تعد ثورة اكتوبر البلشفية الاشتراكية عام 1917 في روسيا أحد أهم أحداث القرن العشرين إن لم تكن أهمها على الإطلاق كما يصفها البعض من حيث الأهمية قبل الحربين العالميتين باعتبار أن آثارها وتداعياتها امتدت لتشمل ـ تقريباً ـ كل أنحاء العالم, كما أنها غيرت موازين القوى على الساحة الدولية قرابة نصف قرن من الزمان . ورغم انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي الا ان آثار هذه الثورة مازالت قائمة, ومازالت تشكل تهديدات فعلية وواقعية لخصومها, ومازال الخوف من عودة الشيوعية قائما في كل انحاء العالم الرأسمالي. ويعد قائد الثورة البلشفية (فلاديمير ايليتش لينين) واحدا من أبرز الشخصيات في التاريخ البشري, وقد اختاره الكاتب الامريكي (مايكل هارت) كواحد من مئة شخصية غيرت وجه التاريخ في كتابه الشهير الذي تضمن انبياء الرسالات السماوية, وجاء ترتيب لينين الخامس عشر وسط هذه الشخصيات. ايليتش لينين ولد لينين في 21 ابريل عام 1870 في روسيا في أسرة مثقفة لاب معلم, ولم تكن الاسرة فقيرة بل كانت ميسورة الحال بدليل ان ابناءها الستة تعلموا تعليما عاليا, وهو الامر الذي لم يكن متاحا الا للقلة في روسيا. درس لينين القانون في جامعة (كازان) , ومن الغريب انه لم تكن لديه في طفولته او شبابه اي ميول او دوافع للثورة او الاشتراكية او للمبادئ الماركسية بشكل عام, في الوقت الذي لم يكن في كتابات فلاسفة الماركسية وواضعي مبادئها امثال كارل ماركس الالماني وفريدريك انجلز الالماني الذي تعلم في بريطانيا اية اشارات ولا طموحات ولا كتابات عن الاوضاع في روسيا, بل كان تصورهم لتطبيق الاشتراكية ينطبق على اوروبا الغربية وخاصة في المانيا, ولم يتحدثوا عن ثورة حمراء ولم يتصوروا قيام الاشتراكية بالثورة. ولهذا فان التاريخ يسجل بأن لينين هو الذي اضاف مفهوم الثورة للنظرية الماركسية, ويقال انه تأثر في ذلك بشقيقه الاكبر الكسندر الذي اعدمه النظام القيصري في روسيا اواخر القرن 19 بسبب انتمائه لجماعات ثورية ضد القيصر. كما يقال ان لينين تأثر كثيرا بحادث اطلاق الرصاص على المظاهرات في روسيا عام 1905, والتي خرجت تطالب بالخبز والطعام, وراح ضحيتها الآلاف من الرجال والنساء والاطفال, لانه بعد هذا الحادث بالتحديد اطلق لينين مقولته الشهيرة باستحالة تغيير المجتمع بالطرق السلمية. الطبقة العاملة وجد لينين لافكاره ومبادئه تربة خصبة وسط طبقة العمال (البروليتاريا), وكانت هذه الطبقة بالتحديد في روسيا مؤهلة تماما للثورة نظرا للمعاناة الشديدة والفقر المفجع الذي كانت تحيا فيه, ولهذا أسس لينين وسط هذه الطبقة اول منظمة ماركسية في روسيا تحت اسم: (اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة) . وقد لفتت الثورة البلشفية الانتباه في العالم كله الى طبقة العمال, هذه الطبقة التي غفل عنها اصحاب الثورة الصناعية في القرن الماضي, وذهبوا يجنون لانفسهم مكاسب هذه الثورة وانجازاتها دون الالتفات لصاحب الفضل الاكبر في هذه الانجازات وهو العامل الذي كان يشكل القوة الاساسية في هذه الثورة الصناعية, والذي لم تكن تعوضه التكنولوجيا الصناعية المبتدئة آنذاك. هذه الطبقة العمالية كان لينين من الذكاء والفطنة بالدرجة التي وعى معها تماما بان نجاح اية ثورة في ايديها, خاصة وان ثورات الفلاحين والمثقفين في روسيا في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 لم تؤت ثمارها ولم تحقق نجاحات تذكر. ولكن لماذا طبقة العمال بالتحديد؟ كان مفكرو الشيوعية يجيبون ان هذه الطبقة بالتحديد هي صاحبة المصلحة في تحويل وسائل الانتاج الى الملكية العامة لانها تعمل ولا تملك, ونتاج عملها يذهب لملاك وسائل الانتاج, كما ان هذه الطبقة بظروفها الخاصة هي المؤهلة اكثر من غيرها للثورة, فهي تعمل بالالاف في اماكن مختلفة اعمالا متشابهة في ظروفها, ويمكن نشر الافكار بينها بسهولة, وتجميعها على رأي واحد, كما يسهل تنظيمها وادارتها وتوجيهها في جماعات, خاصة ان غالبية افرادها متساوون في الامكانيات والمواهب والاجر. اي دور لليهود؟ يذهب البعض الى ان اليهود هم مؤسسو الثورة البلشفية وهم المخططون لها, ويقولون ايضا ان لينين يهودي الاصل, ولكن هذه المقولات تحتمل وجهات نظر عديدة ومن المفيد النظر اليها في اطارها التاريخي, فاليهود في روسيا كان لهم قبل الثورة حزبا يسمى حزب (البوند) وهو (الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليهودي) , وكان رئيس هذا الحزب واسمه (ابراموفيتش) يكن كرها وعداء كبيرين للبلاشفة ولزعيمهم لينين, ووقف مع خصومهم المناشفة اثناء الثورة, واعتبر الثورة البلشفية جريمة واصحابها ارهابيين, ورد عليه من البلاشفة (ليف تروتسكى) اليهودي ايضا قائلا له: (انت ورفاقك البونديين والمناشفة لستم الا زبالة ومصيركم في صندوق قمامة التاريخ) . ورغم الشك في الادعاء الذي يقول بان اليهود هم الذين خططوا للثورة البلشفية الا ان هذا لا يمنع من ان يهود العالم ايدوا الثورة في البداية لانهم كانوا مؤيدين ومعجبين بالفعل بالمبادئ الماركسية, لانها تدعو للمساواة بين الناس والاممية العالمية, وعدم التفرقة بين القوميات سواء كانت اقلية او اكثرية, وهذا كان بالنسبة لليهود بمثابة النجاة من الاضطهاد الذي عانوا منه قرونا طويلة بسبب انهم اقلية متميزة, ولكن بمرور الوقت فقد اليهود الامل في الشيوعية وكرهوها وانقلبوا عليها بشدة, وخاصة بعد الاضطهاد الشديد الذي لا قوه في الاتحاد السوفييتي في الفترة الستالينية. تغيير تاريخي مهما قيل عنها فقد غيرت الثورة البلشفية مجرى التاريخ تغييرا جذريا, وقد ساعدها على ذلك في الاساس الفترة الزمنية التي اتت فيها, فقد دب الوهن والضعف في الامبراطوريات الاستعمارية الكبيرة التي سيطرت على العالم قرونا طويلة استنفدت فيها خيرات المستعمرات وتركتها تئن تحت وطأة الفقر والمرض والجهل, وجاءت الافكار الاشتراكية لتجد صدى كبيرا في الدول المستعمرة التي غزتها هذه الافكار وبسرعة خاصة بعد الحرب العالمية الاولى. واصبحت الشيوعية التي تحولت من المفاهيم النظرية الى المفاهيم الثورية تشكل خطرا كبيرا على الدول الصناعية الكبرى التي وصفها البلاشفة بالامبريالية العالمية. واضاف لينين الكثير للنظرية الماركسية, ومن اهم ما اضافه مفهوم (الاستعمار اعلى مراحل الرأسمالية الامبريالية) , هذا المفهوم الذي كان بمثابة الغمامة التي غطت اعين الشعوب المستعمرة عن أي بديل اخر للاستعمار سوى الاشتراكية. وما كادت الحرب العالمية الثانية تضع اوزارها حتى انطلقت المبادئ الشيوعية والاشتراكية تغزو العديد من دول العالم وعلى رأسها اوروبا التي انقسمت الى معسكرين اشتراكي ورأسمالي, وبرز الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى تقتسم السيادة على العالم مع الولايات المتحدة الامريكية. ومن موسكو انطلقت المفاهيم الاشتراكية الى كل دول العالم بحيث اصبح معظم دول العالم لا يخلو من حزب شيوعي او اشتراكي, حرص الولايات المتحدة التي صدر فيها قانون عام 1922 يحرم تأسيس اي حزب شيوعي ظهرت فيها جماعات شيوعية كونت تنظيمات حزبية غير علنية, وخاصة في اعقاب حرب فيتنام, كما ظهرت دول أخرى شيوعية قوية خارج المعسكر الاشتراكي التابع لموسكو, مثل يوغوسلافيا التي رفض فيها زعيمها تيتو الانضمام لحلف وارسو الشيوعي, والصين التي تبنّى فيها زعيمها (ماوتسي تونج) المفاهيم الستالينية التي تخلت عنها موسكو في عهد (خروشوف) وانقسمت كل من كوريا وفيتنام الى دولتين شيوعية ورأسمالية. ولم تسلم الدول العربية من تداعيات الثورة البلشفية, وكانت بداية ظهور الاحزاب الشيوعية فيها في سوريا والسودان ومصر في العشرينيات, ثم بدأت تأخذ بعض الدول العربية الاخرى الاتجاه الاشتراكي, وخاصة الدول المتحررة من الاستعمار في اعقاب الحرب العالمية الثانية. ارسل الاتحاد السوفييتي مساعداته الاقتصادية والعسكرية للعديد من دول العالم, وايد ودعم قضايا التحرر والاستقلال في كل انحاء العالم, وبات الامر وكأن الاشتراكية تمتد وتغزو معاقل الرأسمالية, وخاصة مع النجاحات والانجازات السوفييتية في مجال الفضاء والذرة. افول وانهيار في الوقت الذي كانت تجد فيه المبادئ والافكار الشيوعية صدى واسعا في العديد من دول العالم كانت بوادر الفساد والانهيار الداخلي تظهر داخل دول المعسكر الاشتراكي وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي, وكانت البداية في ثورة المجر خلال نوفمبر عام 1956 التي قمعتها موسكو بالدبابات واعدمت زعيمها (ايمري ناجى) , وازمة ربيع براغ عام 1968 بعد انتفاضة الزعيم الشيوعي التشيكوسلوفاكي (دوبتشيك) ضد موسكو, والتي قمعتها موسكو بالقوة, وبعد انقلاب شيلي الذي راح ضحيته الزعيم الاشتراكي المعتدل (سلفادور الليندى) الذي كان يحلم بالاشتراكية الديمقراطية, وافاق من حلمه على الواقع المؤلم الذي ارادت موسكو ان تفرضه على كل الدول الاشتراكية, ثم سرعان ما اسقطه انقلاب متواطئ مع امريكا. وجاء الانهيار الكبير في ديسمبر عام 1991 في الاتحاد السوفييتي الذي تفتت الى 15 دولة مستقلة, ثم تبعه انهيار المعسكر الاشتراكي كله, وافول نجم المبادئ الماركسية اللينينية. يبقى السؤال هل ذهبت الاشتراكية والشيوعية الى الابد؟, سؤال محير تصعب الاجابة عنه الان, وايا كانت الاجابة فانه يبقى في ذاكرة التاريخ ما حققته الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 من تغييرات جذرية على الساحة العالمية, والتي جعلتها واحدة من الاحداث الهامة في تاريخ البشرية, واهم حدث في مطلع القرن العشرين غير خريطة موازين القوى في العالم كله. شرح صورة: * زعيم الثورة لينين ثورة اكتوبر في روسيا انهيار المعسكر الاشتراكي