تمثل العلاقات المغربية الاماراتية أحد النماذج البارزة التي ينبغي تأملها, لاسيما في الساحة العربية التي لم تستطع لحد الساعة ان تتجاوز مجموعة من الخلافات, وتنكب على القضايا الجوهرية التي يتوق إليها المواطن العربي, خاصة في عالم تسيطر عليه التكتلات , وأكثر فأكثر تضيق مساحة تأثير الضعفاء . فعلى امتداد السنوات الماضية حافظت هذه العلاقات على مكانتها المتطورة, وهي ما زالت مرشحة لمزيد من الازدهار اعتباراً لكونها قائمة على الواقعية والتضامن والمساعدة المتبادلة في مواجهة الازمات والمحن, فما هي محددات هذه العلاقات, وما هي مجالات تفاعلها؟ أولا المحددات تتقعد العلاقات المغربية الاماراتية على مجموعة من المحددات تمكننا من اداراك المنطق الذي يقود مسلكيتها, فهي تتم بين دولتين عربيتين تنتميان إلى نفس النظام القيمي العربي الاسلامي و من هذا المنطلق فإن الدولتين تسعيان إلى تحقيق نفس الأهداف المتمثلة أساسا في العمل على تحقيق الوحدة العربية, أو على الأقل تكثيف مجالات التضامن والتعاون بين الأقطار العربية المختلفة. وفي هذا الصدد يشاطران نفس الأسى والحزن لما آلت إليه الأوضاع العربية, ولا سيما بعد الاجتياح العراقي للكويت, وعلى ضوء ذلك هناك اتفاق مشترك على ضرورة اعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك, واعادة تحريك آلياته, ولا سيما ما يتعلق بالجامعة العربية, وفي هذا الصدد فقد سبق لدولة الامارات العربية المتحدة ان نظمت في أبوظبي شهر نوفمبر 1997 ندوة كبيرة حشدت لها عددا كبيرا من المثقفين والمسئولين وذلك لمناقشة مستقبل الوحدة العربية وتفعيل جامعة الدول العربية, ونفس المسعى يوجه سلوكهما ازاء النظام الإسلامي, فكعضوين في منظمة المؤتمر الاسلامي, ومنظماتها المتخصصة فهما يعملان على ابراز مشروع اسلامي معتدل يمكن الاسلام من البروز في صيغته المعتدلة المنفتحة على كافة الحضارات الأخرى, وهو المسعى القيمي بمواجهة كافة التيارات المتطرفة التي يمكن ان تشوه المنظور الايجابي للإسلام, وفي هذا الاطار نستحضر الموقف الحاسم للامارات بعدما حاولت شركة والت ديزني من خلال معرضها, ان تكرس القدس كعاصمة لاسرائيل, ولا شك في ان هذا الموقف الحاسم, وما رافقه من ردود قد دفع الشركة إلى اعادة التفكير في مشروعها. ثانيا: ان هذه العلاقات قد ترعرعت وتنامت في كنف زعيمين معتدلين وواقعين في منظورهما لمكانة بلديهما ودورهما في العلاقات الدولية, ويتعلق الأمر بالعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني الذي استطاع خلال فترة حكمه الطويلة ان يبصم بتجربته الطويلة مسار الدبلوماسية المغربية, وقد كشفت المشاركة المكثفة من قادة العالم في جنازته عن التقدير الذي كان يحظى به بفعل دعواته وعمله الدؤوب من اجل انماء ثقافة الحوار في العلاقات بين الدول, وتفضيل اللجوء إلى الحلول السلمية لتجاوز الخلافات التي قد تنشأ بين الدول. ونفس التصور يكرسه سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة, فبفضل تفتحه واعتداله استطاع ان ينجز تحولات هائلة في دولة الامارات العربية المتحدة, فعلاوة على تشييد الدولة الاتحادية فإن دولة الامارات العربية المتحدة تتميز بتوجهها الخاص داخل المنظومة الخليجية, فقد أفلح إلى حد كبير في خلق ذلك التوافق الضروري بين خصوصيات الانسان الاماراتي الداخلية, وضرورة انفتاحه على منجزات الحضارة العالمية من خلال الاستفادة بعطاءاتها دون التخلي عن هويته الأصلية ولا شك في ان هذا المنظور المعتدل قد سمح للامارات العربية المتحدة ان توصف عن حق بجوهرة الخليج, اعتبارا لكونها توفر اطارا ملائما للعيش يزاوج بين الأصالة والمعاصرة. ثالثا: تتفق كلا الدولتين على نهج سياسة تتسم بالواقعية والاعتدال والتعبير عن التضامن, كلما كان ذلك ضروريا, وقد يعود ذلك إلى ان كلا القطرين يواجهان مسألة استكمال الوحدة الترابية, وقد ساعد هذا الأمر على تطور العلاقات بين الدولتين. فقد ساندت الامارات العربية المتحدة مطالب المغرب المشروعة فيما يتعلق باسترجاع اقاليمه المستعمرة, واستكمال وحدته الترابية, وما زال المغاربة يتذكرون بافتخار مشاركة عدد من الاماراتيين في المسيرة الخضراء لنوفمبر 1975 بجانب اخوانهم المغاربة. وهي كانت تكرس مبدأ التضامن بين الشعبين الشقيقين. ونفس التضامن ما فتئ يعبر عنه المغرب في مواجهة الاطماع الايرانية التي تحتل ثلاث جزر اماراتية وهي أبوموسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى, وقد أكد العاهل المغربي الراحل هذه المساندة خلال زيارته لدولة الامارات العربية المتحدة في اكتوبر 1992, وقد رفض المغرب دائما الاجراءات الاحادية الجانب التي تحاول من خلالها ايران فرض الأمر الواقع, وساند الطرح الاماراتي القاضي بحل الخلاف بالطرق السلمية, وقبول عرضه على محكمة العدل الدولية. ولا ريب في ان مساندة موقف الامارات العربية المتحدة في هذا النزاع يعد مطلبا قوميا اعتبارا إلى ان الحقوق التاريخية لايران على هذه الجزر لا تشوبها شائبة, وينبغي ألا يكون التقارب الايراني مع أي طرف عربي مطية للتراجع عن هذا الموقف الذي كرسته مواقف الجامعة العربية. وعلاوة على هذا الموقف التضامني المتبادل, فإن المغرب ودولة الامارات العربية المتحدة يتفقان على ضرورة العمل ما أمكن على طي صفحة الماضي فيما يخص تداعيات حرب الخليج, ويشاطر المغرب التوجهات التي دافع عنها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, والقاضية باعادة العراق إلى الصف العربي, اعتبارا إلى ان المحن التي عانى وما زال يعاني منها الشعب العراقي لا يمكن ان تستمر إلى مالا نهاية, وتدرك القيادة الاماراتية وصانعو الرأي ان استمرار الحصار على العراق لا يمكن ان يخدم إلا أعداء الأمة العربية, ففي كل الزيارات التي يقوم بها مسئولون أمريكيون إلى المنطقة يصطدمون بدعوة اماراتية إلى ضرورة رفع الحظر عن العراق, وتغيير أسلوب التعامل مع النظام العراقي. وهذا التصور سائد كذلك في الساحة المغربية حيث يشعر الكل ان استمرار الحظر لا يمكن إلا ان يزيد فقط من معاناة الشعب العراقي, وأنه لا مناص من رفعه حتى يتسنى للعراق ان يعيد بناء نفسه مجددا. وبصفة عامة يمكن القول, انه على المستوى السياسي, فان موقفي القطرين يعرفان تطابقا كبيرا في التعامل مع القضايا الدولية التي يفرضها محيطهما. فرغم البعد الجغرافي, فان هناك تقاربا على مستوى الوشائج والنظرة الواقعية المعتدلة في التعامل مع مستجدات وتطورات الساحة الداخلية أو الخارجية. الاطار التعاوني لقد عمل القطران الشقيقان على تطوير علاقاتهما الاقتصادية وانمائها باستمرار وفي هذا الصدد فقد ابرم الجانبان مجموعة من الاتفاقيات تشكل في حد ذاتها الاطار التنظيمي والقانوني لهذه العلاقات, ويمكن ان نشير على سبيل المثال الى اتفاق التعاون الاقتصادي والتجاري والتقني الذي تم التوقيع عليه في 20 مارس ,1984 ودخل الى حيز التنفيذ في 3 مايو 1990. ينص هذا الاتفاق على حرية تصدير واستيراد المنتوجات الصناعية والزراعية والثروات الحيوانية بين البلدين, مع تقديم كافة التسهيلات من الطرفين. ودون الدخول في تفاصيل بنية المبادلات المغربية ـ الاماراتية, فانه يمكن القول انها على شاكلة التجارة البينية العربية, فانها لا تعكس عمق الروابط القائمة بين البلدين. فباستثناء المبادلات المتعلقة بالطاقة, ولا سيما البترول الذي يستورد المغرب جزءا مهما منه من الامارات العربية, وبعض المواد الغذائية المصدرة لهذا القطر العربي, فان حجم المبادلات بين الطرفين يبقى متواضعا. ومن الضروري التفكير عن طريق انماء علاقات القطاع الخاص في البلدين على تطوير هذه المبادلات ورفع حجمها. لكن ضعف التبادل التجاري لا ينبغي ان يخفي الدور الاستثماري المهم للامارات العربية في المغرب. وهي تعتبر من اهم المستثمرين العرب في المغرب الى جانب المملكة العربية السعودية. وتتم هذه الاستثمارات اما على مستوى القطاع العام او على صعيد القطاع الخاص. ففيما يتعلق بالاستثمارات المشتركة نسجل ان سنة 1982 شهدت ميلاد شركة المغرب ـ الامارات للتنمية (صوميد) التي يوجد مقرها بمدينة الدار البيضاء الغربية. وهي القابضة لمجموعة من الشركات الاخرى, وهي تهدف الى اعداد وتمويل المشاريع في القطاعات العقارية والزراعية والصناعية والسياحية, وكذلك تشجيع رؤوس الاموال وانشاء الشركات والمساهمة فيها. وهكذا فقد بلغ عدد الشركات التي تساهم فيها احدى عشرة شركة. اما فيما يتعلق بالاستثمارات الخاصة, فقد شهدت تطورا ملحوظا وقد مثلت في بعض السنوات نسبة مهمة من اجمالي الاستثمارات المسجلة في المغرب. وقد تركزت هذه الاستثمارات بالاساس في القطاعات العقارية والسياحية والاشغال الكبرى الصيد البحري والصناعة. لكن ينبغي الاقرار ان الجزء الهام منها قد تم في مجال الانعاش السياحي. واخيرا, فإن المغرب مدين للامارات العربية بالشيء الكثير سواء على مستوى القروض, او على مستوى الهبات والمشاريع الاجتماعية التي مولتها بعض الشخصيات الاماراتية, وفي مقدمتهم سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي مول مجموعة من المشاريع الصحية والسكنية التي تساهم في توطيد أواصر التضامن والاخوية بين القطرين. وصفوة القول, اذا كانت العلاقات المغربية الاماراتية تشكل نموذجا يحتذى به لكونها قائمة على مبادئ التضامن والاخوة واحترام الشرعية الدولية في ضبط التفاعلات, فانها تظل مشحونة بحزمة من الوشائج الوجدانية والعاطفية التي تجمع الشعبين الشقيقين. وهو امر ايجابي, لكن ينبغي تلقيحه برأسمال مادي يساهم في توسيع العلاقات بين البلدين في كافة المجالات واذا كان الميدان الاقتصادي بجميع ابعاده يشكل قاطرة كل تفاعل خصب ومستديم, فان البحث في انماء اشكال التبادل البشري والانساني يعتبر ضرورة ملحة لانماء العلاقات العربية ـ العربية, وخلق الجسور اللازمة لتوسيع شبكة التلاحم, فالمجال الثقافي بكل اصنافه مازال لم يستثمر بشكل يسمح بتبادل التجارب والخبرات, على مستوى الباحثين والمفكرين في الدولتين. وينبغي التفكير في لقاءات دورية بين الجانبين لتوسيع معرفة كل طرف بالآخر. وأخيرا, فان هذه العلاقات المتينة القائمة على هذه الرمزيات والمرجعيات الايجابية, لا يمكن الا ان تشهد تطورات اكثر ايجابية لما فيه خدمة مصالح الشعبين الشقيقين في المغرب والامارات العربية المتحدة. * استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ـ الرباط