لا المطر, ولا البرد القارس, ولا الضباب, أقلق منظمي مؤتمر منظمة التجارة العالمية, الذي انعقد بسياتل الامريكية (30 نوفمبر, 3 ديسمبر), بقدر ما اقلقتهم عاصفة اخرى واصابتهم بالضعف والوهن, وهي ما اصبحت تعرف بـ (عاصفة العولمة) , هذه العاصفة, التي كان وراءها مئات المتظاهرين من الامريكيين , هي التي حولت أنظار العالم الى سياتل. ونستطيع القول لولاها لما كان هناك كبير اهتمام بانعقاد المؤتمر. ومن دون الدخول في تفاصيل طبيعة المفاوضات القديمة والجديدة بشأن تحرير التجارة الدولية (دورة سياتل), اعلنت المندوبة الامريكية في التجارة, انه ستكون هناك دورة جديدة للمفاوضات لانه ليس هناك اي اختيار, ذلك ان الولايات المتحدة تريد دورة جديدة قصيرة المدى (ثلاث سنوات) ويكون هدفها تسوية القضايا المعلقة منذ دورة الاوروغواي, والمتمثلة في تحرير الخدمات والتجارة الزراعية, بالشروع في الغاء الدعم الذي يمنحه الاتحاد الاوروبي واليابان لفلاحيهما, الشيء الذي يرفضه الاوروبيون على اعتبار ان هناك معالم حضارية, تبدأ من التغذية الجيدة الى الهوية الثقافية, لابد من حمايتها. بمعنى انه لا يمكن بأي حال من الأحوال تحويل أنشطة انسانية الى مجرد سلعة. وهنا نصل الى مربط الفرس: فاذا كانت منظمة التجارة العالمية لها منطقها, وحسابها, وسياستها, ورؤيتها للأمور وللعالم, في اطار تجاري صرف يخضع لحسابات ومعادلات خاصة, فانه لا يمكنها تسويق العالم, ولا تشييء القيم والنشاط الانساني. فليس كل شيء سلعة. وخلاصة الامر, ان عاصفة سياتل, وهي اقوى من جميع العواصف الطبيعية التي ضربت انحاء مختلفة من الولايات المتحدة, جاءت لتقول باختصار: لا لفرض النموذج الامريكي. فهل سنشهد في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين, انتفاضة ضد النظام العالمي الجديد تأخذ اشكالاً اقتصادية, وتجارية, ومالية, واجتماعية, وبيئية, وثقافية, ثم سياسية في نهاية المطاف, تظهر معها (الانتفاضة) قوة او قوى جديدة تشترك او تنافس امريكا في قيادة العالم؟ لماذا دورة جديدة للألفية؟ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, وفي الوقت الذي كانت توضع فيه على ارض الواقع المؤسسات الدولية الكبرى, مثل الامم المتحدة, صندوق النقد الدولي, البنك الدولي, قررت مختلف البلدان ان توفر لنفسها اطارا لمبادلاتها التجارية, وكان الهاجس الاساسي يتمثل في العودة الى نظام الحمائية. وتم في اكتوبر 1947 التوقيع على اتفاق عام حول التسعيرة والتجارة (الجات) من طرف 25 بلدا, وانشاء امانة عامة مؤقتة في انتظار انشاء منظمة حقيقية للتجارة العالمية. وهو ما تم في قمة هافانا 1948, لكن الكونجرس الامريكي, الذي اعتبر المبادرة ضد السيادة الامريكية, يرفض الاتفاق. الا ان الجات استمرت مع ذلك, وتحت رعايتها, جرت سبع جولات من المفاوضات التجارية لتقليص حقوق الجمارك من 40 الى 4%, وستعرض المبادلات التجارية تطورا كبيرا, حيث ستتضاعف 17 مرة, بينما ارتفع الانتاج العالمي كثيرا, وكذلك مدخول كل فرد في العالم. وخلال دورة الاورغواي (1986 ـ 1994) والتي تم التوقيع عليها بمراكش, طلب الاوروبيون اخراج منظمة جديرة بهذا الاسم, الى حيز الوجود, تكون قادرة على الحسم في القضايا المطروحة, وربح الاوروبيون رهانهم, ونُظر الى منظمة التجارة العالمية كنوع من التقدم في اتجاه (الضبط) ازاء التبادل الحر المستمر او ازاء العقوبات الامريكية أحادية الجانب. وتعتقد اغلب القوى, من الاتحاد الاوروبي الى الولايات المتحدة, ان تحرير التجارة ينبغي ان يذهب الى ابعد حد, على اساس ان الانفتاح الاقتصادي مفيد لكل بلد, ثم للعالم, وطرح بعض الاقتصاديين ارقاما تقول انه يمكن الحصول على 150 مليار دولار اذا انخفضت الحواجز الجمركية بنسبة 20% وعلى 370 مليار اذا انخفضت بنسبة 50%. وحسب زعمهم, فان الدول السائرة في طريق النمو هي التي تستفيد من ذلك في المقام الاول, لكن هذه القناعات معرضة اليوم للأخذ والرد وللتناقضات. وبالنسبة لاتفاقيات مراكش, فانها كانت ترمي الى تسوية ملفين اساسيين يتعلقان بالزراعة والخدمات, خاصة ما يتعلق منها بتيليكوم, وهذا ما يسمى في منظمة التجارة العالمية بـ (البرنامج المدمج) . ورأى الاوروبيون انه لابد من استغلال ذلك لتوسيع جدول الاعمال لمواضيع اخرى جديدة, مثل: قواعد اللعبة للاستثمار الدولي, واحترام المعايير الاجتماعية الدنيا, واحترام البيئة. وحاول 135 بلدا في منظمة التجارة العالمية التفاهم حول جدول اعمال, بجنيف, لكنهم فشلوا. كيف يمكن التفاهم بدون تصويت؟ تجدر الاشارة الى ان القرار يتخذ بواسطة (التراضي) , وكل بلد يقدم (عروضا) مثلا, يلح هذا البلد تخفيضا على الحقوق الجمركية لمادة ما بنسبة 20%, وتطرح اوروبا او امريكا نتائج الاصلاح الاخير للسياسة الزراعية.. ثم تبدأ مناقشات للحصول على تنازلات البلدان الاخرى. ولكي يتم تسجيل تقدم, فان المناقشات وبالتالي التنازلات, يمكن ان تتم عبر مجموعات او على اساس ثنائي, وفي بعض الاحيان بصفة مغلقة, وحين يرى الجميع بأن هناك مصلحة مما هو مطروح امامهم, يصبح الوصول الى الاتفاق ممكنا. معركة سيئة!! جاء الامريكيون ليدافعوا عن نموذجهم بطرح اجراءات تعجيزية تهدف للابقاء على وسائل دفاعهم التعسفية, اما اوروبا, فهي لا تفكر سوى في الكفاح من اجل سياستها الزراعية. وبالنسبة للدول البارزة, فإنها تأمل في الاعفاء من الضغوطات الاجتماعية التي ترفع في وجهها مقابل تحرير المبادلات. ووسط هذا المثلث, نجد منظمة التجارة العالمية التي اصبحت في موقف الحكم الضعيف بالرغم من ان جميع (المحاربين) هم الذين عينوه, لذلك, كان السؤال: هل ينبغي محاكمة بل ادانة هذه المنظمة, ام على العكس, تعزيزها وتقويتها؟ الا ان ما يعاب على منظمة التجارة العالمية, سواء من طرف المنظمات غير الحكومية, وجمعيات المواطنين, والنقابات, او من طرف اليسار واليمين, هو انها اصبحت نوعا من (المجتمع السري) الذي يبقى بعيدا عن اي مراقبة ديمقراطية, ويطمح المناهضون لها الى كبح الآلة الغامضة التي تصنع التبادل الحر. ويقولون ان هذه المنظمة تفرض قانونها على البلدان ذات السيادة عبر ميكانيزم تسوية الخلافات, كما يتهمونها بتفضيل الشركات المتعددة الجنسية على حساب الجوانب الاجتماعية, وحماية البيئة, ولذلك جاءوا ليعبروا عن قلقهم وغضبهم ازاء (تسليع) العالم وتسويقه, وتشييئه في اطار نموذج واحد وفريد هو النموذج الامريكي. عولمة أم قولبة..؟ اذا سلمنا بأن تاريخ العولمة بدأ عام 1989, فان الاختيار يكون تعسفيا ومثيرا للاحتجاج, ذلك انه يمكن كذلك تحديده مع اكتشاف العالم الجديد (امريكا) عام 1492. لكن كلمة (العولمة) (Mondialisation) لم تظهر في الخطاب العام الا بعد 1989, مثيرة بذلك نقاشا واسعا في فترة نهاية القرن. لقد كان البعض يعرف مقولة (الاقتصاد ـ العالم) او (القرية العالمية) , اما مقولة العولمة, فهي ظاهرة حديثة, تلتقي مع اختراع (وورلد وايد ويب) من طرف تيم بيرنير. لي, ومع الاعداد لتحرير تنقل رؤوس الاموال في اوروبا, وسقوط جدار برلين. ان العولمة التي تعنى بالفرنسية الشمولية (Globalisation) لا تتلخص في توسيع وتكثيف المبادلات التجارية. واذا اخذنا المعيار الوحيد لفتح الحدود, فان العالم كان تقريبا (معولما) اكثر مما هو عليه الان, باعتبار ان العولمة هي التقارب المفاجئ للمجتمعات, سواء لاسباب تكنولوجية او سياسية. في 1989, خرج العالم من دوخة كبيرة دامت عشر سنوات: اضطراب في النظام الثلاثي القطب المتمثل في الولايات المتحدة ـ اليابان ـ اوروبا, والذي ظل قائما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, حمى وتوتر في بلدان الكتلة الشرقية كانت وراءه حركة (تضامن) البولونية (1980), ثم البرسترويكا الروسية (1985), وبروز اهتمامات مرتبطة بالبيئة, والثورة النيوليبرالية بالولايات المتحدة في عهد رونالد ريجن. لقد بدأت جولة المفاوضات التجارية (جولة الاورغواي). وهي الثامنة من نوعها منذ انشاء الجات في 1947, في بونتا ديل ايست عام 1986, في اطار من اللامبالاة العامة الى غاية 1992. وللمرة الاولى, تم التعرض لموضوعين يتسمان بحساسية كبيرة, وهما: الزراعة (اي الغذاء والحياة) والسمعي البصري (اي الثقافة والهوية). ولم يبدأ الجدل في اوروبا الا في نهاية 1992, بعد الاتفاق الزراعي الموقع في غموض تام, بين اللجنة الاوروبية ببروكسيل والادارة الامريكية بواشنطن, في ذات الوقت, بدأت فرنسا تعرف حملة اخرى حول موضوع اخذ اسم (الاستثناء الثقافي) ومفاده ان الانتاج الثقافي ليس سلعة, وفي النهاية, تم التوقيع على جولة الاورغواي, بمراكش (ابريل 1994). وظهرت منظمة التجارة العالمية محل الجات الذي كان مجرد ناد. في ظل هذه الاجواء, جاءت جولة الالفية بسياتل التي لا يعرف بعد هل (ستبقى في التاريخ كمرحلة جديدة في التبادل الحر, او على العكس كتظاهرة كبرى للمناضلين المناهضين للعولمة؟) , على حد تعليق مسئول فرنسي. المهم في كل هذا ان جميع القضايا, بدءاً من تحرير الزراعة والخدمات, الى ارساء قواعد في مجالات البيئة والصحة, تتم ولاول مرة, تحت دائرة الاضواء الاعلامية. يقول مسئول اوروبي: (منذ سنوات, كنا نناقش اشياء تتعلق بالحياة اليومية للجميع, لكن لا احد كان يهتم بذلك. واليوم, فان اقل مبادرة نقوم بها يتم الحديث عنها بعناوين عريضة) . معنى هذا, ان تسيير العولمة والنقاش الدائر حولها, اصبح ابتداء من الان, تحت مراقبة الرأي العام, واذا كان هذا لا يمنع, بل يساهم في تعقيد المفاوضات, واثارة الافكار الديماغوجية, فانه يسجل تقدما كبيرا في النقاش الديمقراطي.. العمومي. * صحفي مغربي