في الحوار الذي اجرته معه (البيان) اكد الشيخ حمود الحارثي على عمق ومتانة العلاقات بين دولة الامارات العربية وسلطنة عمان مشيرا الى ان لدولة الامارات مكانة خاصة بالنسبة للسلطنة على كافة المستويات.وقال ان الحدود المشتركة المعترف بها سياسيا ودوليا بين البلدين تذوب وتتلاشى بالنظر الى التمازج والتداخل الاجتماعي مضيفا ان كلا منهما امتداد وعمق سياسي واقتصادي للاخر . وقال الحارثي ان الشعبين الاماراتي والعماني اسرة واحدة ومجتمع واحد تسوده قيم وعادات وتقاليد واحدة مشيرا الى ان توقيع السلطنة والامارات اتفاقية الحدود خطوة متقدمة ومثل يحتذى في اغلاق ملفات الحدود بين الجيران والاشقاء. وقال: (لعله من المناسب ان أؤكد اولا انه لايوجد خلاف بين السلطنة ودولة الامارات العربية المتحدة ولم تصعد السلطنة ابدا في يوم من الايام خلافا مع جارة من جيرانها, ولم تسمح لاي خلاف ان يطفو على السطح حفاظا على روح الجوار والأخوة) . ودعا الشيخ الحارثي الدول العربية لان تسير على ذات النهج في حلحلة المسائل الحدودية ذلك لان مصطلح (عالم عربي) يحمل في طياته عوامل الوحدة ويسمو بالعرب فوق الحدود والقيود. وحول التجربة الديمقراطية وهامش المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار عمانيا وخليجيا قال رئيس مجلس الدولة العماني (اننا في عمان ننظر الى النظام الاساسي للدولة ـ الذي هو بمثابة دستور البلاد ـ على أساس انه القانون الذي يضبط حركة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وينظم حقوق الافراد ويرسي دعائم العدل والمساواة ويؤكد على سيادة أحكام القانون وجعلها اساس الحكم, والاهتمام بتنظيم القضاء الذي هو صمام أمان الحقوق والحريات, قوامها شرف القضاء ونزاهته وحياده واستقلاله عن السلطات الاخرى في السلطنة. وقال ان استقلال القضاء في سلطنة عمان لاشك فيه وهو واقع ملموس, ووجود مجلس أعلى للقضاء يكرس هذا الاستقلال. (ونحن بهذه المناسبة نؤكد استقلال القضاء وان لا سلطان عليه وفقا للنصوص (الدستورية) التي تكفل ذلك. وان الأخذ بنظام المجلسين ـ مجلس الدولة ومجلس الشورى ـ هو تأكيد لرغبة جلالة السلطان قابوس في ايجاد هامش مهم لاشراك المواطن في كثير من القرارات التي تتخذها الحكومة ولكن بخطوات مدروسة ومتدرجة. على صعيد آخر طالب رئىس مجلس الدولة العماني (البعض) الى ان تتسع صدورهم للطرح الجاد والجريء الذي تتبناه قناة الجزيرة التلفزيونية القطرية والتي اعتبرها مفتاحا لوجود هامش افضل لحرية الرأي في منطقة الخليج, وقال (انا اعرف ان البعض متضايق من هذه المحطة بسبب ما تحفره وتجترحه برامجها وطروحاتها في الرأي العام الخليجي والعربي وفي التفكير الجمعي, لكنني ادعوهم لان تتسع صدورهم لهذا الطرح لانه طرح هام وضروري ويجب العمل على تكريسه وعلى المحطات الفضائية الخليجية ان تحذو حذو الجزيرة.. والا فلا داعي لان نتكلم عن الديمقراطية.. الا اذا كانت الديمقراطية المطلوبة هي وصول اشخاص معينين الى كراسي معينة. وفيما يلي نص الحوار الذي تناول بين اسئلة كثيرة قضايا المشاركة الشعبية في القرارات الحكومية ومسيرة العمل الديمقراطي, في ظل نظام المجلسين وحدود التقاطع بين مجلسي الدولة والشورى في الخارطة السياسية والاجتماعية العمانية وبين هذين المجلسين والحكومة. * كيف تنظرون الى علاقات التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين السلطنة ودولة الامارات العربية المتحدة, وماهي اقتراحاتكم لتطوير وتعميق هذه العلاقة؟ ـ دولة الامارات العربية المتحدة لها مكانتها الخاصة على كل المستويات رسمية كانت ام شعبية, فكلا الدولتين امتداد للاخرى وتمثل كل منهما عمقا اقتصاديا وسياسيا للاخرى وهناك حدود مشتركة على الخريطة وهي معترف بها سياسيا ودوليا الا انها تذوب بالنظر الى التمازج الاجتماعي, ان صح التعبير, فالقبائل الحدودية اسرة واحدة ومجتمع واحد تسوده قيم وعادات وتقاليد واحدة, هذا بالاضفة الى الترابط الاجتماعي الوثيق بين البلدين الشقيقين, ولذا نلمس الدفء في العلاقات والمودة في المعاملات وهناك صلات القربى, وعلاقات المصاهرة لذلك خطت العلاقات بين البلدين خطوات كبيرة على كل المستويات سواء تلك التي اشرتم اليها ام تلك التي لم تلمحوا اليها, ويعود الفضل في ذلك الى القيادة الرشيدة والسياسة الحكمية لجلالة السلطان قابوس واخيه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان, ادامهما الله تاج عز للبلدين ودعما حقيقيا لتعميق الروابط وتقوية الوشائج. اتفاقية الحدود * كيف ينظر مجلس الدولة العماني الى توقيع اتفاقية الحدود بين السلطنة والامارات باعتبارها نموذجا يحتذى به في حل الخلافات الحدودية بين الاشقاء؟ ـ لعله من المناسب ان اؤكد اولا انه لا يوجد خلاف بين السلطنة ودولة الامارات العربية المتحدة ولم تصعد السلطنة ابدا في يوم الايام خلافا مع جارة من جيرانها, ولم تدع أي خلاف يطفو على السطح حفاظا على روح الجوار والاخوة, اذن نحن جيران, والجوار له حرمته وحقوقه, ونحن عرب, فبيننا وشائج قربى وروابط, ونحن فوق كل ذلك مسلمون, واثر كل هذا كان واضحا على العلاقات بين البلدين, ولذا جاء التوقيع على الاتفاقية تعبيرا صادقا عن كل ذلك, كما انه اجراء تقتضيه كما اسلفت قواعد القانون الدولي, به نصون الجوار ونؤمنه في الحاضر ونحصنه ضد كل طارئ او خطر في المستقبل. وتوقيع الاتفاق الحدودي مع دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة لم يكن هو الاول بل هناك اتفاق مع اليمن وآخر مع المملكة العربية السعودية, وهذا الاتفاق نموذج, ليس لحل الخلافات فقط, بل دعوة للوفاق واذكاء لروح التعاون والاخوة وروابط الاصل واللغة والدم والعقيدة ونتمنى ان نرى عالمنا العربي يسير على ذات النهج ذلك لان مصطلح (عالم عربي) يحمل في طياته عوامل الوحدة ويسمو بالعرب فوق الحدود والقيود. * ماهي اهم الاهداف التي انشئ من اجلها مجلس الدولة, وماهي اهم القضايا التي يعنى المجلس بها؟ ـ اهداف انشاء مجلس الدولة حددتها الارادة السامية حيث ارادت له ان يكون لبنة اخرى قوى راسخة في بنيان المجتمع العماني تعزز ما تحقق من منجزات وتؤكد المبادئ التي رسمها جلالة السلطان, ومن أهمها ارساء اسس صالحة لترسيخ دعائم شورى صحيحة نابعة من تراث الوطن وقيمه وشريعته الاسلامية معتزة بتاريخه مع الاخذ بالمفيد من اساليب العصر وادواته فمجلس الدولة مطالب بدراسة ما يحال اليه من مسائل دراسة موضوعية, دقيقة وواقعية وصولا الى اراء سديدة وحلول رشيدة, تعزز جهد الحكومة وتعاضده مما يساعد في بناء الوطن وتقدمه وازدهاره ويوفر حياة كريمة للمواطن العماني هذه اذن الاهداف, كما ترجمتها المادة (17) من نظام مجلسي الدولة والشورى حيث اوضحت مسئولية مجلس الدولة ونطاق اختصاصه فهو يساعد الحكومة على تنفيذ استراتيجيتها التنموية الشاملة, ترسيخا لقيم المجتمع العماني الاصيل والمحافظة على ما تحقق من منجزات وما سيتحقق واهم من ذلك كله تأكيد المبادىء التي نص عليها النظام الاساسي. مما سبق فإن المجلس معني بالمجتمع العماني والمجتمع يعني النهضة الشاملة, اجتماعيا, واقتصاديا, وتنمويا وتشريعيا, ولذا فإن دور المجلس يمتد ليشمل كل مناحي ومناشط الحياة في البلاد. * ماذا عن اهم القضايا التي ناقشها المجلس خلال العامين الماضيين؟ ـ تجربة مجلس الدولة تجربة حديثة ولا نقول غضة حديثة بمعنى ان طبيعة نوع الممارسة تحتاج الى وقت وجهد كي تؤتي اكلها وتظهر فاعليتها في العام الاول كنا في مرحلة الاعداد السليم للبناء الداخلي للمجلس لان الاعداد الصحيح هو العمود الفقري للممارسة الصحيحة وفور اكتمال البنية الاساسية للمجلس تلقى موضوعات على قدر كبير من الاهمية مثال ذلك: دراسة ومراجعة السياسة السكانية وقانون المعاملات المدنية, وقد قام المجلس من خلال لجانه المختصة بدراسة هذه الموضوعات, وتمت مناقشتها ورفعت الى الجهات المختصة مصحوبة بتوصيات المجلس ورؤاه. كما يدرس المجلس حاليا موضوعي التعمين, والتعليم الجامعي الخاص, وسيرفع ما تتمخض عنه الدراسة الى الجهات المختصة. مجلس عمان * مجلس الدولة والشورى يشكلان معا مجلس عمان هل لكم توضيح دلالة ذلك وما هي الظروف والدوافع لانعقاد مجلس عمان؟ ـ ان انشاء المجلس الاستشاري للدولة كان اللبنة الاولى التي وضعها السلطان حفظه الله ايذانا ببدء فجر جديد في التجربة العمانية, نابعة من واقع المجتمع العماني ومعتقده الاسلامي وتأصيلا لمبدأ الشورى الذي انتظم حياة المجتمع منذ ان دخلت عمان الاسلام, ثم كان مجلس الشورى الذي قام على دعائم فكرة صقلتها التجربة ورسختها الممارسة, فنشأ عملاقا تزيده التجربة عمقا, وصار ساحة للتشاور والتفاكر ومنبرا مفتوحا للمواطن يحاور من خلاله الحكومة ويتبادل معها الرأي ويناقش القضايا ذات الاثر المباشر على حياته, فاعلا, ومتفاعلا مع الحكومة معليا مصلحة البلاد العليا دافعا عجلة التنمية والتطور نحو غاياتها واهدافها ثم جاء مجلس الدولة توسيعا للمشاركة في ترسيخ وعي المواطنين بأهداف التنمية, لارساء دعائم المبادىء التي نص عليها النظام الاساسي وللمحافظة على قيم المجتمع العماني في زمن بدأت تتلاشى فيه الهويات وذابت فيه الخصوصيات في خضم قيم وتقاليد وافدة غريبة باتت تهدد وجود المجتمعات بالنيل من اخلاقها ومعتقداتها والمتأمل الى اهداف واختصاصات كل من المجلسين يجد ان هناك رباطا بينهما تصب فيه الجهود وتتحدد الاهداف والغايات, الا وهو تحقيق المصلحة العليا لهذا الوطن العزيز الغالي, ولكل من المجلسين دور يمارسه انطلاقا من هذه المصلحة ووصولا الى ذات المصلحة, فنحن اذن في هذا المضمار متكاملان تحركنا بواعث المصلحة لاتنافس بيننا الا في الخير من اجل رفعة عمان. وينعقد مجلس عمان عادة عند بداية كل مدة لمجلسي الدولة والشورى, ويجوز ان ينعقد بدعوة من السلطان لبحث مسائل معينة يحيلها اليه. بين مجلس الدولة والحكومة * ما هي حدود التقابل القائمة بين مجلس الدولة وبين الحكومة وما هي حدود الاستقلال, وهل يمكن القول ان مجلس الدولة هو جهة (استشارية) للحكومة؟ ـ مجلس الدولة له اختصاصات محددة نص عليها مرسوم انشائه, ولائحته الداخلية, والحكومة هي الجهة التي انيط بها تنفيذ السياسات العامة للدولة, ومن هنا نلمح الحد الفاصل بين المجلس والحكومة, اذ لكل منهما اختصاصاته وصلاحياته, ولمجلس الوزراء حينما يرى ملاءمة ذلك ان يلجأ الى مجلس الدولة ليستطلع رأيه في اية مسألة تكون معروضة عليه, ولعل هذا يبرز دور المجلس في مساعدة الحكومة على وضع او تنفيذ سياساتها او استراتيجياتها ويسمى هذا بالدور التكاملي مع الحكومة ـ ولذا لايصدق القول على وصف المجلس بانه جهة استشارية بقدر ما هو جهة مساعدة تلجأ اليها الحكومة في المسائل ذات البعد القومي للاستئناس برأيه والاستفادة من خبرة اعضائه ولتوسيع قاعدة المشاركة تحقيقا للمصلحة العامة. النظام الاساسي للدولة * بهذا المعنى بمعنى ان الحكومة تلجأ الى المجلس في المسائل ذات البعد القومي كما ذكرتم كيف تنظر في مجلس الدولة الى (النظام الاساسي للدولة) باعتباره دستورا يحدد الحقوق والواجبات ويحدد العلاقات بين المواطنين بعضهم البعض وبينهم ومؤسسات الدولة المختلفة, وبين هذه المؤسسات بعضها البعض؟ ـ النظام الاساسي, وغيره من القوانين الاساسية التي اصطلح على تسميتها بالدساتير هي في الواقع قواعد تحدد اساس الدولة القانوني, ولهذا تتصف بالسمو او العلو على غيرها من القواعد القانونية مما يعني ضرورة احترام التشريع العادي لها طالما اكتسبت صفة الدستور بالنظر الى احكامها, وتتضمن عادة مثل هذه التشريعات بعض الحقوق التي اصطلح على تسميتها ايضا بالحقوق الاساسية, وعلاقة السلطات في الدولة, والمبادىء الاساسية, اجتماعية, واقتصادية وسياسية, وتنظيم السلطة القضائية وما الى ذلك من المسائل التي تتضمنها عادة الدساتير وينظر مجلس الدولة الى النظام الاساسي على اساس انه القانون الذي يضبط حركة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وينظم حقوق الافراد ويرسي دعائم العدل والمساواة, ولقد انيط بالمجلس التأكيد على المبادىء التي نص عليها, ولعل هذا يلقي على مجلس الدولة مسئولية وعبئا في العمل على رؤية هذه المبادىء مجسدة على ارض الواقع, عملا ملموسا وهو دور سيحرص المجلس على القيام به, وفاء بعهد قطعه على نفسه امام جلالة السلطان في جلسة افتتاحه لمجلس عمان. * سلطنة عمان, وفقا لمواد النظام الاساسي للدولة, هي دولة مؤسسات وقوانين على ضوء ذلك كيف تنظرون الى مستقبل العمل القانوني والقضائي في البلاد, وهل تتوقعون تحقق استقلالية القضاء وانشاء المجلس الاعلى للقضاء قريبا, بحيث لا سلطان على القضاء كما جاء في النظام الاساسي للدولة؟ العمل القانوني بدأ تشريعيا وقضائيا بالفعل منذ مدة طويلة تعود الى فجر النهضة المباركة وتمثل ذلك في ديوان التشريع ومحكمة المرور التي اصبحت المحكمة الجزائية ثم انشئت لجنة حسم المنازعات التجارية واخيرا الى المحكمة التجارية ومع وجود هذه المحاكم كان لابد من وجود المساعدة القانونية فكانت مهنة المحاماة تمارس دون تنظيم قانوني مما جعلها مهنة تجارية يتم تسجيلها لدى وزارة التجارة والصناعة ثم اضحت بصدور قانون المحاماة مهنة قانونية وقضاء واقفا مساعدا للقضاء لها مثل لممارسة المهنة وضمانات تكفل لها العمل باستقلال وحرية صونا لحقوق المواطنين علما بأن حق المواطن في الدفاع عن نفسه حق اساسي. كل هذا التطور نظم مهنة القانون وقد سار بخطى واقدام راسخة نحو ارساء دعائم العدالة واجهزتها. بعدها صدر النظام الاساسي للدولة ليؤكد على سيادة احكام القانون وجعلها اساس الحكم واهتم بتنظيم القضاء حيث افرد له الباب السادس الذي حوى القواعد المنظمة لاشرف مهنة عرفها التاريخ الانساني فهي صمام امان الحقوق والحريات قوامها شرف القضاء ونزاهته لا سلطان عليها غير القانون وحيادها يصونه الاستقلال عن السلطات الاخرى في الدولة وضمانات قانونية تستوحي من ذات الاحكام التي اوردها النظام الاساسي مع صراحة ووضوح نصوص النظام الاساسي المنظم للقضاء لم يعد هناك ادنى شك من استقلال القضاء فقد اصبح واقعا ومبدأ اساسيا ويكرس ذلك الاستقلال وجود مجلس اعلى للقضاء يشرف على حسن سير العمل بالمحاكم ويتولى مسائل التعيين والترقية والمحاسبة وغيرها من الشئون الوظيفية للقضاة اذن نحن لا نتوقع فقط استقلال القضاء, بل نؤكد ذلك في اطار النصوص الاساسية (الدستورية) التي تكفل ذلك. وقد ضرب النظام الاساسي أجلا (سنتان) لاستكمال اصدار القوانين التي يستلزمها النظام, ومن أبرز هذه القوانين تلك المنظمة للقضاء والقوانين الاخرى الاجرائية والموضوعية في المجالين الجنائي والمدني, ولعل الجهات المختصة قد فرغت من اعدادها وربما تصدر قريبا, ولذا فنحن على أعتاب نهضة قانونية وتنظيم شامل لمهنة القانون. الديمقراطية وفصل السلطات في هذا السياق نود أن نسأل الشيخ حمود بن عبد الحارثي, رئيس المجلس الاستشاري وزير العدل السابق ورئيس مجلس الدولة حاليا عن رأيه في تجربة فصل السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) المعمول بها في العديد من بلدان العالم, ومدى امكانية تطبيق هذه التجربة في السلطنة؟ استطيع ان اقول انه لا يوجد فصل تام بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, هذه السلطات هي عماد حياة الدولة وضمان استمرارها كشخص من أشخاص القانون العام. كل سلطة تؤثر وتتأثر بالاخرى, فالجهاز التنفيذي هو الحكومة وفي يده كل مقاليد الامور, وحين يخضعه القانون لرقابة فان ذلك لا ينفي استقلاله في هذه الجزئية بل يعني أن ممارسته لهذا الاختصاص تحكمها ضوابط يكون الخروج عليها محل تعقيب من الجهة التي أناط بها القانون ذلك ولهذا نجد أن البرلمانات في الدول ذات الانظمة الديمقراطية تمارس قدرا من الرقابة على أداء الجهاز التنفيذي, اضافة الى ذلك فان للقضاء رقابة أيضا على أداء السلطتين التشريعية والتنفيذية وهي تمارس وفق ضوابط دستورية وقانونية. ربما يعنينا هنا بصفة خاصة استقلال السلطة القضائية وهذا المبدأ نص عليه النظام الاساسي في وضوح وقوة. ضمان الحقوق والحريات لكن ما مدى هذا الاستقلال وما طبيعته؟ الهدف من استقلال السلطة القضائية هو ضمان للحقوق والحريات الا أن هذا الاستقلال لا يقف بمعزل عن نزاهة القضاء وشرفهم وعدلهم والعدل لا يتأتى الا بالعلم والفهم الصحيح للقانون وفوق كل ذلك حسن التصرف ونفاذ البصيرة, فالقاضي ليس مجرد أداة او آلة يقرأ النصوص ويطبقها على الوقائع ثم يصدر قراره, فعليه واجب الفهم العميق لروح النص وتلمس حكمته, إذن فالاستقلال له ابعاد ودعائم اساسية أهم بكثير من مفهوم الاستقلال الضيق, لدى البعض, صحيح ان الاستقلال قد يكون منقوصا اذا كان هناك نوع من الهيمنة او علاقة مؤثرة بالجهاز التنفيذي الا ان الكثير من يقلل من اهمية ذلك ففي الانظمة القضائية السائدة في عالمنا العربي نجد ان المؤسسات القضائية تابعة لوزارات العدل, بمعنى ان لوزارة العدل حق الاشراف عليها وتصدر قرارات على قدر كبير من الاهمية والتأثير على القضاة كالنقل والندب وغيرهابعد ان ترفع اليه توصية بذلك من مجلس القضاء الاعلى او المجلس الاعلى للقضاء كما يسمى في بعض الدول, الا ان البعض يرى ان وجود المجلس الاعلى للقضاء هو ضمانة لهذا الاستقلال ولايمس اشراف وزراء العدل هذا الاستقلال اذ الاستقلال المطلوب هو حرية القاضي في اصدار قراره القضائي دون تأثير من احد ودون رهبة او خشية وهذا ما يكفله القانون, وفي رأي البعض ان وجود مثل هذا الاشراف مؤثر اذ ان القاضي يعلم ان قرار تعيينه يصدر من الجهاز التنفيذي وكذا ترقيته, ونقله, وهي قرارات تتصل اتصالا مباشرا بمهنته وتؤثر فيها ومن ثم فإن ذلك يترك بصمته واثره على اداء القاضي ويبقى الاستقلال نظريا وفي بعض الدول وهي قليلة لاترتبط السلطة القضائية بالجهاز التنفيذي مباشرة بل برأس الدولة فقط, وبحكم وضعه على قمة الجهاز التنفيذي فان احتمال تدخل ذلك الجهاز في العمل القضائي يبقى احتمالا بعيدا الشيء الذي يحقق قدرا اكبر من الاستقلال وهو ما تأخذ به بعض الدول الاوروبية وامريكا. على كل نستطيع ان نقول ان الفصل التام بين السلطات في الدولة يعد امرا غير عملي ويتنافى وطبيعة اجهزة الدولة التي تتفاعل مع بعضها في انسجام تام في اطار النظام الاساسي او الدستور والقوانين وصولا الى المصلحة العليا, وتبقى السيادة للقانون وحده فهو الذي ينظم علاقات هذه السلطات ببعضها بما يكفل لها القدر اللازم او الضروري من الاستقلال الذي يكفل حسن الاداء ويحقق الغايات العظمى التي يهدف اليها ذلك الاستقلال غير أن الامر الهام هو التساؤل الى اي مدى يوجد وعي باهمية وجود هامش مناسب لحرية الرأي والتفكير وقبول الرأي الاخر المخالف في بلداننا وعلى وجه خاص دول الخليج. هل بلغنا درجة تقبل الرأي الاخر وهل لدينا الواعي الكافي بالحرية السياسية التي تقود بطبيعة الحال الى الديمقراطية والقضايا التي تصاحبنا والتي من بينها موضوع فصل السلطات الذي اشرتم اليه في السؤال ولماذا نجد بيننا من يضيق صدره بما تطرحه محطة فضائية عربية تتخذ من مناخنا الخليجي مكانا, وهي قناة الجزيرة في دولة قطر والتي اعتبرها بحق افضل قناة تلفزيونية عربية ويمكن بما تقدمه وتطرحه من جرأة في تناول العديد من الموضوعات التي تتعلق بصورة مباشرة والحياة اليومية للإنسان العربي, يمكن ان تكون المفتاح لوجود هامش لحرية الرأي وتعدد الطروحات حيال قضايا الواقع السياسي والاجتماعي. ونحن نتساءل لماذا يضيق صدر البعض بما تطرحه الجزيرة, ولماذا هذا الانزعاج؟ هل لكونها تصدر من دولة عربية هي قطر؟ وماذا لو كانت تصدر من اي مكان آخر في هذا العالم وربما طرحت ما اخطر واشد, هل كانوا سيصمتون, او لنقل ما الذي بمقدورهم فعله؟ قبل الكلام عن الديمقراطية وفصل السلطات اظن يجب علينا التدرب على تقبل الآخر المختلف وعلينا التعود على سماع النقد بل والذهاب الى نقد الذات لا بد من وجود مناخ فكري يهيىء لاي خطوة اخرى متقدمة, وبهذه المناسبة فإننا ندعو اولئك البعض الذين تضيق صدورهم بالنقد ان يكونوا اكثر رحابة والا فلا ضرورة لأن نتكلم عن الديمقراطية لأن الديمقراطية ليست وصول البعض الى الكراسي والجلوس عليها بعيداً عن الناس وعن تحولات الحياة والواقع. كما اننا نتمنى ان تحذو تلفزيونات المنطقة حذو الجزيرة في طرحها الجريء والمباشر. قانون المعاملات المدنية ومجلس الوزراء * منذ فترة وهناك كلام يدور عن وجود قانون شامل هو (قانون المعاملات المدنية) وكنتم منذ سنوات رئيساً للجنة التي شكلت لوضع هذا القانون الذي اريد له ان يكون اباً لكل القوانين في السلطنة, وعلمنا ان المحطة الاخيرة التي بلغها هذا القانون هي مجلس الدولة, فماذا تم بشأنه ومتى يتوقع صدوره في صيغته النهائية؟ ـ قانون المعاملات المدنية تم وضعه من قبل لجان متخصصة ظلت تعمل زهاء اربع سنوات متصلة, الا ان هذه اللجان لم تكن متفرغة تماماً لذلك العمل, وبعد ان فرغت منه قرىء القراءة الاولى من قبل لجنة ضمت كل الخبراء والكفاءات العمانية ثم خضع لقراءة ثانية من لجنة مصغرة منحت فترة قليلة ذلك لان مجلس الوزراء كان يستحث الوزارة على سرعة انجازه. رفع بعد ذلك الى مجلس الوزراء الذي احاله بدوره الى مجلس الشورى, وبعد دراسته أحاله الاخير مشفوعاً بملاحظاته الى مجلس الدولة الذي قدم بعض الملاحظات عليه وعقب على ملاحظات مجلس الشورى ثم رفعه الى مجلس الوزراء اما متى يصدر فهذه مسألة ترتبط باقرار المشروع بصفة نهائية. العلاقة مع المجالس المشابهة * هل هناك علاقات قائمة بين مجلس الدولة العماني والمجالس المشابهة العربية والعالمية وما هي ابعاد هذه العلاقة؟ ـ نعم هناك علاقات بين مجلس الدولة والمجالس المشابهة على المستويين العربي والعالمي تمثلت في زيارات رؤساء وممثلي البرلمانات العربية والغربية, كما قمت ببعض الزيارات للدول الصديقة للوقوف على تجاربهم واسلوب ممارستهم ومدى امكانية الاستفادة منها على ضوء تجربتنا العمانية, فنحن لاننقل تجارب الآخرين دون تصرف, فلنا ظروفنا الاجتماعية والسياسية المختلفة ولنا خصوصيتنا. * نظم مجلس الدولة مؤخرا اول ندوة من حيث اهميتها حول (النظام الاساسي للدولة) فما هي الاهداف التي تحركت حولها هذه الندوة؟ ـ الدورات وغيرها كالندوات والمحاضرات كلها سبل تهدف غالبا الى توسيع المعرفة وتلاقح الخبرات واكتساب المهارات من خلال النقاش وتبادل الآراء. والندوة التي نحن بصدد الحديث عنها ذهبت الى تعميق الفهم والاستفادة من تجارب الآخرين في الموضوعات محل البحث والاهتمام ولاشك ان النظام الاساسي كان انجازا كبيرا شكل بذاته نهضة قانونية تعبر به ومن خلاله السلطنة الى القرن المقبل دولة عصرية. من اهم الاحكام التي اشتمل عليها النظام الاساسي, المبادىء الاساسية والحقوق والحريات العامة وركائز الدولة وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية, وجاءت لاول مرة قسمات وملامح السلطة القضائية واضحة ومفصلة تكشف عن بنية متكاملة وسلطات محددة, واستقلال لاتشوبه شائبة, هذا بالاضافة الى تنظيم دقيق لمهنة القانون ونحن في مجلس الدولة, ومن منطلق اهتمامنا بالنظام الاساسي, بحكم قانون انشاء المجلس كان لابد لنا ان نسلط الضوء على احكام هذا النظام تعميقا لفهمه وترسيخا لمبادئه وتبصيرا للمواطنين بما لهم من حقوق وحريات اكد عليها النظام القضائي الذي يتوافق وطبيعتنا وينسجم مع خصوصيتنا لاسيما وان العالم اليوم يسوده نظامان رئيسيان احدهما نظام القانون المدني وهو مايعرف بالنظام القاري احيانا, والآخر نظام القانون العام وهو الاقرب الى النظام القضائي في الاسلام (وهو ماتأخذ به امريكا وبريطانيا) اما في المجال التشريعي فيجب علينا ونحن نقبل على صناعة تشريعية ـ القوانين التي نص عليها النظام الاساسي ـ ان نؤسس لهذه الصناعة بمعرفة ادواتها وفنونها واساليبها, وفي تجارب الآخرين الكثير الذي يمكن الاستفادة منه, كذلك نسعى للاطلاع على اسلوب الممارسة البرلمانية لدى الدول التي تعمل بنظام المجلسين حتى تبدأ تجربتنا قوية وعلى اسس واضحة. من هنا فان استقدام الكفاءات والخبرات للمشاركة في برامج تدريبية هو من افضل الخيارات بالنسبة لنا, به نستقي من معين تلك الخبرات ونفيد اكبر عدد ممكن من العمانيين. رجل المهام الصعبة, شديد الدقة والنظام في حياته العملية والخاصة, الشيخ حمود بن عبدالله الحارثي رئيس مجلس الدولة في سلطنة عمان, شغل العديد من المناصب الحساسة الهامة: وزير الكهرباء والماء 1979 ـ 1983. رئيس المجلس الاستشاري 1983 ـ 1984. وزير المواصلات 1986 ـ 1991. وزير العدل 1992 ـ 1997.ويحتل حاليا احد ارفع المناصب القيادية: رئاسة مجلس الدولة.