ليس المستقبل فسحة زمنية يمكن فصلها عن الحاضر والماضي, انه استمرار في الآتي لماض يكتنزه الحاضر. بكلام آخر: يحمل الحاضر مقومات المستقبل في ثناياه, ويتحدد المستقبل انطلاقا من حاضر متعين, فلا يأتي من فراغ او غيب. كما يكون الحاضر يكون المستقبل . لتحديد نمط المستقبل الذي ينتظرنا, من الضروري ـ بادىء ذي بدء ـ تعيين السمات المحددة لحاضرنا ولواقع العالم من حولنا, في حركتيهما. فما هي سمات حاضرنا. سمات واقعنا المحلي والقومي والعالمي, التي يجب اخذها بعين الاعتبار, باعتبارها الاساس الذي سيتحدد انطلاقا منه مستقبلنا؟ عيوب المواقع ثمة عيوب هيكلية ثلاثة تميز واقعنا, وتعين حدود ونمط حركتنا ونوعية مقاصدنا وقابليتها للتحقيق, هي: * غياب مفهوم الانسان الفرد كذات حرة وجديرة بالحرية بغض النظر عن صفاتها ومواضعات وجودها, عن فكرنا السياسي وحياتنا العملية. ليس الفرد عندنا ذاتا متساوية في الحرية, سابقة لاي تعيين موضوعي ومستقلة عنه, وليس بالتالي الارضية الوحيدة التي تقوم عليها المجتمعية السياسية والمدنية باجمعها. الفرد عندنا تابع لمواصفاته, لذلك يكون الغني انسانا اكثر من الفقير, والمتعلم من الجاهل, والحاكم من المحكوم, والرجل من المرأة او الطفل, والمديني من الريفي, والمالك من عديم الملكية... الخ. نحن نرى الانسان انطلاقا من تعييناته الموضوعية, نرى الجوهري انطلاقا من العرضي, بدل ان نرى تعييناته انطلاقا من ذاته الحرة, المتساوية لدى جميع افراد النوع الانساني, لذلك غابت عنا الركيزة التي بها توجد الديمقراطية والحرية الفردية والشخصية, السياسية والمجتمعية, وغاب ما اسميه (ثقافة التسامح) رغم ان تاريخنا عرف فترات اتسمت بقدر غير قليل من السياسات التسامحية, وغابت السياسة بمعناها الحديث, فعجزنا عن تملك وتفعيل المفاهيم التي شكلت نظام العالم الحديث كالسيادة الشعبية والمواطنة والقانون والحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة والحق والدولة الدستورية .. الخ. حدث هذا, رغم ان الله ـ سبحانه وتعالى ـ استخلف في الاسلام الانسان ولم يستخلف المؤمن في الارض, وكلف الانسان لا المؤمن بعمارة الكون, وجعله مسئولا عنه, مع ان هذا التكليف تم بعد استكمال رسالة الايمان؟ * بسبب انتفاء الانسان الفرد كذات حرة وجديرة بالحرية بغض النظر عن تعييناتها الموضوعية ـ ارسطو ـ وبالتالي انتفاء السياسة, عجز عالم العمل والانتاج عن اقامة مجتمعات مندمجة, موحدة نحو الداخل متعينة حيال الخارج. لقد عجز العمل البشري, الذي لعب عندنا وعند غيرنا دورا حاسما في تشكل التكوينات المجتمعية, عن ايصال (تجمعاتنا) البشرية الى مستوى من التراكم يجعل منها مجتمعات بمعنى الكلمة, رغم انها قطعت شوطا لا بأس به في تقدمها, وعرفت ـ قبل غيرها ـ مدنا تضم اعدادا بشرية هائلة, وتقسيما متقدما نسبيا للعمل, ووظائف على درجة رفيعة من التباين والنضج, ودولا مركزية. لم يلحم العمل البشري هذه التجمعات التي بقيت بالاحرى (جمعات) فصلت بينها تعييناتها الموضوعية, التي صار لها الدور الاول فحددت روابط وصلات ومصالح القوم, في السياسة والمجتمع. غاب العامل الرئيسي ـ الانسان كذات حرة ـ فبرز الثانوي والادبي كعامل مقرر, فاصابنا تشوه بنيوي تاريخي شمل سائر تظاهرات حياتنا, , عجزت (حداثتنا) السياسية عن تخطيه او الحد منه, وهاهي تجمعاتنا تعاني منه, فهو يتظاهر في سائر تجليات وجودها ووعيها, ويأخذ صورة بنية وطيدة تكبح اندماجها وتضعها على اعتاب تفكك دائم, يغلب الجهوية والطائفية والمذهبية والفئوية والامتيازية في حياتها وعلاقاتها, ويحبط سعيها الى اللحاق بالعالم, ويمتص قدرتها على انجاز اي تقدم تغييري او نوعي. * في غياب الانسان كذات حرة, والمجتمعية المدنية المندمجة والفاعلة التي تسمو على اجزائها, وفي غياب السياسة والمجتمع السياسي الراسخ الاسسس الملزم بقوانين واعراف تتخطى شخوص اصحاب السلطة ومتسيديها, تشكلت الدولة كهيئة جزئية افترقت الى سمات الدولة الحديثة: العمومية والشمول والتجرد, وعجزت عن بلوغها, في آن معا, فكانت دولة ادارة ازمة الفرد والمجتمع التاريخية لا دولة الخروج منها. في علاقة (المجتمع) بـ (الدولة) , لم تتبلور الدولة كتعبير سياسي عن مجتمع مدني هو مجتمع العمل والتعاقد والمصالح, بل تبلورت كسلطة لها اولوية مطلقة بالنسبة الى ما عداها, وتحديدا الى مجتمع (ها) ودولت (ها) . مع تضخم السلطة, تقزم الفرد وتهمش (المجتمع) وذوت (الدولة) , وصار صاحب السلطان (إلها) ارضيا في الواقع كما في نظر معاصريه. اهم التحديات هذا الاعوجاج البنيوي في صعده الثلاثة: الانساني والمجتمعي والدولتي, لعب دورا خطيرا في سقوطنا السهل تحت السيطرة الاستعمارية, بعد صعود نمط الانتاج الرأسمالي في اوروبا وتشكل نمط الحياة الحديثة هناك, وهو يلعب اليوم دورا اكثر خطورة في ما اسماه الدكتور فوزي منصور (خروج العرب من التاريخ) الذي يدخل اليوم في طور نوعي خاص فائق الخطورة, بفعل كونية هيمنة الدول المركزية شديدة التقدم والقوة, التي شرعت تنتمي منذ خمسينيات قرننا هذا الى عالم يختلف اختلافا جوهريا في تكوينه وانماط حياته وانتاجه وتقنيته وبناه عن عالمنا, واخذت تدفع بنا الى مزيد من التقهقر والتراجع, والضعف والتبعية. اي مستقبل ينتظرنا؟ يتوقف مستقبلنا على ما اذا كنا سنتخلص من عيوبنا التكوينية, التاريخية والمعندة, التي استعصى علاجها على الصعيدين الوطني والقومي الى اليوم, لاسباب بينها العجز عن تشخيصها ورؤيتها على حقيقتها, مع اننا ملكنا بالامس ونملك الآن المؤهلات اللازمة والقوى الضرورية للتخلص منها, لولا انها معطلة وتعيش مفارقة محبطة يجسدها التناقض الكبير بين وضعها الذاتي المتميز والاطار الموضوعي المهترىء الذي يهمشها ويعطلها. ثمة, على كل حال, استمرارية مذهلة لهذه العيوب على مر تاريخ طويل. وهي تتظاهر في ايامنا من خلال العجز السائد عن مقاومتها او تغيير شروط عملها, ونظرة رسمية وشعبية اليها ارى فيها ضربا من خصائص تاريخية لابد ان نتمسك بها, لما لها من اهمية في الحفاظ على هويتنا, كما يقول اصحاب هذه النظرة. اخيرا, يتظاهر اذى هذه العيوب في قابليتها للاستغلال من قبل اعدائنا وخصومنا في المنطقة والعالم المتقدم, فهؤلاء يتعاملون معها بطريقة تبقينا اسرى لها, فذلك يمكنهم من انزال الهزائم بنا, ومن نهبنا وابقائنا متمحورين عليهم غائبين عن انفسنا. هذه المعضلة المركزية, التي لم نجد حلا لها الى اللحظة, هي اهم التحديات التي واجهتنا في الحاضر وستواجهنا في المستقبل ايضا. فهل نوليها ما تستحقه من اهتمام وجهد, ونتصدى لها بكل مافي عقولنا من معرفة وانفسنا من حب للتقدم والحرية, ام نبقى بالفعل اسرى لها, فنتسمر حيث نحن او نتراجع الى الخلف: بينما يمتطي العالم ظهورنا وينطلق بسرعة عاصفة المستقبل؟ مسيرات عربية شعبية حرة ام موجهة؟ قمة عربية: اين الدولة والانسان؟