كان معلوما ان التجمع الوطني الديمقراطي المعارض يجمع اشتاتا من الفصائل السياسية والعسكرية والعرقية والنقابية لا تتفق على شيء فيما بينها سوى الاطاحة بحكومة الانقاذ في الخرطوم, وحتى من اجل تحقيق هذا الهدف المشترك لم تتمكن تلك الفصائل من تنسيق جهودها العسكرية أو السياسية أو الاعلامية فلا عجب ان فشلت طيلة العشر سنوات الماضية في اسقاط الحكومة السودانية عن طريق القوة العسكرية أو الانتفاضة الشعبية رغم دعواها انها تمثل اكثر من 80% من افراد الشعب السوداني, وكان الصادق المهدي زعيم اكبر الاحزاب المعارضة اكثر قادة التجمع نقدا لادائه فقد وصفه بانه مترهل وانه عاجز عن قيادة حركة المعارضة حربا أو سلما أو عملا داخليا فعالا وان الغيرة الحزبية ادت إلى تعويق نشاطهم المعارض من بعض فصائل التجمع, الامر الذي حدا بهم إلى التحرك الحزبي المنفرد في لقاء جنيف ثم في اتفاقية اعلان المبادىء في جيبوتي, ولو قدر للتجمع ان يستلم السلطة في الخرطوم لظهرت الخلافات السياسية والفكرية القائمة بين مجموعاته المختلفة بصورة اكثر حدة وذلك بالرغم من الاسس والمبادىء التي توصل اليها التجمع في مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا عام 95 لان ذلك الاتفاق لم يمنع من ظهور الاختلافات والاحتكاكات والغيرة الحزبية وهم يعملون معا لمعارضة حكومة الانقاذ, فما بالك حين يجدون انفسهم ينافسون بعضهم بعضا في اقتسام السلطة في الخرطوم. لذلك كان من الطبيعي ان يطفو الاختلاف بين اطراف التجمع عند الحديث عن الحل السلمي أو الوفاق الوطني بين الحكومة السودانية وبين التجمع, ومن الغريب ان اقوى فصيلين في التجمع وهما حزب الامة بحجمه الجماهيري والحركة الشعبية بقوتها العسكرية يقفان على طرفي نقيض من قضية الحل السلمي لازمة الحكم في السودان, فالعقيد جون قرنق قائد الحركة الشعبية يؤمن بالحل العسكري في المقام الاول رغم استمراره في التفاوض مع الحكومة منذ عام 89 حين جاءت إلى الحكم وكان في معظم المفاوضات يحول دون الوصول إلى اتفاق مع الحكومة عدا توصيل الاغاثة إلى المناطق المتضررة أو تكوين الآلية المتفرغة لمتابعة المفاوضات من داخل مظلة الايقاد, ويتمسك العقيد قرنق بمبادرة الايقاد وحدها لانه يجد فيها السند الافريقي والغربي ولا يتحمس للانخراط في المبادرة الليبية ـ المصرية, ويعطي نفسه حق التفاوض ـ أو قل المراوغة ـ مع الحكومة دون ان يسلم بهذا الحق لفصائل التجمع الاخرى ولو كانت في حجم حزب الامة (بلغ نواب حزب الامة في البرلمان الديمقراطي الاخير ثلاث مرات حجم نواب الاحزاب الجنوبية مجتمعة) , ومن الطبيعي ان يؤمن قرنق بالحل العسكري لان الهدف الذي يسعى اليه هو تعديل المعادلة السياسية السودانية رأسا على عقب بتأسيس حكومة الاقليات العرقية بقيادة قبيلة الدينكا التي ينتمي اليها بدلا من حكومات الاغلبية العربية وهو هدف لا يتحقق بصورة سلمية أو ديمقراطية لذلك ظل يحارب الحكومات السودانية المتعاقبة (نميري, سوار الدهب, صادق المهدي وحاليا البشير) طيلة ستة عشر عاما. ومن الناحية الاخرى فان المهدي الذي تقلد رئاسة الوزراء في فترتين ديمقراطيتين يؤمن بالحل السلمي الديمقراطي بحكم تربيته ومزاجه ولانه يترأس اكبر الاحزاب السودانية فان النظام الديمقراطي يعمل لصالحه, وهو ينتمي إلى قلب الهوية العربية ـ الاسلامية في السودان وان كان حريصا على تأمين حقوق الاقليات الاخرى, وسعى المهدي قبل خروجه من السودان للوصول إلى حل سلمي مع حكومة البشير يعيد البلاد إلى الاوضاع الديمقراطية ولكن الحكومة في ذلك الوقت كانت تعتبر ذلك ردة عن (الثورة الاسلامية) وينتقد السيد الصادق علانية مبادرة الايقاد التي ترعاها كينيا واثيوبيا واوغندا وارتيريا بأنها ناقصة لانها تهتم فقط بمشكلة جنوب السودان وتقتصر المفاوضات فيها بين الحكومة السودانية وحركة التمرد دون اشراك القوى السياسية الاخرى لذلك سارع بتأييد المبادرة الليبية ـ المصرية, ويرى ان من حق فصائل التجمع الاخرى ان تتفاوض ثنائيا مع الحكومة كما تفعل حركة قرنق ولكن في اطار الحل الشامل الذي يهدف اليه التجمع. واتضح في مؤتمر التجمع في كمبالا مدى الشقة التي تفصل بين الفصيلين الكبيرين في التجمع وعمق الاختلافات بين اطراف التجمع المختلفة, فالاتفاق الذي عقده حزب الامة مع الحكومة في جيبوتي في نهاية شهر نوفمبر الماضي كان اشبه بالقشة التي قصمت ظهر التجمع, فالتحركات والملاسنات التي بدت من بعض فصائل التجمع دفعت بالسيد الصادق المهدي لمقاطعة اجتماع كمبالا وارسال وفد بقيادة الدكتور عمر نور الدائم نأيا بنفسه من التعرض لأي هجوم شخصي من بعض قادة التجمع وليعطي نفسه قدرا من حرية الحركة ان جاءت نتيجة الاجتماع ضد اتفاقية جيبوتي, وحرص العقيد قرنق من جانبه على حضور اجتماع كمبالا بنفسه في حين كان يتغيب من العديد من اجتماعات هيئة قيادة التجمع في السابق, ومنذ الجلسة الاولى قاد هجوما عنيفا على حزب الامة الذي وصفه بانه عقد صفقة ثنائية مع حكومة البشير واعاد اليها الحياة بعد ان وصلت إلى مرحلة الاحتضار, ولم يتوان وفد حزب الأمة من ان يرد الصاع صاعين, وقفت معظم فصائل الخارج اقرب إلى الحركة الشعبية في رفض اتفاق جيبوتي ووقف وفد التجمع الداخلي ـ الذي يحضر لأول مرة اجتماعا رسميا لقادة التجمع ـ مع تأييد اتفاقية جيبوتي والسعي لتطويرها من خلال المؤتمر الجامع الذي سيعقد بين الحكومة والمعارضة. ولعل اكثر القادة حرجا في اجتماع كمبالا هو محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي فهو من ناحية سياسية وفكرية اقرب الفصائل إلى حزب الامة الذي ظل يقتسم معه تكوين الحكومات في كل العهود الديمقراطية ولكنه من ناحية اخرى هو رئيس التجمع الذي ينبغي عليه ان يحرص على وحدته حتى يحقق اكبر قدر من المكاسب للمعارضة في مفاوضته مع الحكومة, كما ان منصبه كرئيس للتجمع يعطيه بعض المزايا على منافسه المهدي في مستقبل قيادة البلاد, وسيحاول الميرغني ان يحافظ على كيان التجمع باتخاذ موقف وسط لا يرفض اتفاقية جيبوتي ولا يؤيدها أو بالامتناع عن اتخاذ اي موقف منها واعتبارها شأنا خاصا بين الحكومة وحزب الامة, ولكن كلا الموقفين لن يحلا مشكلة التجمع لان التباين السياسي العميق بين فصائل التجمع سيظل باقيا ثم ان مشروع الوفاق الوطني وصل مرحلة لا يحتمل المواقف الوسطية أو اللا مواقف. اذا لم يتخذ التجمع موقفا ايجابيا من اتفاقية جيبوتي سيكون المهدي مستعدا لدخول حلبة الوفاق حاسر الرأس ولكن الامر لا يخلو من تحفظات, انى له ان يطمئن إلى جدية الحكومة في تنفيذ اعلان المبادئ بالصورة التي تؤدي إلى حل ديمقراطي شامل فهو يرغب ان يلتحق بمشروع الوفاق على الاقل الحزب الاتحادي الديمقراطي حتى يستطيعا معا منافسة الحزب الحاكم الذي انفرد بالسلطة لعشر سنوات مضت, ولعل المهدي مازال يذكر بغصة تجربة اتفاقه مع نميري الذي انفرد به دون احزاب الجبهة الوطنية المعارضة فلم يجن منه مشاركة سياسية أو ديمقراطية حقيقية, ثم هناك التحفظ المصري على اتفاق جيبوتي ومن ورائه التحفظ الامريكي ولابد للمهدي ان يعمل حسابا لكل هذا, وتستطيع الحكومة ان تجذب الصادق المهدي لامضاء الوفاق والسير به قدما ان هي اوجدت المناخ الديمقراطي الحر الذي يسمح بمنافسة سياسية عادلة ونزيهة خاصة اذا ما سمح المناخ السياسي بممارسة الاحزاب الكبيرة لنشاطها دون الزامها بالتسجيل وفقا لقانون التوالي السياسي, وتستطيع الحكومة في ذات الوقت ان تعطي دورا مقدرا للميرغني في تحقيق الوفاق لا يقل عن دور الصادق المهدي, وحبذا لو كان ذلك عن طريق المبادرة الليبية ـ المصرية, ولن يستطيع الميرغني ان يقف طويلا خارج الحلبة السياسية اذا ما بدأت الاحزاب في ممارسة نشاطها بصورة طبيعية, اما الحزب الشيوعي فقد يبقى بجانب قرنق لمدة من الزمن ولكنه في ذات الوقت يجرب العمل الداخلي المعلن في تدرج وروية, اما العقيد قرنق الذي ارتبط بصورة قوية مع الولايات المتحدة الامريكية فسيظل يحمل السلاح في وجه الحكومة السودانية ايا كانت تلك الحكومة ويستمتع بخيرات الدعم الامريكي.