قبل ساعات من (انقلاب القصر) المفاجىء في السودان اجرت (البيان) لقاء مثيرا مع احد اكبر الرموز المساندة للرئىس عمر البشير في صراع الاخير مع الترابي الذي اسفرت تداعياته الى التطور الاخير.في هذا الحوار دعا حامد محمد تورين وزير التعليم صراحة الى اعلان حزب باسم (الانقاذ) بزعامة البشير يكون بديلا لحزب المؤتمر الوطني الحاكم الان واعتبر ان تلك الخطوه هي الوحيدة الكفيلة بوضع حد للصراع الذي طفح الى العلن بين البشير والزعيم المتنفذ الدكتور حسن الترابي. وكان تورين قد شكا كثيرا من انه اقصي (بمؤامرة) من الهيئة القيادية للحزب الحاكم اثناء المؤتمر التأسيسي الاخير وراحت احتجاجاته بتغييب اسمه من سجل الترشيحات ادراج الرياح, ومنذ ذاك الحين انتقل تورين الى دائرة الضوء خصوصا اثناء (معركة القصر والبرلمان) التي ظل هو احد نافخي كيرها بتصريحات نارية تشد من عضد البشير. وفي الحوار التالي الذي اجري معه قبل ساعات من (الانقلاب الابيض) يجد القارىء الكريم ملامح مما ذكرنا, خصوصا قوله في ختام الحوار ان البشير يحمل تفويضا يمكنه من حكم السودان حكما عسكريا صرفا أو بالتحالف مع التكنوقراط دون الحاجة الى تنظيمات عسكرية!! فالى نص الحوار: * ندخل بسؤال في بداية الحوار عن قضية التعديلات التي نرى انها فتحت الباب امام صراعات لم تكن متوقعة لكنها كشفت حقائق عن صراعات كانت في الظلام وبروز اجنحة لايدري احد من ينتصر فيها؟ ـ قضية التعديلات في تقديري موضوع مفتعل من الاساس وكان يمكن منذ البداية الا يثير كل هذه الضجة التي صاحبته لان التعديلات الدستورية التي كثر حولها الجدل لم تكن أولوية مطروحة الان مقارنة بالقضايا الاخرى المطروحة في الساحة والتي تهم المواطن بشكل مباشر وعلى رأسها موضوع الوفاق. اما ظهور الصراعات فإنها حقيقة كانت نتاجا لتداعيات اخرى وصلت الى قمتها اثناء المؤتمر التأسيسي الاخير لحزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم). وقد وضح من خلال ممارسات البعض اهتماما خاصا بتصفية بعض الحسابات مع عدد من القيادات التي دعمت (مذكرة العشرة) والتي كانت قد اهتمت الى حد كبير بضرورة الالتزام بالمؤسسية داخل أجهزة الحزب, وترك اسلوب الوصاية مما ولد قناعات عند الطرف الاخر نحو قيادة التصفيات عبر ممارسات تخالف الاسلام نفسه من اجل الوصول الى السلطة. وحقيقة فان المؤتمر الوطني كتنظيم قام في الاساس على تحالفات وصيغة الحد الادنى تفترض من الجميع الالتزام بحد ادنى من الاتفاق لان الهيمنة من اي طرف على حساب الاطراف الاخرى يعني انهيار الاتفاق. * هناك من يتحدث عن قرب قيام (حزب الانقاذ) ؟ ـ الانقاذ قائمة حقيقة كبرنامج ومناصرين ولا تحتاج الى تأسيس من جديد وبالتالي لاتحتاج الى تأسيس حزب لكن هذا الخيار ربما يصبح مطروحا للمؤتمر الوطني اذا فضل الرجوع الى صيغة الجبهة الاسلامية القومية. * لجنة الوفاق الاخيرة التي تم اعلانها في القصر الجمهوري وصفها البعض بانها تمثل جناح البشير في غياب ممثلي المؤتمر الوطني هل تعتقد انه بامكانها انجاز الوفاق السياسي؟ ـ مساعي الوفاق اصلا لم تتوقف من قبل الحكومة ممثلة في الجهاز التنفيذي وهي لجنة مؤهلة ولعل الخطوات التي تمت حتى الآن تبشر بنتائج مثمرة لجهودها في القريب العاجل لانجاز الوفاق وكان اولها صدور قرار اطلاق سراح المعتقلين السياسيين واعادة الممتلكات المصادرة لاصحابها والسعي لمعالجة المظالم التي تمت خلال العشر سنوات الماضية لكل من حدثت له مظلمة وهو المدخل السليم لتهيئة الاجواء للجلوس للحوار ولذلك فان اللجنة في مدخلها ومنهجها لجنة ناجحة ومؤهلة لانجاز الوفاق السياسي. * موضوع التعديلات وصفه البعض بانه جزء من صفقة سياسية بين الدكتور الترابي والصادق المهدي ما تعليقك؟ ـ كونها موضع اتفاق بينهما من الاشياء التي تحدث عنها بالتحديد الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق في احدى احاديثه عن الوفاق اضافة الى ان قرائن الاحوال بالداخل تؤكد ما ذهب اليه لانها اصبحت الآن وكأنها اولوية رغم مطالبات الجهاز التنفيذي بارجائها لمزيد من التشاور. رئيس البرلمان يحاول حاليا اجازتها باي صورة مع العلم ان جوانب كثيرة كانت تفترض عدم هذا الاستعجال لان رئيس البرلمان نفسه والذي يعمل حاليا بكل طاقته لاجراء التعديلات سبق ان وصف الدستور بانه من احسن دساتير الدنيا صياغة واحكاما ومواد ولايعقل ان يكون الدستور نفسه عرضة للتعديل في اقل من 15 شهرا فقط مما يقلل من قيمته لان الدساتير عادة تكون مكان اجماع وعندما تتم اجازتها تصبح ملزمة لكل ابناء الامة لانها تأتي بحكمة بالفعل. والسؤال الآخر اذا افترضنا ان الحكومة قد نجحت في اجراء حوار مع المعارضة وتم التوصل لاتفاق اليس من حق المعارضة ان تكون لها مطالبها من خلال الحوار باعادة تعديل بعض مواد الدستور او الغاء بعضها او اضافة مواد اخرى وفي هذه الحالة, فهل من المنطق ان تعتمد الحكومة على مقولة ان الدستور جرت فيه تعديلات سابقة ولا يمكن ادخال تعديلات مرة اخرى؟! هذا يصبح بالطبع حديثا غير مقبول. اذن المنطق هو عدم التسرع في اي تعديلات قبل الوصول الى مصلحة او وفاق وطني, من هنا جاء رفض القصر الجمهوري للاستعجال في امر التعديلات. * كيف تنظرون إلى مستقبل الصراع حول التعديلات إذا واصل البرلمان التداول حولها؟ ـ التوقيعات التي جمعها الأعضاء الرافضون لها حتى الآن تجاوزت الـ 160 توقيعا وسبق لهؤلاء ان تقدموا لرئيس البرلمان بمذكرة طالبوا فيها بتأجيل ايداع التعديلات ورغم ان مذكرتهم تم تجاهلها إلا انها لفتت الانظار لامكانية التصويت ضدها بهدف اسقاطها في أي مرحلة والأخطر من ذلك ان مجرد الحديث عن تكتلات ربما فتح الباب أمام انقسامات جديدة داخل البرلمان مع انتهاء دورته. * (المؤتمر الوطني) برز كيانا جامعا وأصبح حزبا يوجد فيه الاسلاميون وغيرهم كيف تنظر إلى مستقبله في ظل هذه الصراعات؟ ـ برز المؤتمر الوطني في الأساس كنظام سياسي وليس حزبا سياسيا ووفقا لفلسفته السابقة فإنه كان يقوم ككيان جامع مفتوح لكل أهل السودان على مختلف ألوان الطيف السياسي والخلفيات الحزبية التي يأتي منها الأعضاء وتبعا لذلك فإن الحركة الإسلامية أصبحت جزءًا أو فصيلا في هذا التفاعل, إلا انه وبعد صدور الدستور الذي اعترف بالتعددية والسماح بقيام التنظيمات السياسية أصبح من حق كيانات أخرى ان تبرز في الساحة وتسمي نفسها وتعلن برامجها الاقتصادية والسياسية أسوة بالمؤتمر الوطني الذي عاد بنص قانون التوالي السياسي المأخوذ من الدستور إلى حزب مثل بقية الأحزاب في الساحة وهنا يبرز التساؤل الذي طرحته؟ والاجابة نفسها تفرض طرح تساؤلات أخرى! هل بامكان المؤتمر الوطني بعد التحول الذي حدث في طبيعة علاقاته بالدولة ان يتعامل كحزب تحكم الشورى والديمقراطية طريقة اختياره لقياداته وبرامجه ونشاطه وعمل الأجهزة بداخله مثل بقية الأحزاب أم انه مجرد واجهة سياسية لنشاط الجبهة الإسلامية التي تم حلها؟ وهنا بامكاننا القول ان طبيعة التحول تفرض ان يكون المؤتمر الوطني حزبا حقيقيا تصدر قراراته وبرامجه وأفكاره بناءً على مشاركة حقيقية من الأعضاء دون ان تكون هناك أي محاولة للالتفاف وغمط الحقوق واتجاهات العزل والتكتلات باستخدام التحايل والتزوير لاختيار قيادات مدعومة من القواعد يجوز محاسبتها متى حادت أو انحرفت أو أخلت بما يتم الاجماع عليه. وقد عكست افرازات تجربة المؤتمر التأسيسي الأخير للمؤتمر الوطني الحاكم وماتخللها من محاولات استهداف لأشخاص بعينهم بهدف ابعادهم واسقاطهم في الترشيح باستخدام كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة حقائق تؤكد ان بعض القيادات داخل المؤتمر الوطني لا تزال تراهن على استخدام الأخيرين فقط لوصولها للسلطة معتبرة وجودهم داخل المؤتمر الوطني ليكونوا أدوات لتمرير مخططاتها واعطاء الديكور الشكلي من الخارج لايهام الناس بأنه مؤتمر جامع يضم كل ألوان الطيف السياسي, ولذلك أقول ان المؤتمر الوطني الحاكم إذا سار على هذا الشكل سيفقد كل عضويته الملتزمة الآن بالعمل في داخله وسوف يتحول تدريجيا إلى صيغة الجبهة الإسلامية قبل 30 يونيو 1989. كان من بين تداعيات الصراع الاخير ظهور مجموعتين انصار الدكتور الترابي وجماعة الفريق البشير هل يعني ذلك غياب المؤسسية لحسم الخلافات داخل اجهزة الحزب الحاكم؟؟ * عندما قامت مجموعة داخل المؤتمر وفي وقت سابق برفع مذكرة الى اجتماع هيئة الشورى عرفوا فيما بعد بأعضاء مذكرة العشرة كان هدفهم الاساسي احداث اصلاح مؤسسي في اجهزة الحزب الحاكم التي تتخذ القرارات وخلق نوع من الانسجام بين قيادة الحزب وقيادة الجهاز التنفيذي دون ربط هذا الاجراء بنوايا الصراعات لكن التعديلات كانت تفترض توضيح هياكل بعينها واجهزة لابد من اقامتها لضمان تسهيل العمل وطريقة صنع القرار. كان رئيس الجمهورية حتى ذلك الوقت لا علاقة له مباشرة بالمؤتمر الوطني سوى حضور الاجتماع كمجرد عضو في الامانة العامة وجاء التصور الذي تم تقديمه في شكل اقتراح لاجتماع هيئة الشورى المذكور بتأسيس جسم يعرف بالمكتب القيادي برئاسة الفريق البشير من بين مهامه اصدار القرارات التي تحتاجها ظروف محددة دون الحاجة لدعوة هيئة الشورى للانعقاد اضافة الى ان وجود هذا المكتب السياسي يساعد الحزب في التعامل مع كل الظروف في ظل مناخ التنافس المفتوح مع الاحزاب الاخرى ولم يهدف بالطبع او يستهدف شخص الدكتور الترابي كأمين عام للحزب بقدر ما كانت مساعدة له في تحمل الاعباء كما انه كان محاولة لتكريس نهج الشورى والمؤسسية في اتخاذ القرار لكن طرفا آخر اعتبر هذه المحاولة الاصلاحية خروجا عن النمط السابق ونشط في مكايدات وخطط لمحاربة الذين وقعوا على المذكرة وتصنيفهم كخصوم وغير ذلك , ومن هنا بدأت تتراءى هذه الاختلافات والتكتلات, غير ان ما احب الاشارة اليه اننا اذا تعاملنا بمقاييس الشرعية فإن الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية يعتبر حتى الآن الوحيد بين رجالات الانقاذ الذي يتمتع بشرعية بموجب الاستفتاء الشعبي الذي جرى في 1997 اثناء الانتخابات الرئاسية التي شارك فيها اغلب السودانيين واحرز الفريق البشير 75% من الاصوات وهو ما لم يتوفر لأي شخص آخر من رجالات الانقاذ سواء كانوا في الجهاز التنفيذي او البرلمان وبموجب هذا التفويض للبشير بإمكانه ان يحكم السودان حتى وان كان عبر عسكرية صرفة وتحالف التكنوقراط دون الحاجة الى تنظيمات سياسية. الخرطوم ـ التجاني السيد