جاءت نتائج الانتخابات سنة 1993 بما لا يشتهي الحزب الاشتراكي اليمني فقد انسحبت من تحت عباءته مؤسسة هامة هي مؤسسة البرلمان التي استولى عليها الحليفان الاصلاح والمؤتمر.. ولا شك ان السبب هو غياب الخبرة لدى الاشتراكي بتكتيكات الانتخابات العامة والتي تختلف عن الانتخابات الحزبية والنقابية . وكان المؤتمر والتجمع اليمني للاصلاح قد خاضا التجربة في السبعينيات والثمانينيات. وكان بإمكان الحزب الاشتراكي واحزاب المعارضة ان يعملوا بشكل افضل ويحصلوا على نتائج افضل فالاصوات التي حصل عليها الاشتراكي كانت عالية جدا لكن لغياب الإعداد الجيد توزعت هذه الاصوات في الدوائر بشكل لم يمكنها من افراز مقاعد تتناسب مع حجمها. لم تتقبل قيادة الحزب الاشتراكي الواقع الجديد والشراكة الثلاثية التي هي في حقيقتها اثنان على واحد.. وأدرك الحزب خطأه في معارضة الحكم المحلي في بداية التسعينيات, وخطأه في عدم التنسيق الجاد مع المعارضة وقوى التحديث, وخطأه في البحث عن موقع في غير ميدانه, وكشف مواقع خلف ظهره. الواقع الجديد قاد اليمن الى ازمة سياسية حادة حيث بذلت مساع عديدة لتجاوزها والتغلب عليها, افضت هذه المساعي الى تشكيل لجنة للحوار تضم اغلب القوى السياسية المنظمة الى جانب عدد من الشخصيات وقد توصلت اللجنة بفضل توازن القوى الى اهم وثيقة يمنية هي: (وثيقة العهد والاتفاق) والتي وضعت الاسس الصحيحة لبناء الدولة الحديثة والتي كان يجب ان تكون محط اتفاق القوى السياسية عند قيام الوحدة بدلا من الاهتمام بتقسيم الوظائف وتوزيع المناصب. كان من اهم ما طرحته وثيقة العهد والاتفاق موضوع البناء المؤسسي للدولة وعلى رأس ذلك البناء الحكم المحلي.. لكن للأسف بينما كانت القوى تتحاور وتصيغ كان السيف قد سبق العذل فقد وصلت القيادة المهيمنة في الطرفين الى القرارات التي عبرت عنها احداث تلك المرحلة ابتداء من الحرب وانتهاء باعلان الانفصال. تبدلت ـ بعد الحرب ـ موازين القوى وخسر المناخ السياسي اهم عوامل البناء الديمقراطي, وخرج الحزب الاشتراكي من موقعه في السلطة وموقعه في التأثير على صناعة القرار. وانفرد المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للاصلاح بالحكم والنفوذ. وأدرك الاشتراكي بوضوح خطأ تردده في تبني الحكم المحلي منذ الشهور الاولى لقيام الوحدة أو حين الحوار حولها. ولو كان الحكم المحلي قد استقام لما قامت الحرب ولما آلت النتائج الى ما آلت اليه. فالمعركة حينها لن تكون مع حزب وانما مع المجتمع كله. التجمع اليمني للاصلاح تصور ـ خطأ ـ انه الوريث للاشتراكي. ومصيبة الاشتراكي هي من فوائد التجمع. ولهذا ظل يتخذ موقفا صلبا من الحكم المحلي على اساس ان الثمرة قد نضجت فلماذا يتوزعها مع الآخرين.. وظل موقعه أشد تصلبا من موقف المؤتمر عند انزال برنامجه الانتخابي للانتخابات البرلمانية سنة 1997. وقد أعاد بالنص نفسه الصيغة التي طرحها في برنامجه الانتخابي سنة 1993 والتي يؤكد فيها مفهومه للامركزية المرفقية التفويضية من الجهاز المركزي الى الجهاز المحلي وليس توسيع مشاركة المجتمع المحلي في ادارة شئونه.. حتى المجالس المحلية لم تكن ضمن برنامج الاصلاح. اما المؤتمر الشعبي فرغم انه أوفى بوعده بتعديل الدستور لصالح الحكم المحلي الا انه في برنامجه الانتخابي سنة 1997 قد تراجع كثيرا في موضوع انتخاب المحافظين ومديري الامن.. فاذا كان برنامجه سنة 1993 قد نص على (تطبيق نظام الانتخابات المحلية على مستوى المحافظين ومديري الامن على مستوى الجمهورية بعد اجراء التعديلات الدستورية اللازمة لذلك) فإنه في برنامجه الانتخابي سنة 1997 قد نص على تشكيل مجالس محلية واعطاء المزيد من الصلاحيات المالية والادارية للسلطات المحلية.. وأغفل تماما موضوع انتخابات المحافظين والمدراء. أغلب احزاب المعارضة قاطعت انتخابات سنة 1997 وعلى رأسها الحزب الاشتراكي اليمني.. لكن اذا ما أردنا ان نعرف أين تقف احزاب المعارضة من الحكم المحلي اليوم فيمكن ان نتبينه من برنامج مرشحها لرئاسة الجمهورية في انتخابات سبتمبر سنة 1999. لقد نص برنامج مرشح المعارضة لرئاسة الجمهورية على (اقامة حكم محلي ديمقراطي واسع الصلاحيات من خلال مجالس محلية ذات شخصية اعتبارية مستقلة على قاعدة الانتخابات المباشرة والحرة والمتساوية لهيئاته بما في ذلك المحافظ ومدير الناحية واعتباره المرتكز الاساسي لبناء الدولة اليمنية الحديثة واداة ترسيخ نهجها السياسي والمؤسسي الذي يعزز الوحدة اليمنية والوطنية ويوطد الاندماج الاجتماعي ويسرع بعملية التنمية ويؤمن حق المواطنين في المشاركة السياسية والاختيار الطوعي لمن يدير شئون حياتهم اليومية) . هذا الاتجاه الذي يعكسه برنامج مرشح المعارضة اصبح هو اتجاه اغلب القوى السياسية المنظمة وغير المنظمة بما فيها قوى داخل المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للاصلاح. وحزب رابطة اليمن الذي اغفل موضوع الحكم المحلي في برنامجه الانتخابي عام 1993 اصبح من اكثر المتحمسين للحكم المحلي الواسع الصلاحيات. وكان لمبادرة الرابطة باقامة ندوة حول الحكم المحلي الفضل في انشاء لجنة وطنية برئاسة شخصية وطنية مستقلة هو محمد عبدالرحمن الرباعي مهمتها وضع مشروع قانون للحكم المحلي يمثل وجهة نظر كل القوى السياسية التي لا تتفق مع مشروع الحكومة المتراجع حتى عما طرحه الحزب الحاكم سنة 1993. كما كان الحال مع الاشتراكي بعد انتخابات سنة 1993 كان الحال مع التجمع اليمني للاصلاح بعد انتخابات 1997 فقد تراجع الاصلاح في البرلمان لصالح اغلبية مريحة للمؤتمر الشعبي وخرج الاصلاح من المشاركة في دولاب السلطة.. وكما ادرك الاشتراكي خطأ التساهل في موضوع الحكم المحلي أدركت الغالبية من الاصلاحيين خطأ موقف حزبهم وبدأوا اليوم يقيمون من موقفهم ويقتربون اكثر من اطروحات المعارضة بينما تراجع المؤتمر عن اطروحاته المتقدمة حول الحكم المحلي والذي كان يتبنى رئيسه وبحماس كبير فكرة انتخاب المحافظين ومدراء المديريات. واعتقد انه لا يزال يحمل نفس القناعة لاخطاء المحافظين والمدراء.. لكن المتضررين والمعارضين هم القوى المتنفذة التي تشعر ان نفوذها سوف يضعف ودورها في التحكم سوف يقل وهي التي تعودت ان تأكل من الكعكة دون ان تدفع ثمنها. لا ديمقراطية بدون مشاركة الشعب في ادارة شئونه المحلية من خلال حكم محلي واسع الصلاحيات.. ولا يمكن القول بمشاريع تتراجع مسافات عن مشروع طرحته القوى الوطنية قبل نصف قرن من الزمن, والصراع قائم بين ارادتين ارادة سلطة لا تزال تحمل رواسب الثقافة الشمولية, وارادة شعبية لا سبيل لقهرها, والقضية قضية زمن.