق السوري ـ الاسرائيلي سيكون بداية السلام في المنطقة. ان لحظة الانسحابات الاسرائيلية من لبنان وسوريا هي بمثابة الاعلان عن انتقال الشرق الاوسط من عصر الى عصر وتقع الانتخابات النيابية في لبنان في قلب تلك اللحظة وكأنها تشير بدورها الى انتقال لبنان بدوره من زمن الى زمن. بالطبع لا أحد مخدوعا في لبنان ليتصور ان الانتخابات ستغير في الاوضاع, لا سيما وان اللبنانيين مختلفون حول قانونها, لكنهم يأملون جميعا ان المفاوضات, فالانسحابات هي التي ستبدل في الكثير من الحالات, لا سيما وانهم متفقون في شأنها. والحقيقة ان اللبنانيين متفقون حول موضوع المفاوضات مع اسرائيل ومنقسمون في موضوع الانتخابات. يلتقون حول ثلاثة امور: ضرورة استمرار عمليات المقاومة الى حين انسحاب الجيش الاسرائيلي من كل الاراضي اللبنانية المحتلة, تلازم المسارين اللبناني والسوري, رفض التوطين بكل أشكاله. ولكن على الرغم من هذا التوافق الاستراتيجي المهم فإن بعض الاسئلة الدقيقة ترتسم في الافق وهي تفتش عن اجوبة: ماذا سيكون مصير (حزب الله بعد الانسحاب الاسرائيلي؟ هل ينتشر الجيش اللبناني على طول حدود الهدنة مع اسرائيل ومتى؟ ما دور قوات الطوارىء الدولية؟ وما القواعد التي ستطبق على اللبنانيين الذين تعاملوا مع اسرائيل؟) . أما على صعيد قانون الانتخابات فإن اللبنانيين منقسمون الى ثلاث فئات: فئة معارضة بشكل صريح وفي طليعتها البطريرك الماروني, وفئة معترضة بشكل ضمني وتتشكل من العديد من الفعاليات التي تقر ضمنا بمساوىء القانون لكن حساباتها الانتخابية تمنعها من التعبير الصريح عن رأيها, وهي في معظمها من المرشحين الى الانتخابات, وفئة ثالثة مؤيدة وترى فيه خطوة متقدمة بالنظر الى القانونين السابقين في عامي1992 و1996. ولكن على الرغم من الاختلاف حول القانون فإن اتفاقا يبرز حول ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها الدستوري وضرورة ضمان حياد الدولة في هذه الانتخابات كما وعد به رئيس الجمهورية. في كل حال يشعر اللبنانيون انهم على اعتاب متغيرات كبيرة, وان العام 2000 سيكون عاما آخر. ولا أغالي اذا قلت ان لبنان يستعد للتحرير ولاستعادة سيادته كاملة, ويتهيأ للانتخابات وللتأسيس لديمقراطية جديدة يستحقها.