من الملفت للنظر وخلال مسيرة الدولة خلال الثماني والعشرين سنة الماضية وهي عمر الاتحاد, وما رافق ذلك من بناء المؤسسات الاتحادية والمحلية الحكومية التي عملت على ترجمة توجهات الحكومة وأهدافها وسياسة الاتحاد العليا, ان مستوى التنسيق والتكامل بين المؤسسات الاتحادية والدوائر المحلية لا ينسجم مع مستوى التقدم وكذلك حجم الانجازات التي حققتها الدولة خلال السنوات الماضية من عمر الاتحاد . صحيح ان الجميع يتطلع الي تطور الدولة وتنمية مواردها المادية والبشرية الا ان عدم التنسيق بين الدوائر والمؤسسات الاتحادية والمحلية المتشابهة افرز واقعا لا ينسجم مع حجم الطموحات والغايات المنشودة وتحديدا فيما يتعلق بالقطاعات الاقتصادية, و ارى اننا بحاجة الى جهاز لتنسيق السياسات والبرامج الصناعية في الدولة تناط اليه مهمة القضاء على ظاهرة الصناعات المتشابهة ويوجه الاستثمارات الوطنية نحو الصناعات الاساسية الاخرى في الدولة كما اننا بحاجة الى لجنة عليا للتنسيق التجاري تهدف الى ما يلي: دراسة الاسواق الخارجية وفرص الاستثمارات المتاحة ومجالات جذب الاستثمار والتكنولوجيا الى الدولة, توحيد جهود دوائر الغرف المحلية والدوائر الاقتصادية المحلية وكذلك وزارة الاقتصاد والتجارة والمالية والصناعة والمؤسسات الاخرى المعنية بأمور الصناعة في اقامة علاقات مع الدول والشركات العالمية بشكل متوازن بما يحقق المنفعة للجميع ويقضي على ظاهرة الازدواجية والتقليد في البرامج والخطط سواء على مستوى الترويج للدولة او فتح اسواق خارجية او جذب للاستثمارات الاجنبية. وأوضح هذه الامثلة لهيئات ولجان وطنية نحن بحاجة اليها في المرحلة المقبلة وتعالج من وجهة نظري جوانب مهمة لأوجه التشابه والتناقض الحاصل على مستوى العلاقة بين المؤسسات الاتحادية والمحلية, وهذا لا يعني التقليل من مستوى التكامل والتنسيق بين الكثير من هذه المؤسسات, والذي يبرز من خلال الانجازات الضخمة التي تحققت في ظل الاتحاد واتمنى, ومن خلال هذه المناسبة العزيزة ان تترجم مثل هذه الاقتراحات والدعوات مع اضافة الافكار والطروحات الاخرى للأخذ بالصالح والمفيد منها وبالتالي خلق توجه وطني موحد. برامج توعية اذا اردنا ان نتحدث عن قاعدة حقيقية تهدف الى اقامة المشاريع الصناعية في الدولة فيجب علينا ان نهتم ونركز على ما يلي: ـ قيادة برامج توعية ضخمة لتوجيه المستثمرين المواطنين او المقيمين اصحاب الرساميل الضخمة وارشادهم الى اقامة مشاريع تدعم الاقتصاد الوطني وتحقق مبدأ تنويع مصادر الدخل مع تهيئة فرص العمل والتدريب ونقل التكنولوجيا, وبث الوعي في هذا المجال ليشمل جميع الشرائح المختلفة في المجتمع على غرار الوعي التجاري الذي يتمتع به ابناء البلد نتيجة الثقافة والعقلية التجارية التي ترسخت من خلال سنوات طويلة من الممارسة والخبرة اكدت حقيقة وواقع تميز ابناء الامارات, تحديد مجالات وفرص الاستثمار الصناعي عن طريق دراسات تعتمد على واقع النشاط الصناعي القائم (سلبياته وايجابياته) والمشاريع الصناعية المستقبلية بما ينسجم مع المتغيرات والمتطلبات التالية:, قطاع النفط وتقلبات اسعاره, فتح الاسواق وازالة الحواجز التجارية بين الدول انسجاما مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية (الجات), العولمة الدولية. وانشاء لجنة وطنية لتنسيق المشروعات الصناعية لتجنب الازدواجية وتشابه المشاريع الصناعية, تنويع الدعم الحكومي للصناعات المحلية لتشمل المجالات التالية: الضمان الصناعي من خلال اقامة فروع للمصانع داخل الدولة لايجاد الضمان الصناعي في هذا المجال وهذا المنهج مطبق فعلا كسياسة في اغلب الدول الجاذبة للاستثمارات الاجنبية, ويتبع ذلك نقل التكنولوجيا وتوظيفها داخل الدولة, حيث ان رأس المال الثابت في قطاع الصناعة يتواجد بالفعل على ارض الدولة (مصانع ومنشآت اخرى) الامر الذي يجعل المستثمر اكثر ارتباطا من غيره بالبلد الذي يستثمر فيه الامر الذي يدعونا الى مطالبة المستثمرين الاجانب بتوسيع وتفعيل استثماراتهم في المجالات التالية: انشاء معاهد متخصصة او تطوير اساليب ومجالات التدريس في المعاهد والجامعات لتخريج كوادر متخصصة فنيا واداريا لادارة القطاع الصناعي في الدولة. الاهتمام بنشاط البحث والتطوير والذي يعتبر جزءا مهما لعملية التنمية الصناعية كمقدمة لتنمية العملية التصنيعية والتدرج كذلك في عدم الاعتماد على العمالة الاجنبية في العمليات الاساسية في الصناعة الوطنية, اعطاء الاولوية للمشتريات الحكومية للصناعات المحلية, قيادة جهود المؤسسات الوطنية في المفاوضات لنقل التكنولوجيا اللازمة للصناعة. التدرج في التوطين يعتبر القطاع الصناعي من اكبر القطاعات الانتاجية الذي يتميز بضعف وندرة الوجود الوطني في مجالاته الادارية والفنية والسبب يعود إلى الآتي: أولا: كما اشرنا آنفا إلى ضعف برامج التوعية لتشجيع المواطنين في التوجه نحو القطاع الصناعي. ثانيا: ان الاستثمار في القطاع الصناعي يختلف عنه في القطاع التجاري فالاستثمارات الصناعية ضخمة وتحتاج إلى خبرات ومهارات خاصة. ثالثا: مشكلة التكنولوجيا والآلات والمعدات التي يمكن من خلالها اقامة صناعات ذات جودة عالية أو تقليدية, والتي تعتمد على مستوى ونضج المفاوض المحلي وخبراته في السوق الدولي وكذلك حجم التسهيلات الممنوحة للاستثمار الاجنبي الذي يمكن من خلالهما جلب التكنولوجيا اللازمة للصناعة. رابعا: قلة عدد السكان المواطنين كمصدر مهم جدا في اتجاه الافراد نحو سوق العمل والذي يتركز اصلا في المؤسسات الحكومية أولا ثم القطاع الخاص التجاري فقط من بنوك وشركات تأمين وتمويل. وأرى ان مسألة التوطين في القطاع الصناعي في هذه المرحلة سابقة لاوانها اذا نظرنا إلى الموضوع بشكل اشمل واوسع في ظل بطء عملية التوطين في القطاع التجاري ناهيك عن المؤسسات الحكومية ولمواجهة ذلك التحدي ارى ان قيادة جهود التوطين في القطاع الصناعي يجب ان تندرج وفق الاستراتيجية التالية: 1ـ التوسع في جذب الاستثمارات الخارجية لاقامة صناعات تعتمد على الموارد المحلية وبما يحرك قطاعات اخرى كالقطاع الزراعي والثروة السمكية والصناعات التي تعتمد على المشتقات النفطية. 2ـ التدرج في توطين القطاع الصناعي في المستويات الادارية كمرحلة اولى لتحقيق ما يلي: * الاهتمام بتشغيل المواطنين في القطاع الصناعي من خلال جهود المستويات الادارية المواطنة العاملة في المنشآت الصناعية, وادراكها لحيوية هذا الشأن واهتمامها به كونه شأناً ومطلباً استراتيجياً. * اكتساب الخبرة والدراية في ادارة المشاريع الصناعية. * اكتساب الخبرة والدراية في المفاوضات لنقل التكنولوجيا اللازمة للصناعة. وهناك وسيلتان للوصول إلى هذه المرحلة: الاولى: اعطاء تسهيلات للشركات العالمية والاقليمية الكبرى لاقامة المشاريع الصناعية مقابل توطين مستويات ادارية معينة في المشروع. الثانية: ادخال التوطين ضمن معايير اختيار المنشآت الصناعية المتميزة للجوائز المحلية كجائزة (دبي للجودة) , جائزة (خليفة للامتياز في أبوظبي) . ولا يفوتني ذكر مبادرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة بالاعلان عن تأسيس جائزة التوطين الذي امر سموه بالبدء بانشائها حيث ستؤدي بلا شك إلى تحفيز وتشجيع المنشآت الصناعية وغيرها إلى التدرج في عملية التوطين. مجالس غير وطنية وعن دور القطاع الخاص في تشجيع وتوطين الصناعة وخلق قاعدة وطنية للتصنيع: فان اغلب مجالس ادارات الشركات والمؤسسات الصناعية في القطاع الخاص هي غير وطنية ولذلك فهي غير مهتمة اصلا بمسألة التوطين ناهيك على أن اصل تواجدهما في البلد يعتمد على حجم التسهيلات الممنوحة لهما لتسهيل اقامة هذه المشاريع على ارض الدولة كما تستفيد بعض القطاعات من المميزات الممنوحة للدولة كحصة في الاسواق الخارجية مثل قطاع الملابس الجاهزة الذي يشكل المستثمر الاجنبي 90% من مجمل ملكية المصانع الحقيقية في الدولة, فسياسة التوطين تأتي من خلال برامج الاجهزة المعنية في الدولة في توجيه القطاع الخاص وبشكل مرن ومستدرج في تقبل سياسة التوطين من خلال: جوائز الجودة, منح التسهيلات مقابل التوطين, تدريب الكوادر الوطنية على ادارة المشاريع الصناعية, ايجاد الضمان الصناعي كما أسلفنا. فأنا لست مع أساليب الالزام التي قد تؤدي الى هجرة المشاريع الصناعية الرائدة ولا مع غياب سياسة واضحة في هذا المجال ولنا في قرار مجلس الوزراء بشأن الزام المصارف بنسبة 4% سنوياً بالتوطين اسوة حسنة في سياسة التدرج في تطبيق التوطين المدروس الذي يرافقه التدريب والتوعية والتأهيل المسبق في المدارس والمعاهد المتخصصة كالمدارس التجارية في الدولة. ان الاستفادة من النجاحات التي حققتها الدول الصديقة وكذلك المتشابهة في مواردها وهياكلها الانتاجية مع الدولة لهو مهم جداً تحقيقه للاستفادة من تجارب هذه الدول لتلافي السلبيات والاستفادة من خبراتها في مجال التصنيع وتوطين القطاع الصناعي في الوقت نفسه, وواجب على الجهات المعنية وضع خطة لتحقيق هذا الغرض بحيث تتوافق مع جهود وأهداف المصلحة العليا للدولة. صناعة مزدوجة ان المراحل السابقة في عمليات التنمية الصناعية في دول المجلس تميزت بالازدواجية الشديدة في المشروعات الصناعية حتى أصبحت الصناعات القائمة في دول المجلس هي نفسها في باقي الدول مما اضعف فرص تسويق المنتجات الخليجية داخل دول المجلس نظراً للمناقشة الشديدة فيما بين الصناعات المتشابهة ويعتبر التكامل بين القطاع الصناعي وقطاع النفط والغاز والقطاعات الاقتصادية الاخرى هدفاً يسعى للحفاظ على الثروة الطبيعية في ظل ظروف سوق النفط مما يجعل الاستفادة من النفط والغاز في مجال التصنيع امراً له اهميته القصوى وبدلاً فاعلاً لتدهور اسعار النفط في الاسواق الدولية. ويكون تنفيذ وثيقة الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية الخليجية مسئولية تتحملها الجهات المعنية في كل دولة من دول المجلس حيث تعتبر اطاراً عاماً ومنهاجاً للتنمية الصناعية الخليجية في المرحلة المقبلة حيث تقوم كل دولة عضو بوضع الاسس والنظم التي تضمن تنفيذ الوثيقة وتهيئ مناخ الاستثمار الصناعي للقرن المقبل ويتطلب ذلك بكل تأكيد خلق قاعدة معلومات صناعية خليجية عريضة توفر المعلومات الدقيقة للمستثمرين الحاليين والمحتملين بما يساعدهم في قرار الاستثمار على اسس علمية بما يحقق النجاح لمشروعاتهم. ومن ابرز الاهداف التي نصت عليها الوثيقة موضوع مساهمة العمالة الوطنية في قطاع الصناعة ورفع هذه النسبة الى 75% كحد أدنى في عام 2020 مع اعطاء الاولوية للعمالة الفنية والمهنية وايجاد قاعدة للبحوث والعلوم التطبيقية المرتبطة بالصناعة. * مدير عام موانئ وجمارك دبي