حينما اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها الشهير (3379بتاريخ10/11/1975) باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري, لم يكن ذلك صدفة أو عبثاً أو بلا معنى رغم تراجع الأمم المتحدة لاحقاً عن هذا القرار بغطاء عربي ودولي؟!. فبالعودة إلى ظروف ومعطيات وتطور نشوء الحركة الصهيونية أولاً والمنطلقات الأساسية للفكرة والحركة الصهيونية ثانياً, ثم بالوقوف أمام الأساطير المؤسسة للحركة الصهيونية ثالثاً, وأخيراً بالوقوف أمام التطبيقات العنصرية الإجرامية للفكر السياسي الصهيوني ضد فلسطين وأهل فلسطين رابعاً, نستخلص بمنتهى الوضوح ذلك القرار الذي كانت الأمم المتحدة قد خرجت به باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. فعلاوة على المعطيات الهامة الموثقة في المقالة الأولى في فكرة ونشوء الحركة الصهيونية التي ألقت الضوء على الظروف التاريخية والاجتماعية والأوروبية تحديداً التي هيأت المناخ لنشوء وتطور الحركة الصهيونية, فقد كان للأساطير المؤسسة للحركة الصهيونية دور مركزي أيضاً في تقدم وتطبيق الفكر السياسي الصهيوني على أرض فلسطين. الأساطير المؤسسة فقد دأبت المجتمعات والحركات اليهودية منذ عقود عديدة مضت, على زرع الأفكار والمفاهيم المتعلقة بالأساطير المؤسسة للصهيونية في أوساط الغيتوات اليهودية التي انتشرت حتى وقت قريب في أوروبا وأنحاء العالم. فقد وجد حكماء وعلماء اليهود ضرورة بقاء اليهود متميزين عن بني البشر, فنظروا ورسموا الخطوط والحدود التي تكرس هذا التميز, وانعكس ذلك أكثر ما انعكس في طبيعة حياة اليهود في غيتواتهم. وقد تبلورت هذه النزعة وتكرست فيما بعد على شكل الأساطير المؤسسة للصهيونية ودولة اسرائيل وهي : أولاً : شعب الله المختار - باعتبار أن اليهود وبني صهيون أمة متميزة ومفضلة على (الاغيار) من بني البشر, ومن هذا المنطلق انجبل اليهود, وتكونوا على سيكولوجية تقطع بأنهم فوق الآخرين, وان دماءهم أغلى من دماء الآخرين, الأمر الذي دفع بكبار حاخامات اليهود قبل وبعد اقامة الدولة الإسرائيلية إلى استباحة الدماء العربية الفلسطينية الرخيصة من وجهة نظرهم في فلسطين. ثانياً : أرض الميعاد الميثاق حيث ركزت أسطورة الميثاق على الربط السرمدي المستمر بين الشعب المختار والأرض المقدسة فلسطين والتي يسمونها أرض الميعاد . وبالتالي أصبحت فلسطين في الأدبيات اليهودية فالصهيونية فالإسرائيلية الأرض المقدسة أو أرض الميعاد التي لليهود حقوق خالدة فيها. ثالثا ً : عودة المسيح المنتظر وهي الأسطورة المؤسسة الثالثة للصهيونية, وتتحدث هذه الأسطورة عن عودة المسيح المنتظر لبني صهيون الأمر الذي سيضع حداً لشتات اليهود وإقامة وطنهم القومي في فلسطين إلى الأبد. وهكذا نرى ثلاثية الأساطير المؤسسة للصهيونية تترابط وتتكامل من وجهة نظرهم لتبرير وتشريع إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين على حساب وإنقاض الشعب الفلسطيني, الأمر الذي سوغ لهم لاحقاً وراهناً اعتماد سياسة الإرهاب الشامل ضد أهل فلسطين لإجبارهم على الرحيل والتشرد وسلب وتهويد أرضهم وممتلكاتهم. التطبيقات العنصرية الإجرامية للصهيونية القرار 3379 الصادر عن الأمم المتحدة جاء نتيجة لكم هائل من المعطيات والحقائق المتراكمة التي تكرس حقيقة الصهيونية كحركة عنصرية إرهابية. ذلك إن التطبيقات العنصرية الارهابية الاجرامية للفكر الصهيوني على أرض فلسطين, كانت شاملة ومرعبة وغير أخلاقية على الإطلاق. فقد استندت تلك التطبيقات العنصرية الاجرامية للصهيونية إلى الأساطير المؤسسة العنصرية القومية, وإلى الأدبيات العنصرية التي شربها بني صهيون جيلاً عن جيل, نسبوها زورا الى التوراة مثل: أنا يهوه الذي ميزكم عن الشعوب, وأعدك الرب أن تكون له شعباً خالصاً.. وأن يجعلك مستعلياً على جميع القبائل و لا تقطع عهداً مع سكان الأرض, ولا تصاهرهم ولا تندمج بهم. وحديثاً, أكد المفكر الصهيوني موسى هيس أن كل يهودي يتمتع بمقدمات نبوية , بينما قال فيلسوفهم المعروف أحاد هعام : نشعر بأننا ارستقراطية التاريخ , في حين أكد نبيهم المعاصر ثيودورهرتزل إن جنسنا أكثر فاعلية في كل شيء من باقي شعوب الأرض , إلى ذلك كان بن جوريون أول رئيس وزراء للدولة الإسرائيلية قد قال أيضاً : إنني أؤمن بتفوقنا الخلقي والفكري بحيث يستخدم كنموذج لإصلاح الجنس البشري ( راجع في هذا السياق جرجي كنعان العنصرية الصهيونية / دار النهار بيروت / ,1983 و د. عبد الوهاب المسيري / الأيديولوجية الصهيونية ـ عالم المعرفة / ديسمبر /1982 الكويت, والملف السياسي للدستور الأردنية / الصهيونية وأساطير أرض الميعاد, عدد 6/4/1997 ). أما التطبيقات الاجرامية لهذا الفكر العنصري القومي الاستعلائي فلا تقف في الحقيقة عند حدود أو سقف, فملفها مفتوح وزاخر بلا حدود بالجرائم والمذابح الجماعية وسياسة التدمير والترحيل الشامل ضد الفلسطينيين . فلم تكن الأدبيات والمنطلقات الأيديولوجية السياسية الصهيونية الإسرائيلية إلا لتفرخ أفكاراً وخططاً وممارسات إرهابية إجرامية شاملة وكيف لا والهدف الصهيوني المعزز بالغطاء الاستعماري كان : تفريخ فلسطين عبر ترحيل وتشتيت أهلها وتدمير مدنها وقراها, بغية استيطانها وإحلال يهود العالم محل أهلها الشرعيين. وعلى أرضية كل ذلك أفرزت الحركة الصهيونية وشكلت التنظيمات الإرهابية الدموية المعروفة, والتي واصلت الدولة الإسرائيلية على مدى أكثر من نصف قرن من قيامها ذات النهج والسياسة, فاكتمل الفكر السياسي الإرهابي الصهيوني باقتراف تلك التنظيمات والدولة سلسلة طويلة متصلة مستمرة من المذابح الجماعية, وعمليات التهديم والترحيل الجماعي, إضافة إلى سياسة التمييز العنصري المنهجي المتبعة ضد من تبقى من الفلسطينيين على أرض فلسطين. المذابح وعلى صعيد المذابح الجماعية ضد الفلسطينيين, اقترفت التنظيمات الصهيونية وبعدها الدولة الإسرائيلية عبر جيشها وأجهزتها الأمنية المختلفة سلسة مذابح بشعة بهدف : ذبح أكبر عدد من الفلسطينيين, ثم إرهاب وترويع الآخرين وإجبارهم على الرحيل أو الهروب أو اللجوء. فكانت المذابح العشر الكبيرة ( التي أشار إليها الدكتور هيثم الكيلاني في دراسته بعد خمسين عاماً على حرب 1948 ) وهي : مذبحة ناصر الدين بتاريخ 13/4/,1948 ومذبحة بيت دارايس في 21/5/,1948 ثم مذبحة دير ياسين في 29/10/,1948 فمذبحة الدوايمة في 29/10/,1948 ثم مذبحة عيلبون في 30/10/1948 , فمذبحة صفصف, ثم مذبحة اللد في 11-12/7/,1948 ومذبحة اللد الثانية وأخيراً مذبحة صفد. ولا يمكننا أن نغفل في هذا السياق طبعاً سلسلة أخرى من المذابح الكبيرة البشعة التي اقترفتها الصهيونية ضد الفلسطينيين والعرب مثل مذبحة صبرا وشاتيلا, ومذبحة الحرم القدسي الشريف, ومذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف, ومذبحة عيون قارة, ومذبحة بحر البقر, ومذبحة قانا...الخ. وتدمير مدن قناة السويس (بورسعيد والاسماعيلية والسويس) وقصف الاحياء السكنية في بيروت وقصف دمشق عام 1973 وتدمير مدينة القنيطرة السورية وازالتها من الوجود. ولم تكن هذه المذابح الجماعية وغيرها إلا وجهاً من وجوه التطبيقات الإرهابية الإجرامية للأيديولوجية والفكر السياسي الصهيوني. الهدم والترحيل أوغلت التنظيمات الإرهابية الصهيونية أولاً, ثم الدولة الإسرائيلية بعد قيامها ثانياً قي نهجها الإرهابي, فاقترفت إلى جانب تلك المذابح الجماعية, سلسة أخرى من جرائم الحرب البشعة, حيث قامت بتنفيذ سياسة وإجراءات التهديم الشامل للمدن والقرى الفلسطينية, وسياسة الترحيل الجماعي الشامل للشعب الفلسطيني, فكانت حصيلة هذه السياسة الصهيونية / الإسرائيلية هدم ومسح وإخفاء نحو 478 قرية فلسطينية من أصل 585 قرية وتجمعاً فلسطينياً, وترحيل وتشريد نحو 000.780 فلسطيني تحولوا إلى لاجئين, وأضيف إليهم نحو 000.350 نازح جديد في أعقاب عدوان ,1967 لتصبح الحصيلة اليوم في أعقاب مجمل التطبيقات الحربية الإجرامية الصهيونية, الإستيلاء على فلسطين كاملة من النهر إلى البحر وتحويل نحو خمسة ملايين فلسطيني بعد تكاثرهم على مدى نحو نصف قرن إلى لاجئين ونازحين عن وطنهم. الصهيونية والسلام وأخيراً نأتي لنتساءل ببالغ الذهول : هل هناك إمكانية للسلام والتعايش والتطبيع مع الصهيونية بكل أفكارها ومقارفاتها المشار إليها ؟. وهل تستوي وتتماشى طبيعة الصهيونية مع السلام ؟ ثم لو تحققت التسوية السياسية أخيراً, فما هو عمرها وما هو مداها.. وما هي احتمالات استمرارها وتكرسها أو انفجارها ؟ ! جملة كبيرة من الأسئلة والتساؤلات بالغة الأهمية التي تترتب على مناقشة كل ما يتعلق بالحركة الصهيونية ودولة الاحتلال الإسرائيلي. فوفق كل ذلك الكم الكبير من المعطيات والحقائق المتعلقة بذلك الفكر السياسي العنصري الاستيطان الإحلالي الصهيوني أولاً, ثم المتعلقة بالتطبيقات الإرهابية الإجرامية الدموية التدميرية الترحيلية الترانسفيرية الاحلالية ثانياً, فإن الطبيعة الخالصة للصهيونية ودولة الاحتلال الإسرائيلي تتكثف بـإن تلك الحركة وتلك الدولة الاستيطانية تمثل ليس شكلاً من أشكال العنصرية فحسب, وإنما نظرياً وعملياً أرقى وأخطر الأفكار والتطبيقات العنصرية والتمييز العنصري. فكيف إذن ولبالغ الدهشة يمكن أن نتحدث عن سلام وتعايش وتطبيع مع مثل هكذا حركة وهكذا دولة وهكذا طبيعة صهيونية وهكذا مجتمع صهيوني / إسرائيلي قام ولا يزال على أسنة الرماح والدماء والدمار ؟!! إلا إذا كانت التسوية السياسية التي تجري قسراً بالمشيئة الأمريكية / الصهيونية يمكن أن تكون سلاماً؟!! وفي مثل هكذا حالة وهكذا خلاصة, يمكننا أن نستخلص بالعنوان العريض : منطقياً وجدلياً وعملياً لا نستطيع أن نرى سلاماً حقيقياً ودائماً ونامياً ومقنعاً لنا ولشعوبنا العربية, مع حركة ودولة صهيونية احتلالية اغتصابية عنصرية فوقية بلطجية إرهابية هذه طبيعتها وصفاتها الراسخة الدامغة.. وهذه طبيعتها الراهنة والمستقبلية حيث ليس من المنتظر أن تنسلخ تلك الحركة وتلك الدولة عن جلدها وأن تتخلى عن طبيعتها !! شخصياً, لا أعتقد ذلك ولا أؤمن به مطلقاً, وأرى أن الصراع سيبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي, حتى استرداد الأرض والحقوق الفلسطينية المغتصبة المشروعة واحتمالية التوصل إلى أي تسوية مفروضة بحكم الهيمنة الإمبريالية / الصهيونية على العالم اليوم, وبحكم الخلل والاختلال المفجع في موازين القوى لصالح الطرف الآخر, لا تلغي ولا تنهي هذه الحقيقة الكبيرة الاستراتيجية. * خبير في الشئون الاسرائيلية