الفشل الذي آل اليه المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في مدينة سياتل بالولايات المتحدة الامريكية, اعطى انطباعا بأن البرنامج الامريكي تحت يافطة (العولمة) لن يسير بعد الآن بذات النسق الذي كان يخطوه منذ مطلع عقد التسعينات, فقد رفضت النقابات الامريكية وجماعات الضغط الاخرى من حماة بيئة ومدافعين عن حقوق الانسان, للنتيجة التي وصل اليها مئة وخمسة وثلاثون وزيرا . ولاول مرة تحقق الدول النامية نصرا في جولات منظمة التجارة العالمية, فقد وجدت نفسها فجأة قادرة على فعل شيء لشعوبها حين وضعت المصلحة العامة لشعوبها كأولوية ضرورية لاية مفاوضات, فكيف الحال اذا كانت في عقر دار قائدة النظام العالمي الجديد بشعاراته المتعددة؟ هذه المرة الاولى التي يسجل فيها فشل بهذا الحجم في مفاوضات التجارة العالمية منذ مايربو على العشرين عاما, وهو فشل ارادت واشنطن التخفيف من وطأته وتحميل الآخرين مسئولياته, وماهو فشل عند الدول الصناعية الكبرى يعتبر نصرا في جولة معركة حامية الوطيس عند دول العالم الثالث. ذلك ان هذه الدول لم يكن لها اي اعتبارات تذكر خلال الجولات العديدة الماضية سواء تلك التي عقدت قبيل انشاء منظمة التجارة قبل خمس سنوات بالمغرب او بعد التأسيس, حيث كان النزاع على اشده بين الولايات المتحدة من جهة ودول الاتحاد الاوروبي من جهة اخرى وفي احيان تستعر بين واشنطن وطوكيو خاصة حين يتجاوز الفائض التجاري لصالح اليابان المستويات التقليدية التي عهدها الاقتصاد الامريكي. تحالف غير مخطط له في جولة سياتل حدث تحالف غير مخطط له, وربما صدفة الموقف هي التي حولته الى ما يشبه التحالف بين الدول النامية ودول الاتحاد الاوروبي, حيث ان الموضوعات المطروحة للمفاوضات كانت مصيرية بالنسبة للجميع: للويات المتحدة التي ترى في فرض رأيها على المنظمة الدولية يكسبها المزيد من النقاط في استمرارها بقيادة الاقتصاد العالمي وتوجيهه حسب رغباتها واستراتيجياتها وللاتحاد الاوروبي الذي يشعر ان المسافة بينه وبين الولايات المتحدة تزداد اتساعا لصالح الاخيرة ما يجعله يحارب بقوة للحاق او تقريب المسافة, ثم للبلدان النامية التي وجدت في المنظمة شر لابد من دخول اتونه بشروط اللاعبين الكبار. لقد تمحورت اجتماعات سياتل حول ثلاث مسائل رئيسية هي مسألة دعم المنتجات الزراعية, ومعايير العمل, وقوانين تجارة التجزئة. صراع الكبار في المسألة الاولى هناك صراع مرير بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي, استبعدت منه دول العالم الثالث لاسباب واضحة وتتمثل في ان هذا الموضوع محصور على الدول الكبرى التي تتصارع على حصص في الاسواق العالمية, فالولايات المتحدة تضغط باتجاه فرض شروطها المتمثلة في ان ترفع دول الاتحاد الاوروبي الدعم عن منتجاتها الزراعية كي تتسنى الظروف بان تدخل واشنطن الاسواق الاوروبية بشروط تنافسية افضل يمكن من خلال التقنية المتقدمة (نسبيا) على اوروبا ان تقلل من الكلفة لتكون منتجاتها سيدة في الاسواق, اما دول الاتحاد الاوروبي فترى في مسألة رفع الدعم عن المزارعين خطا احمر, بعض اسبابه يتعلق بقضايا انتخابية والبعض الآخر بتشريع الابواب للمنتجات الامريكية يعني مقتل الزراعة في اوروبا او تدهورها على الاقل فلاتزال (حرب النبيذ) التي خاضتها فرنسا مع الولايات المتحدة في النصف الاول من التسعينيات ماثلة امام المفاوضين وحاضرة كحضور (معركة الموز الامريكي اللاتيني) . في هذا الوقت اكتشفت الدول النامية انها مغيبة عن هذه المفاوضات التي اذا نجحت فان قطاع الزراعة بالعالم الثالث لن تقوم له قائمة, فلا يمكن لتقنيات متخلفة ان تواجه آخر ما ابتكرتها العقول الامريكية والاوروبية.. وحتى العقول العربية المهاجرة والمهجرة من بلدانها. غزو الاسواق وفي المسألة الثانية والمتمثلة بمعايير العمل, فقد ارادت واشنطن فرض مقولات اطلقها آل جور نائب الرئيس الامريكي والمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الامريكية القادمة, منذ قيام منظمة التجارة العالمية, فقد كان آل جور يكرر دوما وفي مناسبات عديدة ان الولايات المتحدة تعمل على زيادة الطبقات الوسطى في مختلف دول العالم, وعليه لابد من زيادة الاجور ووضع تشريعات عمالية تمنح المزيد من الحقوق للعمال من حق الاضراب الى تعزيز دور النقابات وهذا الكلام حق يراد من ورائه باطل, فالولايات المتحدة تدرك تماما ان سلعها سوف تغزو الاسواق بسرعة حين تكون هناك طبقة قادرة على دفع ثمن السلع الامريكية بمواصفاتها الفنية والعلمية والتقنية, كما انها تدرك ان مسألة زيادة الاجور تعني رفع تكلفة سلع الدول النامية, وبالتالي صعوبة وصولها ومنافستها في الاسواق الامريكية والاوروبية, اي اضافة عنصر معرقل لتدفق سلع العالم الثالث الى جانب العناصر الموجودة اصلا والتي تأتي على رأسها مسألة المواصفات والمقاييس التي تشترطها الدول الصناعية كسياسة حمائية ضد سلع وبضائع العالم الثالث. رغم كل ذلك, فما حدث في سياتل ليس الا جزء بسيط من حالة عامة, فالعولمة التي تراها الولايات المتحدة هي التي ستفرض نفسها في نهاية المطاف اذا استمرت المعطيات والشروط كما هي. نقصد بمسائل التطور التقني والقدرة على الابتكارات وتمركز رؤوس الاموال وتشكل التكتلات التجارية العملاقة في كل الحقول من خلال عمليات الاندماج التاريخية التي تنفذ كل يوم. لكن ليس هناك مطلق في العلاقات الدولية فاذا تمكنت دول العالم الثالث من تحقيق نصر نسبي في الجولة الاخيرة, فانها حصدت هذه النتائج نظرا للدور الذي لعبه عشرات الآلاف من المتظاهرين الذين ذكروا باحتجاجات حرب الفيتنام اواخر الستينيات وبداية السبعينيات من هذا القرن حين تحولت شوارع مدينة سياتل الى ساحة حرب, الامر الذي شجع وفود الدول النامية لزيادة سقف مطالبها واعطى بعض وفودها شجاعة فراحوا يضربون بايديهم على المناضد احتجاجا على منعهم من التعبير عن رأيهم حول ما يدور من حوارات وراء الكواليس ازاء المنتجات الزراعية, بل ان الشجاعة هذه المرة قادت بعض الوفود الى اصدار بيان يهدد بمقاطعة اي اتفاق يتوصل اليه المؤتمرون, ذلك ان وزراء العالم الثالث شعروا باهانات بسبب الطريقة التي تجاهلتهم بها الدول الصناعية الكبرى, فلم يكن منهم الا ان يحتجوا على الاسلوب غير الديمقراطي الذي تدار به المفاوضات ومحاولات تمرير مشاريع من دون التشاور مع وزراء الدول النامية. الامبريالية الاقتصادية ولان الخلاف على اشده فقد رأى المفاوض الاوروبي, هذه المرة على الاقل, بان يقف الى جانب الدول الفقيرة, فراح (بسكال لامي) يكيل اتهامات الى الممثلة التجارية الامريكية (شارلين بارشيفسكي) ويشبه مسلكها في المنافسات بما كان يجري في العصور الوسطى, وقال (لن ينجح احد في الخروج بنتائج من خلال تلك العملية الفوضوية (المفاوضات) سوى بمعجزة) . واضاف زميله ممثل المفوضية الاوروبية (جون ريتشاردسون) مزيدا من الاتهامات للولايات المتحدة ووصفها بالامبريالية الاقتصادية, اما الذين وضعوا الارضية الصلبة لافشال جولة سياتل فقد عبرت عنهم منظمة اصدقاء الارض بالقول ان (معارضة المجتمع المدني والدول النامية نجحت في لجم منظمة التجارة العالمية) . نتائج جولة سياتل افرزت وقائع جديدة واكدت على ثوابت كانت اغلب الدول النامية بعيدة عنها فهذه الدول التي تشكل ثلثي اعضاء منظمة التجارة العالمية يمكن لها القيام بادوار من شأنها تخفيف الضغوط عليها وعلى اقتصادياتها وعلى شعوبها لو انها تحركت بتنسيق استراتيجي بعيد عن التحالفات الآنية التي نعرفها. هذا التحرك من شأنه ان يصنع رقما صعبا الى جانب الارقام الصعبة الحالية وفرض شروط تتناسب والواقع الاقتصادي لاغلب هذه الدول بدلا من طلب استثناءات للاغلبية العظمى, وفرض معادلات اكثر عدالة من تلك القائمة حاليا.