هناك قاعدة ذهبية قديمة تقول إن من يملك يحكم, وهي القاعدة التي تستند للفكر الماركسي الذي جعل الاقتصاد أساس كل شيء.. وإن كانت فلسفة السوق والعولمة تفعل نفس الشيء الآن.من يملك يحكم, قضية منطقية.. ولكن, وفي بلادنا حيث تغيب في كثير من الأحيان قاعدة (الانتخاب) فإنه ليس شرطا أن تملك حتى تحكم ..!.. بل إن القانون العربي قد أصبح أن (من يحكم يملك).. سواء كانت التمليك ثروة مكتسبة وهو ما يحدث كثيرا لمن يكونون ثرواتهم بعد أن يصلوا الى الصفوف الأمامية.. وسواء كانت الملكية أدبية, فأنت تملك السلطة والسلطان.. الجاه والنفوذ والسلطان في بلادنا له شأن كبير, فالفرعون في مصر ـ وهذا هو التراث ـ نصف إله.. وشيخ القبيلة في الجزيرة العربية لا راد لكلمته.. ورئيس الدولة في بعض أقطارنا المعاصرة هو القانون والحق والحقيقة! هل يمكن أن تتغير هذه المعادلة ونحن نتحدث عن عصر الشعوب, وعصر الديمقراطية, وعصر المعلومات وبالتالي عصر الوعي والمعرفة؟ توقفت امام السؤال طويلا, وانا استمع لدراسة قيمة اعدها المستشار والمفكر السياسي طارق البشري. كانت المناسبة, المؤتمر السنوي لمركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة, وكان موضوع المؤتمر الخبرة السياسية المصرية في مائة عام.. لكن المستشار طارق البشري ـ وهو أحد المؤرخين المنصفين ـ حملنا في رحلة أطول عمرها مائة وخمسون عاما تحدث فيها عن تاريخ الدولة المصرية الحديثة منذ عصر محمد علي.. حتى عصر مبارك. ملاحظة اساسية للمستشار البشري أنه على مر السنين والنظم.. من ملكية الى جمهورية.. لم تتغير ظاهرة ان السلطة التنفيذية هي الأقوى.. وانه عندما انشأ محمد علي ديوان الوالي وديوان المال وديوان الجيش وديوان البحرية وديوان المدارس.. لجأ لفكرتين اساسيتين: فكرة تقسيم العمل, وفكرة تدعيم السلطة المركزية.. فالخيوط كلها تتجمع في النهاية عند الوالي.. مالك الارض, ومالك السلطة! وتغيرت العصور.. ونشأ مجلس لشورى القوانين, ثم نشأ البرلمان بشكله الحديث, وجاءت الاحزاب والمنظمات المدنية.. ولكن ظل جهاز الدولة, أو ظلت السلطة التنفيذية هي الاقوى حتى باتت السلطتان التشريعية والقضائية كأنهما فرعان من الاصل.. ولم تكتف الحكومات بما لديها من سلطات عادية بل إنها وعلى مدى ستين عاما في مصر تمتد من الحرب العالمية الثانية (1939) وحتى اليوم لم تختف احكام قانون الطوارىء إلا منذ سنوات أربع وبضعة شهور. انتهى كلام طارق البشري وأعود فأفكر فيما قال, صحيح ان الحكومة هي الاقوى, والرابطة بينها وبين البرلمانات أو مجالس الشورى ليست واضحة, والظاهرة ليست مصرية ـ كما أظن ـ لكنها ظاهرة عربية عامة, بل إن الاوضاع في مصر قد تكون افضل نسبيا. وصحيح ايضا اننا قد تابعنا مجلس الأمة الكويتي في الاسابيع الاخيرة وقد الغى عددا من المراسيم الاميرية دون حرج من أمير البلاد أو من السلطة التنفيذية. لكن الصحيح ايضا ان حكم العموم في بلادنا من المحيط الى الخليج هو ان سلطة التنفيذ أقوى من سلطة التشريع, بل أقوى من سلطة القضاء ايضا والذي يتحول أحيانا لمحاكم عسكرية.. لا راد لقضائها, ولا نقض أو ابرام! حتى باتت الحكومات هي كل شيء.. وما عدا ذلك (تنظيمات ديكور)! والحكومات هي الاقوى والاسباب كثيرة.. فالاموال في يدها رغم اصدار تشريعات برلمانية بالميزانية, وانتخابات النواب تحت إمرتها, ويعين القضاة ومرتباتهم بأمر منها. حتى المجتمع المدني الذي نتحدث عنه, أو النشاط الأهلي إذا أردنا تدقيقا أكثر يقع تحت رحمة الحكومة.. فأنت لاتنشىء حزبا لأن القانون لايسمح, ولاتنفرد بإدارة جمعية لأن الوزارة المختصة تتدخل في كل شيء.. بل وإنك لاتصدر صحيفة إلا بترخيص قد يصدر أولا يصدر,.. أما الاذاعات والفضائيات فمسموح بها خارج الاوطان, ومحظورة داخله في اغلب الاحيان! هل يمكن أن تتغير المعادلة؟.. هل يتراجع (جناب الحكومة) ليعطي للتنظيمات الشعبية ـ وهي الاصل ـ دورها؟ إنه الصراع القادم والذي يتطلب تفاعلا طويلا بين السلطات ومراجعات كثيرة بين الساسة والمفكرين. الكل في العالم يتحدث عن تراجع دور الدولة وافساح المجال للمجتمع المدني.. إلا نحن, اننا نتخلى عن الواجبات.. ونتمسك بالسلطات! إنها قصة الدولة في كل المجتمعات العربية وان جاء الحديث بمناسبة مصرية, مائة عام من الخبرة السياسية.