منذ ان استلم العرش الاردني في شهر فبراير من هذا العام, والملك عبدالله الثاني يرسل الاشارة تلو الاخرى ان همه الاول هو الاقتصاد الاردني, ولذلك تركزت جولاته العديدة التي قام بها في دول الخليج العربي, وبلاد الشام, ومصر, وشمال افريقيا, بالتأكيد على تعزيز العلاقات الاقتصادية وتأكيد الالتزام السياسي بها . وقد تكررت الصورة نفسها تقريباً في الزيارتين اللتين قام بهما الى الولايات المتحدة, وترك الملك عبدالله اثراً ايجابياً على السياسيين ورجال الأعمال هناك. ونجحت مساعيه في الولايات المتحدة في اعادة جدولة الديون الاردنية مرة اخرى, وفي زيادة مساعدات الولايات المتحدة للاردن خلال السنوات الثلاث المقبلة, وفي فتح مناطق اقتصادية مؤهلة. واما زيارته الى فرنسا فقد نجحت في تخفيف الديون الفرنسية, وبموافقة فرنسا على استبدال بعض تلك الديون (40 مليون دولار تقريباً) باستثمارات أردنية تجعل تكلفة هذه الديون حوالي نصف المبلغ ولكن النتائج لم تكن عالية في دول اخرى, مثل بريطانيا, ولكن هذه الدول تشترك مع البنك الدولي في منح الاردن قروضاً ميسرة. وانسياقاً مع هذا النهج الذي يتبعه الملك عبدالله الثاني, فإن زيارته الرسمية لكل من اليابان, وكوريا الجنوبية, والصين الشعبية تأتي لتعزز علاقات الاردن الاقتصادية مع هذه الدول. فاليابان أكبر الدول المقرضة للاردن (حوالي 800.1 مليون دولار) توافق عادة على برامج اعادة الجدولة, ولكنها لا تقبل بموجب قوانينها اي الغاء من ديونها الخارجية ومع انها فعلت هذا مع مصر, الا انها اوقفت مساعداتها بدون مقابل لعدد من السنوات بحيث عوضت نفسها عن خسارة الديون, ولذلك فإن الملك عبدالله الثاني لقي من مضيفيه اليابانيين ترحيباً ودعماً متنوعاً بمقدار (400) مليون دولار, تساوي في مزاياها مقدار الديون التي يمكن ان تعفى منها الاردن وأكثر. وقد خاطب الملك عبدالله الثاني رجال الاعمال في اليابان لكي يستثمروا في الاردن, وبخاصة القيام بتصنيع بعض السلع الالكترونية والكهربائية فيها ومن الصعب التنبؤ باستجابة اليابانيين في هذا المضمار, بسبب التروي الذي يشتهرون به, ولأنهم يريدون توازن مصالحهم في المنطقة عندما يسعون للاستثمار في الاردن. أما كوريا فهي حالة صعبة, وذلك لأن كوريا باليابان تريد معاملة خاصة لها, ولكن كوريا الجنوبية التي استفادت في بناء اقتصادها من النشاط التجاري والانشائي الذي قامت به في الاقطار العربية, خاصة ابان فترة النفط, لم تقدم شيئاً مذكوراً بالمقابل, وتستطيع كوريا الجنوبية ان تنقل بعض استثماراتها للمنطقة, ولكن هذا يعتمد الى حد كبير على مدى تطور العلاقات بين الكوريتين في الجنوب والشمال. أما الصين فقد دخلت مع الاردن في علاقات اقتصادية متنوعة, فالتبادل التجاري بين الصين والاردن مهم للأردن تصديراً واستيراداً وتشكل الصين أحد الاسواق الواعدة المتنامية للأسمدة الاردنية, وقامت الصين بانجاز العديد من مشروعات البنى التحتية في الاردن وقدمت مدينة الحسن الرياضية في مدينة اربد هدية للاردن بمناسبة زيارة رئيسها السابق للاردن قبل عقد من الزمان. وتستطيع الصين ان تستفيد من المناطق الصناعية المؤهلة بسبب الضغوط الامريكية عليها في مجال التجارة فهي ان نقلت بعض صناعاتها للاردن, واعادت تصديرها من الاردن, فسوف تتمتع باعفاءات جمركية وهكذا تتحقق فوائد للأطراف الثلاثة في الصين والاردن والولايات المتحدة. من الواضح ان الملك عبدالله يخوض تجربة رائدة طالما نادى بها الاقتصاديون العرب, وهي تحييد السياسة عن الاقتصاد على الأقل في التعامل الاقتصادي العربي البيني واما على المستوى الدولي, فمن الواضح ان الاقتصاد والمصالح المرتبطة به صارت تشكل واحدة من الركائز الاساسية في التعامل الدولي ولهذا تبقى الاولوية التي يعطيها الملك الشاب للقضايا الاقتصادية جديرة بالمتابعة والدعم على المستويين العالمي والعربي. ان امام الاردن قضايا اقتصادية وادارية كبيرة, وقد يجد الملك نفسه بعد عودته امام السؤال المطروح على شفاه الاردنيين, هل سيبقى الوضع الاداري على حاله, ام انه سيقوم بتغييرات كبيرة لكي يحسن من فرص تنفيذ توجهاته وحصيلة جهوده؟ لقد قال الملك انه ينوي التغيير, ولكن من ومتى يبقيان قابلين للتكهن, خاصة في بلد كالاردن, صار عدد الطامعين في رئاسة الوزراء فيه كبيراً, ولا يخلو من عناصر الضحك.