تأسست الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية (الجات) التي اصبحت فيما بعد منظمة التجارة العالمية عام 1948 في دولة نامية فقيرة هي كوبا, وظلت بنود هذه الاتفاقية على مدى ثلاثة عقود متواصلة تلقى معارضة شديدة من الدول الصناعية الكبرى التي كانت ترى فيها خطرا على اقتصادياتها وترى انها تخدم اقتصاديات الدول النامية , وفي ظل الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي كان من الصعب على الدول الصناعية الكبرى الرأسمالية ان تملي شروطها وان تحقق اهدافها الخاصة من خلال هذه الاتفاقية, وفي منتصف الثمانينيات بدأت تظهر التغيرات في مسار هذه الاتفاقية لصالح الدول الكبرى على حساب الدول النامية وخاصة مع بداية جولة مفاوضات اوروجواي عام 1986, والتي تبلورت نتائجها بشكل واضح في عام 1993 بعد انهيار المعسكر الاشتراكي, وبعد ان فرضت سياسة القطب الواحد نفسها على الساحة الدولية, وتم تغيير العديد من بنود الاتفاقية بالشكل الذي يخدم مصالح الدول الصناعية الكبرى, والتي سعت بجدية في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي الى فتح اسواق الدول النامية لمنتجاتها ومخزونه الهائل من البضائع المكدسة الذي وقفت التشريعات الضريبية والجمركية داخل الدول النامية سنوات طويلة حائلا دون تسويق. النمور الآسيوية وكان لظهور مجموعة (النمور الآسيوية) في جنوب شرق آسيا اثر كبير على اقتصاديات الدول الكبرى, حيث استطاعت مجموعة من دول هذه المنطقة ان تنهض في السبعينيات باقتصادياتها وان تنافس الدول الصناعية الكبرى في الاسواق العالمية بطرح انتاجها الصناعي الكبير, وبات من الواضح ان هذه المجموعة من الدول النامية امثال اندونيسيا وماليزيا وتايلاند وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها اصبحت تشكل خطرا كبيرا على اقتصاديات الدول الكبرى بمنافستها الشديدة لها في الاسواق العالمية, وبعد انطلاق عجلة تحرير التجارة العالمية في اعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي, والسعي الدؤوب من قبل الغرب لفتح كل الاسواق العالمية وخاصة في الدول النامية, بات من الضروري وبسرعة وضع حد للنمو الاقتصادي المتزايد من دول جنوب شرق آسيا ذات الكثافة السكانية الكبيرة والعمالة الرخيصة والانتاج الهائل الذي يهدد بانخفاض اسعاره انتاج الدول الصناعية الكبرى. وكانت الأزمة الكبرى او بمعنى آخر كما يسميها الكثيرون (المؤامرة الكبرى) التي كانت وراء انفجار الازمة الاقتصادية في دول جنوب شرق آسيا في عام 1997, هذه الازمة التي ادت الى انهيار العملات المحلية في هذه الدول, وانهيار اقتصادياتها, وهو الامر الذي باتت تستوجب وقوعه مساعي العولمة الاقتصادية وبرامج اتفاقيات الجات التي تحولت عام 1995 الى منظمة التجارة العالمية لتخدم في الاساس اقتصاديات الشركات الكبرى متعددة الجنسيات والتابعة في غالبيتها للدول الصناعية الكبرى. وكما سبق ان صرح رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في اعقاب الازمة قائلا: (لقد تحولت منظمة التجارة العالمية من خلال بنود اتفاقيات الجات الى وسائل لهدم اقتصاديات الدول النامية وخاصة منها الدول التي بدأ انتاجها يغزو الاسواق العالمية في الثمانينيات. قمة برمنجهام وفي صيف العام الماضي واثناء الاحتفال بالذكرى الخمسين على تأسيس (الجات) في مدينة برمنجهام وقف الرئيس الامريكي بيل كلينتون يتحدث ويدعو لمزيد من الدفع الاقتصادي الكبير نحو فتح الاسواق, ويدعو دول العالم للاسراع بالانضمام الى الجات, وقال كلينتون في برمنجهام ان العصر الذي نعيشه الان لايحتمل المفاوضات الطويلة والانتظار اعواما طويلة من اجل التوصل لاتفاقيات ترضي الجميع لان هذا يعوق سرعة الاندفاع الذي تتحرك بها سياسة السوق الحرة. هذه الكلمات للرئيس الامريكي تعكس تماما الاوضاع والظروف التي مرت بها اتفاقيات الجات داخل منظمة التجارة العالمية خلال العامين الماضيين والتي من نتائجها ماحدث في (سياتل) الامريكية منذ ايام اثناء انعقاد قمة المنظمة والتي ضمت 135 دولة جاءت جميعها لتوافق وتوقع على ما اعدته لها مجموعة منها لايزيد عددها عن عشر دول على الاكثر, تتزعمها رائدة سياسة السوق الحرة وتحرير التجارة الولايات المتحدة الامريكية التي باتت تضع مصالحها (على حد قول الشعارات التي رفعها المتظاهرون في سياتل) فوق كل الاعتبارات وحتى فوق القيم والمبادىء الانسانية. لقد كشفت جولة سياتل القناع عن الوجه الحقيقي لمنظمة التجارة العالمية, واكدت على صحة الاتهام الذي يوجهه اليها الكثيرون من انها اصبحت اداة من ادوات هيمنة الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات على اقتصاديات وسياسات الدول الاخرى وخاصة النامية والضعيفة منها. أسباب الفشل وتعددت أسباب فشل قمة سياتل التي وصفها البعض بأنها (فضيحة) للدول الكبرى وعلى رأسها امريكا فقد رفضت الدول النامية كل ما اعدته لها الدول الكبرى مسبقا وبدون مشاركة منها في بحثه ومناقشته حول مسائل الزراعة ودعم المزارعين وتحديد معايير العمل في الدول النامية ومسائل تلوث البيئة, ومكافحة الاغراق والمنافسة وقوانين البيع بالتجزئة وغيرها وجاء على لسان مسئولين بالبيت الابيض تصريحات حادة تعكس الازمة مثل تصريح المستشارة الاقتصادية الامريكية (جين سبرلنج) التي قالت (ان الدول النامية شعرت في سياتل بإهانة كبيرة وجهتها لها الدول الكبرى) . وصرح الناطق باسم الاتحاد الاوروبي بيتر جليفورد قائلا ان الامريكيين هم سبب فشل قمة سياتل لانهم وصلوا الى درجة من الغرور والثقة بالنفس التي اصبحوا معها لايأبهون بأي رأي اخر ولايراعون مصالح اي اطراف اخرى تتعارض مع مصالحهم وبأكثر حدة جاء تصريح المفاوض المصري منير زهران الذي قال لقد عاملونا مثل الحيوانات واجلسونا في الخارج بينما ذهبوا يقررون بمفردهم كل شيء. حقائق الازمة هذه المأساة في سياتل وهذه التصريحات تعكس في الواقع حقائق اساسية وواضحة وهي ان منظمة التجارة العالمية واتفاقيات الجات انهارت سمعتها واصبح لها من الخصوم والاعداء الكثيرين وسط شعوب العالم وحتى داخل الدول الكبرى نفسها, والذي انعكس بوضوح في المظاهرات التي شارك فيها اكثر من 30 الف مواطن امريكي في سياتل, حقيقة ثانية وهي ان المنظمة كشفت عن وجهها السيىء في وضعها التجارة فوق كل شيء وحتى فوق القيم والمبادىء الانسانية ومصالح الشعوب النامية والفقيرة, حقيقة ثالثة وهي ان منظمة التجارة العالمية اصبحت تشكل خرقا لسيادة الدول واصبحت سلطة فوق الحكومات وتفضل مصالح الشركات الكبرى متعددة الجنسيات على مصالح الدول والشعوب, حقيقة رابعة وهي ان اقتصاديات الدول النامية مهددة بمخاطر كثيرة في ظل اتفاقيات الجات المعدة قبلا لخدمة اقتصاديات الدول الكبرى. هذه الحقائق وغيرها الكثير تكشف عنها مأساة سياتل التي تعكس مدى وعورة الطريق امام قطار العولمة الاقتصادية. لقد تمنت واشنطن ان تختتم القرن العشرين بدون هزائم ولكنها على مايبدو تسرعت اكثر من اللازم وبات من المؤكد ان تحرير التجارة العالمية وسياسة السوق الحرة مازال امامهما طريق طويل وصعب, خاصة وان الجولة القادمة من مفاوضات ومباحثات منظمة التجارة العالمية لايتوقع حدوثها قريبا في العام المقبل بسبب انتخابات الرئاسة الامريكية التي لم يحتمل معها الديمقراطيون فضيحة وهزيمة اخرى. ابحث عن الشيوعيين ومن التصريحات الطريفة في سياتل ما قاله وزير خارجية استونيا (توماس ألفيس) وهو امريكي الاصل وتعرض اثناء المظاهرات لهجوم عليه شخصيا من المتظاهرين بالايدى والسب, حيث قال الفيس ان الشيوعية تكشر عن انيابها من جديد, وفي هذه المرة من داخل الولايات المتحدة الامريكية نفسها, لقد شعرت بان مظاهرات سياتل ثورة حمراء يديرها الشيوعيون الموجودون داخل المنظمات غير الحكومية المنتشرة في دول الغرب, واضاف ألفيس قائلا: ان اعتداء المتظاهرين علي شخصيا ووصفهم لى بأنني امبريالي يؤكد على وجود اياد شيوعية مدبرة لهذه المظاهرة. وربما يكون بالفعل للشيوعيين يد في احداث سياتل, وربما ايضا يكون ما حدث مصداقا لنبوءة الماركسيين بأن الرأسمالية سوف تصل الى درجة من التوحش التي تدمر معها نفسها بأيديها, ومن المحتمل ان يكون للاحزاب الاشتراكية في الغرب دور في احداث سياتل, الا انه رغم كل هذا فان هناك حقيقة مؤكدة مفادها ان سياسة القطب الواحد واحادية الهيمنة على الساحة الدولية تواجه صعوبات شديدة في استمرارها وبقائها, وان الانجازات والتطورات والتغييرات التي حدثت في الدول النامية في اعقاب الحربين العالميتين في القرن العشرين جعلت من هذه الدول ماردا عملاقا يصمت ويهدأ احيانا لكنه مستعد للنهوض والثورة في اية لحظة وبدون توقع, خاصة اذا زادت عليه الضغوط وشعر بالظلم الفادح والاستغلال البين.