لا اعلان.. لا اتفاق.. لا جدول اعمال، بهذا الايجاز الذي يحمل دلالات ومعاني خطيرة, يمكن تلخيص نتائج مؤتمر سياتل الذي راهنت الولايات المتحدة على الخروج منه بالغنيمة التي تريدها ـ وبشروطها ـ على حساب الجميع: الحلفاء الاقوياء قبل الضعفاء, من الانصار والذين يعارضون غول العولمة!لم يستطع مندوبو الـ 135 دولة الاعضاء في منظمة التجارة العالمية التوصل لاعلان يحدد اسلوب عمل المنظمة في المرحلة المقبلة, ولا على اتفاق ببدء جولة جديدة للمفاوضات وكذا زمان ومكان انعقادها او حتى تحديد اجندة بالموضوعات والقضاء التي سوف يجري التنافس بشأنها. كان ذلك ـ في حقيقته ـ تأكيدا لانقسام العالم بحدة شديدة وبفاصل سميك يشطر العالم الى نصفين: اغنياء وفقراء! ولم تكن شراهة وطمع الاغنياء, وان تفاوتت نسبتها, هي فقط التي رسخت تلك الحقيقة, ولكن كان هناك الايديولوجيات والتيارات التي تصارعت خارج قاعات المؤتمر, كما تصارعت داخله. وحين نتحرى الدقة, فإن تفاصيل المشهد بعيدا عن خطوطه العام تكشف ان الصراع لم يكن بين الاغنياء والفقراء, او الحيتان الكبيرة والاسماك الصغيرة, ولكن كانت هناك خلافات وصراعات حادة داخل جبهة الاغنياء (الدول الصناعية الكبرى) فلم تكن الولايات المتحدة واوروبا واليابان وكندا صفا واحدا, على العكس فإن حجم الخلاف بين الكبار كان هائلا, فوضح التباين بين الكتلتين الاقتصاديتين العظيمتين, اكثر من اي وقت مضى, فالرؤية الامريكية تعتبر كل شيء ـ دون استثناء ـ امتدادا للسوق, وفي خدمته ورؤية اوروبية ترى ان السوق مجرى احدى فعاليات المجتمع, ولا يمكن ـ او يجب ـ ان تنفرد بتشكيله. بالمقابل تأكد تحول موازين القوى ـ ولو مؤقتا ـ لصالح الدول النامية, التي ظهرت كقوة ثالثة يمكنها الدفع بأولوياتها ـ وربما فرضها ـ ولم تفوت اوروبا الفرصة, فحاولت ان تلعب دور (الجسر) بين الولايات المتحدة, والدول النامية, وهو الدور الذي لم تقبل به او تتقبله واشنطن. الى جانب (اتحاد الفقراء) في العالم الثاني كانت هناك جبهة عريضة من منظمات المجتمع المدني, يساندها الرأي العام العالمي, تدعم الكثير من مطالب الفقراء, وتطلعاتهم المشروعة, وحتى ( اتحادات التجارة) في العديد من الدول وليس النقابات العمالية او الفلاحية فقط ـ طالبت بالتجارة (العادلة) وليس (الحرة) الامر الذي دعم مطالبة الدول النامية بتحقيق التوازن في الحقوق, والالتزامات, وتوزيع مزايا التحرير بشكل اكثر عدلا وانسانية. تجدر الاشارة في هذا السياق الى البيان الذي وقعه 1200 من المنظمات غير الحكومية التي تنتمي للمجتمع المدني في 87 دولة, واكدت فيه ان (منظمة التجارة العالمية في السنوات الخمس الاخيرة قد اسهمت بدور بارز في تركيز الثروة في أيدي قليلة من الاثرياء جنبا الى جنب مع زيادة تفشي الفقر لاغلبية سكان الارض وطالبت المنظمات في بيانها بتأجيل كل مفاوضات من شأنها توسيع نطاق سلطة منظمة التجارة, واجراء اصلاحات تسمح بتقييم اثرها على الجماعات المهمشة, والتنمية, والديمقراطية, والبيئة... الخ. وربما كان ذلك ـ تحديدا ـ هو الذي دفع المندوبة الامريكية في مؤتمر سياتل الى التسليم بأن غياب تأييد الرأي العام لانشطة المؤتمر انما يشكل التهديد الرئيسي لنظام التجارة المتعدد الجوانب السائد الآن خاصة بعد ان دفع المتظاهرون حول مقر المؤتمر ـ الذي تحول الى ساحة حرب ـ شعارات تندد بتكريس الامبريالية الجديدة, وانتهاك السيادة الوطنية, ومص دماء الشعوب! مئة ساعة.. الف يوم! هكذا انهارت في اقل من مئة ساعة الجهود التي بذلت خلال اكثر من الف يوم سابقة على المؤتمر, الذي كان يتطلع لاطلاق جولة جديدة من المحادثات في اطار منظمة التجارة العالمية, لكن تلك الجهود منيت بفشل ذريع يعد اكبر انتكاسة في تاريخ مفاوضات التجارة العالمية منذ 20 عاما. دون شك كانت المفاوضات صعبة للغاية والموضوعات المطروحة معقدة, والمقاومة التي ابدتها الدول النامية قوية, وضغوط الرأي العام العالمي والمنظمات غير الحكومية فاقت اي تصور, لكن اطماع الولايات المتحدة تجاوزت ذلك كله, وقادت الى النتيجة التي لم يكن يتوقعها حتى اكثر المتشائمين, لا سميا ان (العم سام) وضع اطماعه كـ (حزمة واحدة) على المائدة دون ادنى مواربة, او مراعاة لمطالب الآخرين حتى الحلفاء سواء فيما يتعلق بالزراعة او معايير العمل, خاصة قضية عمالة الاطفال, والبعد البيئي والخدمات واخيرا حقوق الملكية الفكرية. حاول (العم سام) التهام الكعكة بالكامل فرفع الجميع في وجهه شعار: (العالم ليس للبيع) . وربما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير متمثلة في اعلان كلينتون اقتراحه الداعي الى فرض عقوبات اقتصادية لضمان التزام معايير العمالة في العالم, مما اثار حفيظة الدول النامية التي تخشى من اصرار الولايات المتحدة واوروبا على ربط التجارة بمستويات العمل وما يعنيه ذلك من ابداع شكل جديد مقنن من اشكال الحماية التجارية, ايا كان المسمى الذي تتستر خلفه. قاد ذلك الى خلق فرز حاد بين اغنياء العالم الصناعي, وفقراء العالم النامي, وكشف حجم التناقضات القائمة بين الشمال والجنوب ودون اي محاولة لتجميل وجه الاغنياء القبيح. رسالة واضحة في هذا الاطار كانت نتيجة مؤتمر سياتل بمثابة رسالة واضحة تؤكد ان الدول النامية لا يمكن ان تقبل بفرض نظام تجاري عالمي جائر لا يرعى مطالبها العادلة, ومصالحها المشروعة بل ويؤدي ـ بالضرورة الى انهيار صناعاتها وتجارتها وزراعتها لصالح الدول الصناعية الكبرى والشركات العابرة للقومية. وساهم انعدام الشفافية, والاصرار على فرض سياسات معينة في تكاتف الدول النامية, خاصة وان الولايات المتحدة تغافلت ـ عمدا ـ عن بديهية لا يجب الخلاف حولها, بأن اي اتفاقات دولية تكون محصلة توافق بين اتجاهات متعددة, متباينة لدول تسعى كل منها الى حماية مصالحها وتنميتها, وان تلك البديهية هي التي يجب التعامل من خلالها, انطلاقا الى وضع اتفاقات جديدة بشأن التجارة العالمية, لكن ما حدث كان محاولة للاجهاز على السيادة الوطنية للدول النامية, فيما يتفق من مجالات اقتصادية واجتماعية, وثقافية تكريسا للتفاوت الطبقي على النطاق العالمي الذي يراكم الثروة ويحصرها في مراكز محددة, ويوزع الفقر على الآخرين (بالعدل) . ولم يكن منطقيا ان يوقع اربعة اخماس اعضاء المنظمة ـ الدول النامية ـ على ما تريده واشنطن دون قيد او شرط, لا سميا مع التهميش المتعمد لمطالبها واستبعادها بشكل عام من مناقشات القضايا ذات الاهمية الكبرى للتوصل الى اتفاق بأي ثمن, وفي ظل تجاهل لاجراءات ضمان الاجماع طبقا للآلية المعتمدة وربما تفتح تلك المسألة الباب امام ضرورة اعادة النظر في تركيبة المنظمة, ونظامها الداخلي ذاته, وما يحكمه من آليات حتى يمكن ضمان مشاركة كل الاعضاء في صناعة القرارات بما في ذلك ما يتعلق بقوانين العضوية. مأزق يواجه الجميع ان طرح المسألة بهذه الدرجة من الوضوح حتمي في ظل الوضع القائم الذي يعكس ـ في معظم الاحيان ـ مصالح الدول الصناعية, ويترجمها في صورة سياسات تعارض ـ مبدئيا ـ مصالح العالم النامي, سواء دوله التي اكتسبت عضوية منظمة التجارة او تلك التي تتأثر معدلات النمو, وخطط التنمية فيها سلبيا, وهي خارج نطاق المنظمة التي تضع شروطا امام التحاقها تتسم بالمغالاة الشديدة, فأصبح الامر بمثابة مأزق وقع في شراكه الجميع: الدول الصناعية ونصف الصناعية والدول النامية على نحو ما حدث في سياتل ويمكن ان يتكرر! الوضع العربي واذا كانت دول اسيا وامريكا اللاتينية قد نجحت في تفعيل تجمعاتها الاقليمية فان الدول العربية مازالت دون المستوى المناسب لمواجهة آليات النظام التجاري الدولي القائم على التحرير الاقتصادي في كل القطاعات وفي ظل منافسة شرسة ممايعني ضرورة العمل الجماعي, باتجاه اعادة هيكلة الاقتصاديات العربية وتنشيط التجارة البيئية وتفعيل منطقة التجارة الحرة العربية, والتسريع بخطوات اقامة السوق العربية المشتركة. ان ما حدث في سياتل لا يعد فشلا لاجتماع وزاري لمنظمة التجارة العالمية فحسب بقدر ما يعني اخفاق المنظمة في اول اختبار حقيقي لها منذ ميلادها عام 95, فقد كانت هناك امال عريضة تحدو الكثيرين بأن انشاء هذه المنظمة سوف يقود الى تخفيف حدة الظلم والتوترات التجارية على الصعيد العالمي, وليس اطلاق غول العولمة دون كوابح, وانها سوف تحجم الممارسات التجارية غير العادلة, عبر تسوية الخلافات المزمنة, ورسم سياسات تجارية اكثر عدلا, يندرج في اطارها الجميع, لكن ذلك لم يحدث بأي درجة, لان من يملك تسييد شروط لايعنيه الا تحقيق مصالحه على حساب الجميع, دون استثناء سواء كانوا من الحلفاء او الفقراء! هكذا تحولت (لاءات) الفقراء في اكثر من مئة دولة والرأي العام العالمي, ونحو 1200 منظمة غير حكومية في انحاء المعمورة الى (فيتو) عالمي على اطماع (العم سام) الذي اراد ان يلتهم الكعكة بالكامل, ويبقيها على المائدة في ذات الوقت فلم يكن امام الاخرين بمن فيهم الحلفاء الا رفض الشراكة العالمية غير المتكافئة وتفضيل الخروج من سياتل بدون اي اتفاق على ان يفرض عليهم اتفاق مجحف.!