كما في فترة حكومة رابين بيريز, تبرز في فترة حكومة باراك مسألة دمج العرب مواطني اسرائيل بوتيرة اعلى, مقابل المساواة من خلال توحيدهم اوكما يفهمها اخرون, مقابل انشقاقهم لم تبرز هذه المسألة بهذه الحدة في فترة حكم اليمين, حيث ان الحكومات اليمينية لم تسمح بمساحات لهذه التشخيصات عندما لم تسمح بأي شكل من اشكال المساواة لقد فتحت حكومة العمل ميرتس فتحة لاشراك المواطنين العرب بمجالات شتى من الوظائف الرسمية والحكومية وفي هذا الوضع فإن الكرة قذفت الى الساحة العربية, وعلى العرب ان يقرروا هم ماذا يريدون؟ عندما تقر الكنيست قوانين تهدف الى تمثيل المواطنين العرب في المؤسسات المختلفة بتأييد حكومي, فان المطالبة بحقوق جماعية, للاقلية العربية كمجموعة, يفسرها كثيرون على انها تعبير عن الميول الانعزالية او حتى الانسلاخ. انني كمن بادر الى سلسلة من هذه القوانين, اؤيد تحويل اسرائيل الى دولة, جميع مواطنيها, اي مساواة تامة بين جميع المواطنين واطالب ايضا باستقلال ثقافي ذاتي, ومن الاهمية بمكان ان اوضح الفرق بين المساواة والدمج والحاجة لتنظيم المواطنين العرب على اساس قومي, ليس هنالك تناقض بين تحويل الدولة الى دولة جميع مواطنيها وبين الاعتراف بأن قوميتين تعيشان في هذه البلاد, بل العكس هو الصحيح ويجب ان تحمل هاتان العمليتان بعضهما البعض. نشر في معاريف مؤخرا عن كشف مثير (عرب اسرائيل يقيمون استقلالا ذاتيا) وكان (الكشف) عبارة عن وصف لفعاليات ونشاطات عدد من الجمعيات الفاعلة في الوسط وشرح سياستها ورغم الفارق, فإننا لانطالب تمثيلا في المؤسسات التي تكرس التمييز ضد العرب مثل وزارة الاستيعاب او دائرة اراضي اسرائيل, وذلك طالما لم يقر التغيير في مبناها الذي نطالب به. ان مطلب الاستقلال الثقافي يكمل المطلب لمواطنة متساوية وهو جزء منها لكنه منفصل عنها ويأتي هذا المطلب لان في اسرائيل شعبين: يهوديا, اسرائيليا ولغته العبرية, وعربيا فلسطينيا ولغته العربية, الاقلية العربية الفلسطينية هي اقلية من مواليد البلاد, فالحديث لايدور عن اقلية خلقتها الهجرة (كالاتراك في المانيا مثلا) ولهذا فلا يمكن ان يطلب الى الاقلية الاندماج في الاكثرية حقنا وواجبنا ان نصون هويتنا القومية ولغتنا وثقافتنا وان نطورها ايض.ا هل يمكن فعل هذا دون مؤسسات ملائمة؟ في الواقع الذي اتصور انه مقبول على الجميع وجود قوميتين واحدة الى جانب الاخرى هنالك حاجة لايجاد اطر تبلور هذا العيش المشترك بشكل متساو وعادل, لكون الاكثرية في الدولة اليهودية الاسرائيلية هي التي تبلور شكل الدولة, وهكذا فإن يوم العطلة الاسبوعية هو السبت, والعبرية هي اللغة الاساسية. وتعطل الدوائر تماما في اعياد اسرائيل. لكن علينا ان نتذكر ان هنالك متطلبات خاصة بالاقلية القومية العربية فلا يوجد اي سبب مثلا, لان يسيطر موظفون على شئون التربية والتعليم ينظرون في كثير من الاحيان الى العرب على انهم جماهير معادية بل يبدو لي ان الاكثرية في الوسط اليهودي توافق على ان يدير العرب هذه الشئون بانفسهم السؤال هو كيف؟ تعيين موظفين عرب وهو امر نباركه لايمكن ان يضمن ذلك اذ ان الموظف العربي المعين سينفذ سياسة السلطة ولن يهتم بالضرورة الى احتياجات الجماهير العربية, اكثر من هذا فإن خلافات في الرأي واختلافات تتعلق بجوهر هذه القضايا تسود في المجتمع العربي. اذن من الذي يقرر؟ من الذي يحدد شكل ومسار جهاز التعليم الرسمي, العربي او الاعلام العربي في اسرائيل واقتباس نشطاء مركزيين فيها, هذه الجمعيات جميعها تنشط بهدف تحقيق المساواة للاقلية العربية في اسرائيل ولمحو التمييز الذي تعاني منه هذه الشريحة من المواطنين. بالطبع لاتحظى نشاطات هذه الجمعيات بالتغطية الاعلامية اللازمة, حيث ان الجماهير العربية مهمشة, والاهتمام القليل الذي تعطيه وسائل الاعلام لما يجري لدى العرب تؤدي الى عدم التفات وسائل الاعلام لنشاطات هذه الجمعيات المهمة, حتى ان هذا الاهتمام البسيط للاسف هو من باب التهديد والعداء. في مقالة معاريف جرى ربط بين نشاط هذه الجمعيات وبين المطالبة باستقلال ثقافي للاقلية العربية في اسرائيل الذي تطرحه قوى سياسية مختلفة وعلى رأسها حزب التجمع الوطني الديمقراطي وذلك من خلال تفسير تهديدي, مغلوط ومشوه للاستقلال الذاتي. ان المطالبة بالاستقلال الثقافي وكذلك نشاط هذه الجمعيات تجرى في نطاق المواطنة المتساوية في الدولة, حيث اننا كمواطنين نطالب بتحقيق المواطنة المتساوية اولا, ولا يمكن ان تتحقق المواطنة المتساوية بشكل مطلق الا اذا تغير تعريف الدولة على انها دولة يهودية وذلك الى دولة جميع مواطنيها لكننا حتى بدون هذا التغيير الجوهري نطمح لزيادة المساواة ومحو التمييز بين جماعات المواطنين المختلفة في الدولة, لكن المساواة التي نطمح اليها لاتعني الدمج, ومن المهم التمييز بين المصطلحين. التعبير الواضح للدمج الذي لانقبله هو اشراك مواطنين عرب في السياسة الخارجية والامن الاسرائيليين اننا نطالب ان تفتح امامنا جميع الابواب ولكننا نطالب ايضا بحقنا في اختيار الابواب التي لانريد دخولها هذا الحق تفرقه اولا الذاكرة التاريخية الجمعية للاقلية العربية في اسرائيل و,كذلك كونها جزءاً من الامة العربية, التي تنشط السياستان الخارجية والامنية الاسرائيليتان في جوهرهما ضدهما, لانطالب بتمثيل مناسب في الحكم العسكري في المناطق في الشاباك او الحواجز مثلما لا نطالب بتمثيل مناسب في ادارة مفاوضات السلام, لانطالب كذلك بأن نكون جزءاً من الخارجية لتمثيل الدولة الرسمي العربي؟ التجمع الوطني الديمقراطي ام الحركة الاسلامية؟ او ربما عرب صهيونيون يجدون في الليكود تعبيرا لسياستهم؟ الحل لهذه القضية هو بانشاء مؤسسات منتخبة تتمثل فيها جميع تيارات الجماهير العربية, عندها فقط يكون لهذه المؤسسات شرعية جماهيرية ومبدئية لوضع السياسة في هذه الشئون وهذه الاطر والمؤسسات هي وحدها القادرة على اتاحة الديمقراطية والتعددية في المجتمع العربي. وهذا هو جوهر الحضارة. هذه النماذج من الاستقلال الذاتي, التعايش بين قوميتين والتعايش بين قوميات امور متبعة في اماكن كثيرة في العالم هكذا في سويسرا بلجيكا ايطاليا اسبانيا, الدانمارك وبريطانيا, كل هذه نماذج لدول ديمقراطية لكن مصطلح المواطنة المتساوية فيها معقد هناك اماكن تطالب فيها جماعات انفصالية بتطوير الاستقلال الذاتي الى دولة مستقلة, هكذا في كويباك في كندا او منطقة الباسك في اسبانيا, لكن هذه الجماعات بعكسنا لاتطالب بمساواة مدنية في الدولة ويجدر الانتباه الى ان هذه الجماعات تقوم فقط عندما تكون الاقلية القومية متواجدة في منطقة اقليمية منفصلة, وكذلك عندما يكون هنالك اقتصاد محلي منفصل نسبيا هذان الشرطان غير قائمين في واقع الجماهير العربية في اسرائيل في سلسلة من استفتاءات اجريت في السنوات الاخيرة في اماكن مختلفة ومع توسع اطار الاستقلال (كما في اسكتلندا مثلا) يفضل المواطنون, بمعظمهم الاستقلال الذاتي والمواطنة المتساوية عن المواطنة في دولة منفصلة ولاتناقض بين الاعتراف بالاقلية كمجموعة قومية لها حقوقها الجماعية وبين المساواة بين المواطنين. الاقلية العربية في اسرائيل موزعة في شتى انحاء البلاد, ليس فقط انه لايوجد تسلسل اقليمي بين المناطق التي تسكنها انما تتشابك مستوطنات يهودية وبلدات عربية في هذه المناطق بشكل لايمكن الفصل بينها هذا بدون ان نذكر المدن المختلطة التي يسكنها قرابة خمس العرب في اسرائيل. بناء الاستقلال الثقافي يتطلب تغييرات كثيرة وهي تغييرات في التشريع وسياسة الحكومة ولكن ايضا التنظيم في داخل الجماهير العربية نفسها. للأسف ليس هنالك اجماع لدى الجماهير العربية على الحاجة لاقامة هذه المؤسسات واننا نبذل جزءاً كبيرا من نشاطنا الموجه الى الجماهير العربية من اجل التوصل الى مثل هذه الاجماع. اننا نأمل في ان ينجح المجتمع العربي مستقبلا بانشاء مؤسسات حديثة لادارة ذاتية لشئونه وتزداد الاصوات ايضا لدى اليهود, المؤيدة لهذه الخطوة. وعندما تقوم هذه المؤسسات فإن المؤسسات المقامة في نطاق المجتمع العربي, وبضمنها تلك الجمعيات سيكون لها بالتأكيد دور مهم في بنائها بواسطة ابحاث ومعلومات جمعت تعريف الاحتياجات او اقامة اساس لنشاط اجتماعي تربوي وثقافي.