لماذا انقلب المد القومي الى جزر منذ اواسط السبعينيات؟ وبماذا يعلل الغياب الجماهيري وهامشية الفكر والعمل القومي منذ اوائل الثمانينيات؟ وهل ما زال للوحدة العربية مستقبل أم أنها تراجعت لمصلحة الشرق اوسطية المقودة صهيونياً, والشمال افريقية المدارة فرنسيا, والموجهتين امريكيا؟ وهل يقدر لمخطط تفتيت الاقطار العربية الرئيسية , باستغلال اشكاليات ما يسمى تجاوزا اقليات, النجاح أم ان وحدة المسيرة والمصير ما فتئت قادرة على الصمود؟ وهل شهود الخمسينيات ما زالوا مؤهلين لنشاط سياسي منتج ام ان ما تبقى لهم محصور بالاسهام في تنوير الاجيال الشابة لتمكينها من مواجهة تحديات حاضرها ومستقبلها؟ في إجابة التساؤلات السابقة وأمثالها لا مندوحة من العودة للماضي, لأن واقعنا المأزوم ليس إلا حصاده المر, وأول ما ألاحظه بهذا الخصوص انه على مدى ا لأعوام التي انقضت منذ انفصال الجمهورية العربية المتحدة اول تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث أفاضت الألسن والأقلام في مناقشة العوامل التي تسببت به, ونواحي قصور الحركة القومية العربية, ومدى مصداقية عناصرها وواقعية شعاراتها وعقلانية ممارستها, وعن مسئولية عبد الناصر خاصة والقوى والعناصر صادقة الإنتماء القومي, وتلك رافعة الشعارات القومية عن ذلك. ولقد تعددت في ذلك وجهات النظر وتباينت إلى حد التناقض, والملاحظ أن معظم ما قيل وكتب وما زال يكتب ويقال تحكمت به إحدى نظرتين : المعادية للفكر والعمل القومي, أو المنفعلة بسبب خيبة ما توقعته من آمال. وبالنتيجة سلطت الأضواء على السلبيات, وكثفت الظلال من حول الإيجابيات, ونادرا ما اتسم الحديث والكتابة بالعمق والشمول أو أخذت ظروف الزمان والمكان في الحسبان, وغالبا ما عقدت المقارنة مع ما هو قائم في أوروبا وامريكا, دون اعتبار لتمايز الواقع العربي كيفيا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا و ثقافيا عنه في أوروبا وأمريكا. تحديات.. وتفاعلات كما هو الحال بالنسبة للغائبين : الوحدة وعبد الناصر, كذلك هو الأمر بالنسبة للواقع العربي المعاصر, إذ يغلب تسليط الاضواء على الظواهر البادية على السطح, والحكم على ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها من خلال ما يولده ذلك من انفعالات. بحيث يكاد ينعقد الإجماع على أن التحديات التي تواجه عرب أواخر القرن العشرين غير مسبوقة في تاريخهم الطويل, نتيجة ما هو ملحوظ من تفاقم حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والإجتماعية والفكرية, وشيوع التشرذم والاحتقان الداخلي, وغياب الديمقراطية في معظم الأقطار وشكليتها حيث وجدت, وتفشي الفساد, وما بات واضحا من عجز النخب القائدة والمعارضة على السواء عن تقديم الاستجابات الفاعلة في مواجهة أبسط التحديات, ناهيك بقصورها الواضح تجاه انكشاف الأمن الوطني والقومي, وتهاونها الملحوظ بالسيادة الوطنية والتكامل القومي, وهوانها الجلي في نظر القوى الإقليمية والدولية. ولطالما قيل بأن معطيات الواقع العربي تدل على أن الفجوة بين تخلف المجتمعات العربية وتقدم مجتمعات الدول الصناعية السبع الكبرى تتسع ولا تضيق, وأن الأمة العربية تفارق القرن العشرين وهي على حال لا يكاد يختلف كيفيا عما كانت عليه حين دخلته, من حيث اعتبارها بين الأمم وهامشية دور النخب قومية الانتماء تقدمية التوجه. تلك هي التصورات الشائعة, إلا أن الواقع العربي ككل واقع انساني متميز بكونه يحمل تناقضات متفاعلة جدليا, تبقيه في حراك دائم وتغير متواصل, ودوام حاله بالتالي من المحال, ثم إن الوطن العربي, وإن بدا للناظر غير المدقق كجبل جليد سابح في محيط هائج, تتلاطم على جنباته الأمواج العاتية دون ان يبدي إحساسا بها, وتدفعه التيارات المائية والهوائية من غير أن يكون له دور في مصيره ومساره, إلا أنه في الواقع العملي وطن يحتل موقعا استراتيجيا على خارطة العالم, وكان منذ فجر التاريخ في تفاعل حي مع محيطه الاقليمي, وشديد الحساسية للمتغيرات والمستجدات الدولية, وهو إلى جانب ذلك وطن أمة عريقة التاريخ أثبتت وجودها في مواجهة أعتى الغزاة وأشد النكبات, وكان لها في جميع الحالات من موروثها الحضاري ما يمكنها من تقديم الاستجابة الفاعلة, ولطالما عملت التحديات العظمى على تجديد شباب هذه الأمة واستعادتها دورها في المسيرة الإنسانية, وفي التاريخ القديم والوسيط والحديث شواهد عدة تؤكد حيوية الأمم عريقة التاريخ, وبرغم بؤس الواقع المعاش إلا أنه في أكثر من ساحة عربية مؤشرات على أن إرادة الأمة لم تستلب بعد, وأن خلال الرماد وميض نار لا يجوز الاستهانة به. والوطن العربي بأي مقاييس نظرنا إليه متميز كيفيا عن جبل الجليد بأن ما هو باد على سطحه, إنما هي انعكاسات بعض حقائقه لا كلها, ولا تعطي بأي حال صورة صادقة ووافية عما هو كامن في الأعماق. التيئيس والاحباط ثاني ما ألاحظه أن مجرد الوقوف عند ظواهر واقع أي مجتمع, دون تعمق في تفحص أسبابها الموضوعية والذاتية, وأخذ الظروف الزمانية والمكانية في الحسبان, لا يفضي إلى تشخيص واف للواقع وتقويم دقيق للماضي والحاضر, وبالتالي افتقاد مقومات الاستشراف العلمي لاحتمالات المستقبل, والذي لا يفطن له من يصدرون الأحكام على الواقع العربي انفعالا بما يثقله من سلبيات. ان المخلصين منهم وبرغم صدق نواياهم انما يخدمون هدفا استراتيجيا للتحالف الصهيوني الأمريكي, إذ يسهمون دون قصد منهم في إشاعة مناخات اليأس والإحباط والإحساس بانسداد آفاق المستقبل. ولم يعد خافيا أن ذلك ما عملت ولم تزل تعمل على تأصيله مختلف أجهزة القوى المضادة لطموحات الشعب العربي. باعتباره في مقدمة أدواتها لإنجاح مخططات استغلال الوطن العربي موقعا وموارد وأسواقا وطاقات بشرية, لإدراك صناع قرار تلك القوى بأن قهر ارادة الخصم مستحيل ما لم يفقد ثقته في قدراته واعتزازه بذاته, ويغدو فريسة اليأس من حاضره ومستقبله. ولم يخف قادة العدو رهانهم على العوامل النفسية, ولقد نقل عن مناحيم بيجن قوله غداة تسلمه الحكم سنة 1977 : علينا أن نجعل العرب ييأسون من أنفسهم أولا, ثم علينا أن نجعلهم ييأسون من الاتحاد السوفييتي ثانيا, ثم علينا أن نجعلهم ييأسون من الضغط علينا عن طريق الإدارة الأمريكية ثالثا, وبعدها سيأتون إلينا لنفرض عليهم ما نشاء. ويقينا أن اليأس كان في مقدمة دوافع الرئيس السادات لزيارة القدس المحتلة وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد, كما أن اليأس كان ولم يزل أهم عوامل ما يلقاه فريق أوسلو من قبول شعبي فلسطيني, برغم مسلسل تنازلاته, وفساد ادارته, وهزال ما حققه مقابل عظيم ما فرط به. ولأن الحاضر إنما هو حصاد الماضي, ولأن المستقبل لا ينبت من فراغ, وحتى يتم تمرير ما يخطط للحاضر والمستقبل العربي بمعزل عن فعالية المكون الحضاري المتجذر في وجدان الأمة, نجد السيدة اولبرايت شديدة الحرص على تأكيد ضرورة نسيان ماضي الصراع العربي الصهيوني والتركيز على الحاضر فقط. وتتناسى وزيرة الخارجية الأمريكية انها فجأة تذكرت جذورها اليهودية وهي تحاول أن تسوق مقولة نسيان الماضي لدى صناع القرار العربي. وفي هذا الخصوص أذكر بأن الانسان فاقد الذاكرة يعد معوقا, لأنه لا يدرك من أمره شيئا, ولا يعرف هويته, ولا يمكنه أن يميز عدوه من صديقه. وبما تريده السيدة اولبرايت من صناع القرار والمفاوض العربي يكمل في التحليل الأخير ما حققه اليأس الذي دعا الى إشاعته وتأصيله مناحيم بيجن. مواجهة غسيل الدماغ من هنا يغدو منطقيا القول بأن أول وأهم وأخطر ما يواجه دعاة الفكر والعمل القومي إنما هو التصدي لعملية غسيل الدماغ, التي تعرض ولم يزل يتعرض لها المواطن العربي, وذلك من خلال عمل على ثلاثة محاور : الأول, تقديم قراءة علمية للواقع بكل أبعاده, لاستجلاء نقاط قوته ونقاط ضعفه, وبيان العوامل المؤثرة فيه إيجابا وسلبا. الثاني : عمل تقويم دقيق لتجارب الأمة خلال العقود الخمسة الماضية, في ضوء الظروف الموضوعية والذاتية التي تمت فيها ممارسات مختلف النخب, ودوافع المواقف وغاياتها, وفيما إذا كانت هي الخيارات الأفضل في زمانها, وما ترتب على ذلك كله من تعزيز ـ أو إضعاف ـ الحراكين الوطني والقومي سياسيا واجتماعيا. الثالث : متابعة المتغيرات والمستجدات الدولية بكفاءة واستجلاء خطها العام ومنطقها الحاكم, وذلك في يقيني أفضل ما يستطيع تقديمه الذين عايشوا التجربة وخبروها, وأهم ما تحتاجه الاجيال الشابة في مواجهة تحديات حاضرها ومستقبلها. على هدي هذا الفهم لمهمة أبناء جيلي سأحاول أن أجتهد في تقديم قراءة للواقع العربي لتحديد العوامل المؤثرة إيجابا وسلبا في الحراك السياسي الاجتماعي العربي أولا, وبيان أسباب نهوض الخمسينيات ثانيا, ثم وقفة مع صراعات عقد الستينيات, ثالثا, يلي ذلك تناول التحولات المدمرة في عقد السبعينيات, رابعا, فالبعد القومي لتحديات الواقع المعاصر خامسا وأخيرا إستشراف احتمالات المستقبل. مكامن القوة والضعف كل مجتمع إنساني يحتوي على نقاط قوة ونقاط ضعف, وتقاس كفاءة النخب القائدة بمدى قدرتها على استثمار نقاط القوة والحد من سلبيات نقاط الضعف, إلا أن نقاط القوة والضعف بالنسبة لأي مجتمع لا تتسم بالثبات وإنما هي دائمة التأثر بكل ما يستجد في الواقع من متغيرات, وما يطرأ على قدرات نخب المجتمع من تحولات إيجابية وسلبية, وبتأثير ما يستجدمحليا وإقليميا ودوليا. وفيما يتصل بالحراك السياسي الاجتماعي العربي والعوامل شديدة التأثير فيه آلاحظ : 1ـ منذ مطلع القرن السادس عشر تحول الموقع الاستراتيجي للوطن العربي الى أن أصبح عبئا على الامة العربية, نتيجة ما انتهت إليه حالها من ضعف وتخلف في العهد المملوكي, مما سهل استيلاء العثمانيين على معظم الأرض العربية, وسيطرة طلائع الاستعمار الاوروبي على الملاحة في أعالي البحار, وافتقاد العرب بالتالي دورهم في التجارة العالمية, وفتح اسواقهم عنوة للبضائع الاوروبية, وتحولهم الى أمة تابعة سياسيا واقتصاديا, وبحيث بات الوطن العربي أكثر مناطق العالم عرضة للتدخل الاجنبي في أدق شئونه. 2ـ برغم كل إفرازات واقع التجزئة, وتعاظم الحساسية القطرية, خلال القرن العشرين, وخاصة في ربعه الاخير, الا أن مقومات الوجود القومي العربي لم تزل أشد تأثيرا في فكر النخب ووجدان الجماهير. ودليل ذلك ما هو ملحوظ من أن الغالبية ما بين المحيط والخليج لم تزل مهيأة للتجاوب مع الخطاب القومي كلما توفرت الظروف الملائمة, ثم إنها دائمة الانفعال العفوي مع كل قضية قومية. ويعطي المهاجرون إلى اوروبا والأمريكتين واستراليا دليلا آخر على عمق الانتماء القومي وفاعلية الموروث الحضاري العربي الاسلامي لدى المسلمين والمسيحيين منهم على السواء, إذ نجد أحدهم يتخلى ببساطة عن جنسيته القطرية فيما يعض بالنواجذ على كل ما يختزنه في أعماقه ذي صلة بانتمائه القومي وتراثه الحضاري. 3ـ منذ أقام احمد بن طولون دولته في مصر في القرن التاسع الميلادي, لعبت مصر دور الاقليم القاعدة العربي. وعلى مدى الأحد عشر قرنا الماضية يبدو جليا انه كلما نمت فاعلية مصر الوطنية شكلت رافعة للحراك العربي العام, وكلما حشرت داخل حدودها القطرية تشرذم المشرق العربي وشاعت فيه الصراعات اللامجدية, ثم إرتد الوهن إلى مصر, وبتوالي التجارب تأصل في الفكر المصري ارتباط الأمن الوطني بالأمن القومي, خاصة أمن واستقرار المشرق العربي, كما نما في الوجدان العربي التطلع إلى مصر كلما اشتدت الخطوب, ومنذ مطلع القرن التاسع عشر قامت استراتيجية دول الاستعمار على أن السيطرة على مصر مفتاح التحكم بالوطن العربي كله. 4ـ شكل التجاوب العربي مع جيش ابراهيم باشا في بلاد الشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر حافزا لتحرك أوروبي لمواجهة قوة الجذب بين العرب. وكان ذلك من الدوافع الابرز لسعي القوى الاستعمارية لإقامة الكيان الصهيوني خلال القرن العشرين, ليشكل كابحا للطموح الوحدوي العربي التاريخي, ومعطلا لدور مصر القومي, وليكون سبيل امتصاص القدرات العربية. إلا أن التحدي الصهيوني شكل محفزا للحراك العربي وطنيا وقوميا, بحيث عد أهم خمائر التغيير في الواقع العربي, كما يقرر ذلك محقا د. محمود أمين العالم. 5ـ بتأثير الانفتاح العربي التقليدي على الآخر, وتعاليم الاسلام في تأكيد أن لا إكراه في الدين, والقسط مع من لا يقاتلون العرب في دينهم ويخرجونهم من ديارهم, وبكون جيوش الفتح إنما قاتلت بصورة رئيسية قوى الاحتلال الأجنبي الفارسي والبيزنطي في الهلال الخصيب ومصر والشمال الافريقي, وبتأثير القرابة الجنسية واللغوية فيما بين العرب وشعوب المنطقة, وكنتيجة لذلك كله اتسمت علاقات الفاتحين مع شعوب المنطقة بقدر عال من الإيجابية, أدى إلى أن يتبلور فيها تركيب بشري عربي اللغة والثقافة وانماط السلوك, متوجا بذلك التفاعلات البشرية التي شهدتها المنطقة منذ فجر التاريخ. وكان ابرز نتائج ذلك التفاعل الإيجابي أن اعتبرت شعوبها نفسها منتمية الى الأمة العربية, التي جاءت ذات طبيعة تركيبية تحتفظ بالتنوع في إطار الوحدة, وما فسح للنخب على اختلاف أصولها السلالية وأديانها ومذاهبها أن تسهم في الإبداعات الثقافية والفنية, وأن تعتبر الحضارة العربية الإسلامية الوعاء الذي انصهرت فيه كل ابداعاتها وما تم فاعلا لديها من مواريث قديمة. ولأن التبلور القومي العربي تم على اساس الانتماء الحضاري وليس الانتساب السلالي تميز المجتمع العربي بقدرة فذة على استيعاب العناصر الوافدة, وعلى هضم الأفكار والقيم المتأصلة في المنطقة والوافدة اليها. وأن يؤصل في وجدان الأمة الاحساس بوحدة المسيرة والمصير, وأن تتوفر في النسيج الإجتماعي العربي مرونة نسبية, لأنه في الواقع العملي أشبه بالطيف الشمسي المتشكل من عدة ألوان لا تظهر للعيان إلا إذا انكسر في سماء ملبدة بالغيوم. ولقد استهدفت النشاطات الاوروبية التبشيرية والاستشراقية, منذ مطلع القرن الثامن عشر, التعمق في دراسة المجتمعات العربية, مركزة على التمايزات العرقية والدينية والمذهبية, فيما عمدت القوى الاستعمارية إلى إبراز ذلك, وعملت جاهدة على خلق وعي أقلوي عند من لديهم خصائص ذاتية محدودة. 6ـ تدرج الأقطار العربية جميعها ضمن دول الجنوب, المتميزة بأنها محدودة الإمكانات المادية والقدرات البشرية, المتخلفة البنى السياسية والاجتماعية, والتي تشكل ولمدى غير منظور أسواقا للسلع المصنعة ومصادر للمواد الاولية, والخاضعة للتقسيم الدولي للعمل, والمتسمة بفعل ذلك بتدني نسب التجارة البينية مقابل ارتفاعها الشديد مع اسواق الدول الرأسمالية, مما أدى إلى نمو المصالح مع الخارج على حساب الداخل العربي, الأمر الذي انعكس سلبيا على التكامل القومي والطموح الوحدوي. وككل أمم العالم الثالث دخلت الأمة العربية القرن العشرين مثقلة بتراكمات المرحلة الاستعمارية وما قبلها, ولقد شكلت تلك التراكمات ولم تزل معوقات موضوعية لحركات التحرر الوطني العربية, ومحاولات تجاوز الواقع المأزوم سياسيا واقتصاديا, التي جرت في بعض الأقطار العربية الرئيسية, وبخاصة محاولات إقامة حياة دستورية وتجاوز الولاءات دون الوطنية : القبلية والطائفية, وتطوير الثقافة الوطنية لتواكب العصر. تلك هي في تقديري أهم العوامل التي لا بد من دراسة آثارها الإيجابية والسلبية على الحراك السياسي الاجتماعي العربي, خاصة في العقود الخمسة الماضية, ورصد ما طرأ على كل منها من تحولات خلال كل محطة زمنية من هذه العقود, ولما كان في حكم المستحيل الإحاطة الوافية بأي ظاهرة اجتماعية دون الإلمام الكافي بأسبابها الموضوعية والذاتية, فإنه لإدراك أبعاد التحديات التي تواجه الأمة العربية في أخريات القرن العشرين لا بد من وقفة مع ثلاث محطات : الاولى : عقد الخمسينيات وما شهده من نهوض الثانية عقد الستينيات وما حفل به من صراعات الثالثة التحولات المدمرة في عقد السبعينيات جمال عبدالناصر بين جماهيره: صعود المد القومي الوحدة عام 1958: ذروة الاندفاع