تشهد الساحة اليمنية حواراً عالي الصوت حول موضوع الحكم المحلي, والذي يعتبر من الموضوعات الساخنة جدا في الساحة اليمنية, وبشكل خاص بعد تقديم الحكومة لقانون الحكم المحلي او ما اسمته الادارة المحلية والذي اعتبرته المعارضة وقوى التحديث داخل الحزب الحاكم نفسه مخالفا للدستور ولا يفي بمتطلبات حكم محلي حقيقي . الحكم الحلي ظل هاجسا من هواجس الحركة الوطنية منذ الثلاثينيات ففي اوائل الاربعينيات اصدرت حركة الاحرار اليمنيين ماسمي بالميثاق الوطني المقدس وقد نصت المادة (31) منه على وجوب (تأسيس مجالس للالوية والبلديات على نحو ما هو موجود في البلدان العربية) . وحين تأسست الجمعية العدنية في اوائل الخمسينيات كان اول مطالبها حق الانتخاب للمجلس البلدي الذي كان الاستعمار الانجليزي يعين كل اعضائه. في بداية النصف الثاني من الخمسينيات (عام 1956) اصدر زعيما الحركة اليمنية المعارضة احمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري ما سمياه (مطالب الشعب) وكان من اهم ما جاء في هذه المطالب, المطالبة بانشاء مجالس اقليمية وبلدية وقروية في الالوية والمدن والقرى لتمارس كافة الشئون المحلية على اساس النظام اللامركزي. ولأهمية هذا المطلب فقد ارفقا المطالب بمشروع سمياه (النظام اللامركزي) . والمشروع يعكس وضوح الفكرة لدى الزعيمين اليمنيين وقد استهلا مشروعهما بلوم الامام يحيى الذي كانت اللامركزية احد الاسس التي قامت عليها دعوته لمقاومة الاتراك, فقد كان يعلن تعهده بأن يحكم اهل كل منطقة انفسهم بأنفسهم لكنه لم يكن جادا. يحدد الزعيمان مشكلة الادارة والحكم في اليمن بأنها تكمن في تجمع السلطة في يد واحدة. ويريا ان الاخذ بالاسس الحديثة في تنظيم الدولة يستلزم توزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والهيئات المحلية, ومنذ ذلك الوقت المبكر اكد النعمان والزبيري ان اهم مزايا اللامركزية هو تعميق الشعور بوحدة الشعب وازالة الاسباب النفسية والادارية والاجتماعية والمذهبية والقبلية التي ترعرعت بسبب السلطان المركزي المطلق. ويرى الزعيمان ان اللامركزية جزء لا يتجزأ من ديمقراطية الحكم وشعبيته. والملفت للنظر انهما يشيران بوضوح كامل الى نقطة هامة هي اليوم محل الخلاف الكبير بين المعارضة والسلطة, وهي حق المواطنين في الوحدات المحلية, في اختيار قيادات الوحدات المحلية. يقول النعمان والزبيري واذا كانت الديمقراطية تحقق حكم الشعب, فإن الشعب يرغب في ان يحكم نفسه بنفسه الى ابعد الحدود, وتتركز امانيه في ان يكون حكامه ـ مهما صغروا ـ على صلة بمشاكله وتفهم لها ومن اختياره هو ولا يتحقق هذا الا بالانتخاب. كان من المنتظر ان تأتي حركة سبتمبر 1962 لتحقق هذا الهاجس للحركة الوطنية لكن هذه القضية لم تكن محل اهتمام الحركة في بدايتها فهي لم تشر اليها في مبادئها الستة, كما ان الدستور المؤقت الصادر في 24 ابريل 1963 لم يشر الى موضوع الحكم المحلي لا من قريب ولا من بعيد, وقد تلافى ذلك دستور خمر المؤقت عام 1965 والذي نص في مادته 37 على ان على مجلس الوزراء تهيئة الوحدات المحلية الادارية وتدريبها على ممارسة الحكم المحلي. بعد انتهاء الحرب الاهلية بين الملكيين والجمهوريين صدر الدستور الدائم عام 1970 وقد نصت المادة 110 منه على ان يكون للوحدات الادارية مجالس محلية تمارس فيها شئون المنطقة بطريقة ديمقراطية وفقا للقانون. يأتي دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الصادر في جنوب الوطن في 31 اكتوبر 1978 ليخصص الفصل الرابع لما سماه اجهزة الدولة المحلية واداراتها وهي كما حصرها الدستور: مجالس الشعب المحلية في المحافظات والمديريات والمراكز المنتخبة من قبل المواطنين وقد اعطاها الدستور حق البت في جميع الشئون والقضايا المحلية, كما اعطى مجالس الشعب المنتخبة حق انتخاب مكاتبها التنفيذية ومحاسبتها طبقا للقانون الذي اشترط الدستور ان يرتكز على اساس المركزية الديمقراطية. والمركزية الديمقراطية كما عرفها الدستور نفسه هي التي تجمع بين مركزية ادارة الدولة والتخطيط وبين النشاطات الابداعية لاجهزة الدولة المحلية. رغم غموض مفهوم الديمقراطية المركزية فان دستور عام 1978 لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يعتبر صيغة متقدمة حتى بالنسبة لادبيات الجبهة القومية, التي لم يشر برنامجها السياسي الموحد الصادر بعد حركة 22 مايو 1969 اية اشارة الى الحكم المحلي. وكذلك الامر بالنسبة للبرنامج السياسي لحزب الوحدة الشعبية اليمنية, الجبهة المعارضة للنظام في الجمهورية العربية اليمنية فبرنامجها الصادر في الثمانينيات ليس فيه اي ذكر او اشارة الى الحكم المحلي رغم ان الميثاق الوطني الصادر عن لجنة الحوار عام 1982, قد نص على اهمية مبدأ المشاركة على المستوى المحلي عن طريق تطبيق نظام الادارة المحلية. واكد الميثاق الذي شاركت فيه كل القوى السياسية, واصبح اليوم الدليل النظري للحزب الحاكم المؤتمر الشعبي. ان نظام الادارة المحلية كان من اهم عوامل قوة الدولة المركزية في دول الحضارة اليمنية وانه الاقدر على مواجهة المشاكل وحلها وعلى التغلغل والتفاعل مع المواطنين وعلى تخفيف الضغط على اجهزة الحكومة المركزية وعلى توفير الاستقرار النفسي والسياسي, ويرى الميثاق ان مجالس الادارة المحلية هي القنوات الطبيعية التي تستمد منها الدولة المركزية قوتها وتواجدها الفعال على كل اجزاء الوطن وقدرتها على حماية الارض والسيادة والاستقلال وحماية حقوق ودماء واموال وحريات المواطنين جميعا. ويلاحظ ان الميثاق وقع في تناقض فبعد ان اكد ان الحكم المحلي من اهم عوامل قوة الدولة المركزية اعتبره خطوة تتلو بناء الدولة المركزية الديمقراطية القوية المستنيرة. لقد عكس هذا التناقض طبيعة الحوار والتجاذب بين قوى التحديث التي تعتبر الحكم المحلي مرتكزا اساسيا في بناء الدولة, وبين قوى التراجع التي تتخفى وراء شعار بناء الدولة المركزية القوية اولا متجاهلة دور الحكم المحلي كلبنة اساسية في بناء الدولة المركزية القوية. تجاهل موضوع الحكم المحلي لم يقتصر على البرنامج السياسي لحزب الوحدة الشعبية المعارضة للنظام في شمال الوطن, وانما اغفله ايضا مشروع ميثاق العمل الوطني للتجمع القومي للقوى الوطنية في الجنوب, وهي القوى المعارضة للنظام في جنوب الوطن, كما تجاهله واغفله برنامج العمل الوطني واصلاح الحكم, وهو المقترح المقدم من الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر عام 1973 ولعلها مفارقة تستحق التأمل بين موقف المعارضة في الاربعينيات والخمسينيات, والتي كان لها اهتمام بالحكم المحلي وبين معارضة السبعينيات والثمانينيات التي اغفلت الحكم المحلي في ادبياتها, فهل كان ذلك ناتجاً للثقافة الليبرالية التي تحلى بها معارضو الامام في الاربعينيات والخمسينيات وثقافة الانظمة الشمولية التي سادت المنطقة بعد هيمنة المعسكر على الانظمة في المنطقة وانتشار الفكر الشمولي الذي صدرته الماركسية وتأثر به القوميون وقلده في النهاية الاسلاميون؟ اين موقع الحكم المحلي بعد قيام الوحدة واعلان الديمقراطية والتعددية السياسية؟ للحديث تتمه