قرأت نص المحاضرة التي ألقاها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير خارجية دولة قطر منذ اسبوعين في مركز اكسفورد للدراسات الاسلامية حول الحوار بين الاسلام والغرب.ويسعدني جدا أن يقف وزير خارجية دولة خليجية ليتحدث أمام حشد من المفكرين والمختصين في أعرق الجامعات العالمية عن موضوع حساس يثير الكثير من الاشكاليات في المرحلة الراهنة من العلاقات بين دول الغرب والعالم الاسلامي. واستطيع ان اقول بأن دعوة الشيخ حمد الى جامعة اكسفورد لتناول هذا الموضوع الدقيق لم تأت من باب المجاملة, ولا من الرغبة في دعوة شخصية خليجية تجذب الاعلام, ولكن من ادراك الدور الخليجي ومساهمته في بناء العلاقات الدولية على قواعد راسخة من التفاهم بين الحضارات والاديان. وقد جاء الشيخ حمد الى مركز الدراسات الاسلامية, بنظرة الحريص على الاسهام الايجابي في طرح أفكار يعتبرها المجتمع الاسلامي جوهرية في تحقيق التفاهم مع حضارة الغرب. تكلم المسئول القطري بصراحة عندما قال ( لقد كان الاسلام والعرب والشرق الاوسط عرضة, في اعتقادي, ومنذ فترة طويلة لكثير من سوء الفهم, والتفسير الخاطئ, وحتى التعامل غير المحق والمفتقر الى الموضوعية والعدل, من جانب قطاع عريض ومتنوع من الرأي العام الغربي, ولابد ان اقول, قبل كل شيء, ان جانبا كبيرا من ذلك مرده, في الواقع الى تقصيرنا فقد كنا نحن, عربا ومسلمين, في الكثير من الاحيان أعداء لأنفسنا, وارتكبنا ما يكفي من اخطاء وممارسات وفرت مادة الذخيرة اللازمة لمن يريد ان يستغلها ويستخدمها في الاساءة الينا والى سمعتنا). ويشير الشيخ حمد الى التطرف الاسلامي والأصولية التي استغلها الاعلام في دول الغرب ليقدم صورة مشوهة عن المجتمع الاسلامي, وفي حصره لمشاكل العالم يدعو الى تحالف دولي لمعالجة الفقر والبؤس والجوع ومشاكل الهجرة, واللاجئين والمخدرات والارهاب والتصحر وندرة الموارد المائية ومعضلة البيئة وصولا الى مشكلة الديون المترتبة على دول العالم الثالث التي لا تستطيع سدادها او تحمل تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالاضافة الى قضايا نزع السلاح والالتزام بمبادئ الشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة واللجوء الى الحوار والتحكيم. ويلجأ الشيخ حمد في اطروحته الهامة الى ازدواجية المعايير سواء في فلسطين او في العراق, متهما الدول الغربية بتطبيق قواعد متناقضة في تعاملها مع الدول الاسلامية والعربية وغير متفقة مع قواعد السلوك الدولي. وفي نهاية المحاضرة الطويلة, يدعو الشيخ حمد الى تعاون عالمي من اجل (التخلص من نزاعات الماضي وحروبه المؤلمة, وذلك للعمل معا من أجل التوصل الى خلق مناخ اقليمي ودولي يقوم على مبادئ السلام والاستقرار والتعايش وقبل كل شيء, الاتفاق على نبذ استخدام القوة والعنف والالتزام بتسوية الخلافات بالوسائل الدبلوماسية وعن طريق الاحتكام الى مبادئ الشرعية الدولية). ومهما كان رأيي في اطروحات الوزير القطري, فانني اشعر بالاعتزاز بواقعة وقوفه امام صرح فكري وانساني ليتحدث وباسهاب عن هذا الموضوع المثير والمتشابك في الساحة الفكرية والسياسية العالمية. وكنت اتمنى لو ان الشيخ حمد, تكلم في قضايا محددة تشكل قاعدة الخلافات بين حضارة الغرب والمجتمع الاسلامي, وهي قضايا يثيرها الغرب في وجه الحضارة الاسلامية, وقضايا اخرى تثيرها الحضارة الاسلامية في اتهامها للغرب. اتذكر انني دعيت الى القاء محاضرة عن العلاقات الاوروبية ـ الخليجية امام البرلمان الاوروبي في مدينة بروكسل عام ,1994 وبعد حديثي الذي استغرق اربعين دقيقة, اثار اعضاء البرلمان الاوروبي القضايا التالية, وذلك من ضمن قضايا كثيرة. اثار البرلمان الاوروبي, موضوع الديمقراطية, حقوق الانسان, حقوق المرأة, حرية الاديان, حرية المعلومات والاخبار, والمطبوعات ودور المنظمات غير الحكومية, وحرية الرأي والتعبير, وهي قضايا لا تزال تثار وبقوة سواء في اعلام اوروبا او في المنتديات السياسية, وهي قضايا مرتبطة بمفاهيم الحضارة الغربية في الوقت الحاضر, ولا سبيل لتجاهلها والتعامل بخفة معها. وقد شرحت الوضع الخليجي من هذه القضايا وهو وضع مستمد من خلاصة الحضارة الاسلامية المدافعة عن المساواة والتي كرمت الانسان ومنحته مكانة فريدة تقديرا لمنزلته واعترافا بنبوغه وحماية لهذا النبوغ, وينطبق ذلك على المرأة التي خصها الاسلام بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية والحياتية. والاسلام دين الحقوق الانسانية ولا يمكن ان يتجاسر احد على طمس حق الانسان في الحياة, بما في ذلك حقه في الفكر والابداع والتعبير. كما لا يمكن ان نتجاهل اهتمام الغرب مؤخرا بالسعي لفهم الحضارة الاسلامية وثقافة المسلمين, وتشخيص المآخذ التي يرددها مفكرو الاسلام ضد الحضارة الغربية. ومثال على هذا النهج الذي برز منذ عقدين, استمعت الى سيدة متابعة للتموجات في العلاقات الغربية ـ الاسلامية, وهي سيدة امريكية متخصصة, تحدثت بموضوعية الباحثين الراصدين, وامام حشد من العسكريين الامريكيين في ولاية فلوريدا وذلك من أكثر من عام. ومن ضمن حديثها الطويل, اصابت في تشخيص المآخذ الاسلامية على حضارة الغرب, بصرف النظر عن رأينا في اطروحتها. تناولت الحقبة التي تصاعد فيها الصدام في الاندلس في القرن الثاني عشر الذي فرخ محاكم التفتيش والابادة والاجلاء, مرورا بالحرب الصليبية بعدها مباشرة, ثم موجة الاستعمار التي ابتدأت في القرن السابع عشر, وبعدها مأساة فلسطين, دون الدخول في تفاصيل المساعي الغربية المسيحية لطرد العثمانيين المسلمين من اسطنبول والتي كانت اخر المحاولات التي اعقبت انهيار الامبراطورية العثمانية في اعقاب الحرب العالمية الاولى. وبصرف النظر عن السرد التاريخي, توجد حقائق ترجح كفة الشكوك في السلوك المسيحي الغربي تجاه العالم الاسلامي. في واقع العلاقات الغربية ـ الاسلامية, يعتقد الكثيرون من دارسي الحضارة الغربية, ان الغرب المسيطر على الاقتصاد العالمي ومنظماته الدولية, يمارس سياسة التقتير ومعاقبة الانظمة الاسلامية بفرض قيود مجحفة على اقتراضات الدول الاسلامية, من اجل تحقيق سياسات اضعاف المجتمع وخلق توترات فيه. وتضيف هذه المدارس بأن الغرب بخيل في الانفتاح التكنولوجي على الدول الاسلامية, وفي سعيه ايضا لحرمان عالم الاسلام من مزايا التكنولوجيا, وان الغرب مقصر في الاستثمارات وأنه باحث عن اماكن غير اسلامية لاستثماراته, وانه يتعامل تجاريا لفائدته, ولا يعبأ بمنطق المسلمين في الوصول الى اتفاقات فنية وتجارية متكافئة. وكنت اتمنى لو ان الشيخ حمد بن جاسم وهو شخصية خليجية بارزة كان له من الوقت ما يسمح له بالدخول في تفاصيل لوائح الاتهامات المتبادلة, حيث ان الحوار لا يمكن ان يبدأ اذا لم يتعرف كل جانب على تصورات الطرف الاخر عنه وعن المآخذ التي تؤرقه, والتي تقف امام الوصول الى البيئة الصحية للتفاهم التي اشار اليها الشيخ حمد في مداخلته القيمة في جامعة اكسفورد وانني مقتنع بما جاء في اخر محاضرته من دعوته الى (التطلع قدما الى عالم جديد, والى عصر جديد, تسود فيه روح الانفتاح والحوار والتفهم المتبادل بين الحضارات والثقافات والشعوب, ليصبح ذلك هو القاعدة والأساس, عوضا عن ان يظل مقتصرا على حالات استثنائية وانتقائية ومنه نصل الى وضع تسوية فيها الثقة المتبادلة والاحترام بين مختلف الاراء والاجتهادات بدلا من الجهل والانغلاق والشك).