شهد القرن العشرون ازمتين ماليتين عالميتين, الاولى في اواخر العشرينيات منه, والثانية في اواخر التسعينيات, الاولى بدأت في اقصى غربي المعمورة في الولايات المتحدة ثم امتدت الى العالم الرأسمالي الحر. والثانية انطلقت في الشرق الاقصى في تايلاند ثم امتدت الى دول الجوار في اندونيسيا وكوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين . ورغم ان منطقة الخليج العربي تبعد الاف الاميال عن منشأي الازمتين, الا انها تأثرت بهما الى حد كبير, بحيث يمكن القول انها دفعت ثمنا باهظا لوقوعهما, مما يؤكد على ان الخليج لم يكن معزولا ابدا عن الاحداث العالمية الكبرى طيلة القرن العشرين, فهو يتفاعل معها تأثيرا وتأثرا. هذا فضلا عن تأثيره وتأثره بأزمات المنطقة ذاتها, وان لهذا الجانب حديثا اخر. أبعاد عالمية الازمة اي ازمة هي تطور مفاجئ نحو الأسوأ, تتضارب فيه العوامل المتعارضة اشد التضارب, وهي منعطف حاد وخطير يحيطه القلق دائما, وهي خلل في اداء الشيء لوظائفه, وهي في كل الاحوال ذات مردود سلبي على مختلف نواحي الحياة: المالية, الاقتصادية, الاجتماعية, الامنية, السياسية, والنفسية... وغيرها. والازمتان اللتان نحن بصددهما تتعلقان بالاستثمارات المالية. وعلى ضوء التعريف السابق للازمة, فان فقدان العملة لشيء من قيمتها يعني انها في ازمة, والمجتمع او المجتمعات التي تتعامل بهذه العملة انما تمر بأزمة. واذا اختلت قوى العملة اختل معها النشاط الاقتصادي وباختلال الاخير يختل بالتبعية الميزان التجاري, وتدور العجلة فتنقل الازمة من مجال الى اخر, ويعجز النظام الاقتصادي عن تلبية تبعاته, مما يؤكد انه في ازمة, وهكذا. وطالما ان المجتمعات كانت خلال القرن العشرين تعتمد في انشطتها الاقتصادية على خامات لا تنتجها محليا, فان اثار هذه الازمة لابد وان تصيب كافة اطراف العملية الانتاجية, فتمتد الازمة بذلك بعيدا وراء البحار ولا تتقيد بالحدود الجغرافية او السياسية. فكيف جرى ذلك ابان الكساد الكبير الذي ضرب العالم الرأسمالي الحر نتيجة لانهيار سوق المال في وول ستريت بنيويورك عام 1929؟ وكيف جرى ذلك في جنوب شرقي اسيا في التسعينيات؟ وكيف انعكس ذلك سلبا على منطقة الخليج العربي؟ الكساد الكبير من المعروف ان الكساد وليد الرواج, والرواج يؤدي الى زيادة الاستهلاك, وهذه تؤدي الى دفع عجلات الانتاج الى اقصى طاقاتها الانتاجية, وزيادة الانتاج تؤدي الى زيادة الطلب على عناصر الانتاج المختلفة من مصادرها المتعددة, وفي مثل هذه الحالة تنشط عمليات الاستثمار وترتفع اسعار العملات, وبالتالي تزداد تكاليف الانتاج وتنخفض الارباح, ويتشبع سوق الاستهلاك, ويتراكم فائض الانتاج ويتكدس, وتنخفض قيمة العملة, ويسعى المضاربون الى التخلص مما في حوزتهم من اوراق مالية, وتزداد البطالة, وتنخفض الدخول, وتزداد الخسائر, وينقلب الرواج الى كساد. وهكذا كما بدأنا يكون الكساد وليد الرواج. وهو ما جرى بالفعل للاقتصاد الامريكي في اواخر العشرينيات, وما جرى للاقتصاد في جنوب شرقي اسيا في اواخر القرن العشرين. فقد شهدت السنوات الاولى من العشرينيات رواجا واضحا في الاقتصاد الامريكي كانت نتيجته الطبيعية انهيار البورصة في (وول ستريت) . بشكل فجائي, وتكررت الصورة في اواخر القرن العشرين في جنوب شرقي اسيا بالسيناريو نفسه مع مراعاة خصوصية الزمان والمكان, وحدث انهيار النمور الآسيوية بشكل فجائي. ولكن ما علاقة ذلك بالخليج العربي؟ رغم التشابه الكبير بين الازمتين من حيث الاسباب والنتائج, الا ان تأثيرهما على منطقة الخليج كان مختلفا في طبيعته, وان كانت النتيجة واحدة. أزمة اللؤلؤ فبالنسبة للكساد الكبير في العشرينيات انتقلت عدوى الازمة بسرعة من نيويورك الى لندن, واصيبت بريطانيا بفيروس الكساد, وانعكس ذلك بوضوح على كافة المناطق التي كانت تدور في فلكها, وكانت منطقة الخليج العربي احدى هذه المناطق التي دفعت ثمن الازمة الغربية, في وقت لم تكن الدولة في الخليج قد ظهرت بعد بمفهومها الحديث, وبالتالي لم يكن هناك ما نسميه اليوم الهيكل الاقتصادي, مما يجعل من العسير على المطلع ان يربط بين دول ذات هياكل اقتصادية ومناطق بغير هياكل اقتصادية, كما يجعل من العسير ايضا تصديق ان تؤثر هذه في تلك, نتيجة لصعوبة ايجاد علاقة مباشرة بين الاقتصاد العالمي من الناحيتين التنظيمية والتنظيرية, لان اقتصاديات منطقة الخليج كانت وقتئذ من البساطة بحيث تغيب ملامحها الهيكلية. ولكن تأثر منطقة الخليج العربي بالكساد العالمي الكبير جاءها من زاوية اخرى, ذلك ان انهيار اسواق المال الغربية قد اضعف عملات تلك الدول, فانخفضت قيمتها, واصبح الناس غير قادرين على شراء احتياجاتهم الاساسية, ومن الطبيعي والمال هكذا ان ينصرفوا تماما عن شراء احتياجاتهم الكمالية من اللؤلؤ الذي كان يشكل عماد الاقتصاد الخليجي قبل ظهور النفط. فلحق الكساد باللؤلؤ وتجارته, وتعطل الناس عن العمل في الغوص, الذي كانت نسبة العاملين فيه تصل الى 99% من اجمالي عدد الرجال القادرين على العمل في المجتمعات الخليجية, وادى ذلك الى البطالة وبالتالي الى الكساد, ووقعت المنطقة بكاملها في ضائقة اقتصادية ومالية عنيفة, بعد ان كانت تنعم برخاء كان اللؤلؤ مصدره وساعد على مضاعفة الاثار السلبية للازمة في منطقة الخليج العربي ظهور اللؤلؤ المزروع في اليابان, فقد كان ارخص ثمنا, وايسر انتاجا. وقد يكون من العسير التعبير عن الاثار السلبية لازمة اللؤلؤ على المجتمعات الخليجية, ولكن المحنة لم تطل, فقد وهب الله المنطقة خيرا بديلا اخرج المنطقة من كبوتها, حين وصلت شركات النفط الغربية باحثة عن الامتيازات البترولية, التي اتت اكلها, حين نقلت منطقة الخليج نقلة نوعية في المجالين الاقتصادي والمالي, وبدأت بذلك عهدا جديدا من الازدهار والرخاء الاقتصادي. وكما كان اللؤلؤ عنصر الاقتصاد الرئيسي, اصبح النفط عنصر الاقتصاد الرئيسي في المرحلة التالية. تدني أسعار النفط وكما تعرضت تجارة اللؤلؤ لازمة في الثلاثينيات, تعرضت اسعار النفط لازمة اواخر القرن العشرين, لاسباب خارجية. فقد كانت اسواق جنوب شرقي اسيا تنمو بشكل سريع يعكس مظاهر الرواج, بحيث اصبحت المنطقة ملجأ لرؤوس الاموال وسوقا جذابة للمصارف الدولية, وادى ذلك الى تنشيط الصناعة بشكل ملحوظ, وتصدير الانتاج بكثافة الى الاسواق الخارجية, حيث كانت تواجه منافسة حقيقية من بلدان اخرى مما ادى الى ظهور ازمة لم تستطع السلطات التايلاندية مواجهتها, ونتج عنها انسحاب رؤوس الاموال وتخفيض الانتاج, وتقليل استهلاك النفط الذي كانت تعتمد عليه من منطقة الخليج. وتكررت الصورة لدى دول جنوب شرقي اسيا الاخرى, وتدنت اسعار النفط بشكل ملحوظ خلال الاعوام 1997 ـ 1999 نتيجة قلة الطلب عليه, خاصة وان 80% من مصادر الطاقة في هذه البلدان كانت تعتمد على النفط الخليجي. وساعد على مضاعفة آثار هذه الازمة على الدول الخليجية, ان النمو السريع الذي شهدته منطقة جنوب شرق اسيا تطلب نموا موازيا في الطلب على النفط, مما دفع بلدان الخليج الى رفع سقف الانتاج, ومع ظهور الازمة فجأة انخفض الطلب, وطبقا لنظرية العرض والطلب انخفضت الاسعار, وانعكس ذلك سلبا على مختلف مجالات التنمية النشطة في منطقة الخليج العربي. وبالرغم من ادراك المحللين الاقتصاديين ان الازمة ستكون وقتية, الا ان القلق الشديد ساور اهالي منطقة الخليج حول مستقبل السلعة الاستراتيجية التي يعتمدون عليها بشكل رئيسي, مما اضطر الحكومات الى اعادة حساباتها من جديد, ونشطت الدعوة الى تنويع مصادر الدخل خوفا من ان يحدث للنفط ما حدث للؤلؤ قبل سبعين سنة. ترى هل يمكن ان يعيد التاريخ نفسه؟ انه لسؤال يستحق التأمل. * أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الامارات مصائد اللؤلؤ: من امريكا بدأت الازمة مزارع يابانية للؤلؤ: زادت المشكلة تفاقما حقول نفطية خليجية : لم تنج من أزمة آسيا